جدبد

مجلة الصيرفة الإسلامية- كان الحديث عن البدائل الإسلامية عند بعض المتخصصين في مجال المالية والاقتصاد ضربا من "الدجل" بناءً على نظرتهم الضيقة إلى الشريعة الإسلامية بأنها لا تصلح إلا لإقامة الصلوات وتنظيم العبادات، ولا شأن لها بالحياة الاقتصادية التي تحتاج إلى تشريعات قانونية أكثر تكيُّفا مع الواقع وأكثر استجابة لحاجيات الإنسان التي يمليها عصر التطوّر الذي لا مكان فيه للأفكار الدينية الطوباوية على حد وصفهم.

سار العالم وفق هذا التصوّر الواهم، وقدّم النظام الاقتصادي الرأسمالي على أنه النموذج الأوحد لتسيير شؤون المال والاقتصاد، ولكن دار الزمان دورته واتجه العالم راغما تحت وطأة الأزمة الاقتصادية إلى البحث عن بدائل اقتصادية أخرى كفيلة بإنقاذ الاقتصاد العالمي الذي دمرته المعاملات المالية الربوية وما نتج عنها من آثار اقتصادية خطيرة، ولم يجد الاقتصاديون بديلا اقتصاديا أفضل من البديل الإسلامي لحل المعضلة الاقتصادية العالمية التي وصلت إلى حد الانهيار الاقتصادي والإفلاس المالي وما تبعه من تدهور اجتماعي، ورأينا دولا رأسمالية تقرر في خطوة غير منتظرة اللجوء إلى الصيرفة الإسلامية ولو في نطاقٍ محدود على غرار ما فعلته بريطانيا عملا ببعض الاستشارات المالية التي أثبتت جدوى البديل المالي الإسلامي بفعل النتائج الإيجابية التي حققها في بعض الدول الإسلامية الرائدة في هذا المجال وعلى رأسها ماليزيا وتجارب أخرى محدودة في بعض الدول العربية والإسلامية.

ولم يتوقف الاعتماد على الصيرفة الإسلامية عند هذه الدول بل انتشر واشتهر في السنوات الأخيرة ليكون بديلا ماليا في أكثر من بقعة في العالم، ولم تكن الجزائر بدعا من الدول التي سارت في هذا الاتجاه، ومن الموضوعي القول بأن تجربة الصيرفة الإسلامية في الجزائر بدأت قبل حدوث الأزمة المالية العالمية التي مستها مثلما مست دولا كثيرة، فتجربة "بنك البركة" وغيره في الجزائر على محدوديتها كانت تصب في هذا الاتجاه، وقد ازداد الاهتمام بنظام الصيرفة الإسلامية في الجزائر في عزّ الأزمة المالية وذلك بإعلان الوزير الأول في رده على أسئلة نواب الغرفة الأولى للبرلمان خلال جلسة المصادقة على مخطط عمل الحكومة الشروع العملي في تطبيق هذا النظام الذي سيمس في المرحلة الأولى وقبل نهاية السنة الحالية بنكين اثنين على أن تتوسع العملية مستقبلا لتشمل أربعة بنوك أخرى مع حلول سنة 2018.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد بأن قرار الحكومة الجزائرية باعتماد الصيرفة الإسلامية كان نابعا من ثلاثة مبادئ أساسية: المبدأ الأول وهو أن الدستور الجزائري ينصّ في بعض مواده على اعتماد الشريعة الإسلامية مصدرا ثانيا للتشريع، والمبدأ الثاني ويتمثل في استجابة الدولة الجزائرية لهذا البديل الإسلامي بكونه يمثل مطلبا شعبيا ملحا ومتزايدا، والمبدأ الثالث وهو أن الجزائر اتجهت كما أسلفت ومنذ مدة إلى اعتماد نظام الصيرفة الإسلامية، وتمثل هذا في سعيها المبكر لتشجيع الاهتمام بالمالية الإسلامية وما تبع ذلك من سلسلة الندوات والمؤتمرات والدورات العلمية المتخصصة، التي كانت بداية نظرية مهمة وأساسية من أجل تهيئة وتكريس العمل بنظام الصيرفة الإسلامية.
لا يمكن الحديث عن الصيرفة الإسلامية من حيث كونها بديلا للنظام المصرفي إلا بإبراز مزايا هذا النظام الإسلامي، والتي يمكن أن ألخصها في النقاط الآتية:

1- الصيرفة الإسلامية كما يعرفها المتخصّصون في المعاملات المالية هي جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي، الذي يقوم في جميع معاملاته المصرفية والاستثمارية وغيرها على مبدأ الوساطة المالية المرتبط بمبدأ المشاركة والمرابحة الذي يناقض مبدأ المقارضة والمديونية الذي لا يحقق العدل في التعامل المالي، ويكاد يستحوذ فيه البنك الربوي بكل عوائد المعاملة المالية عدا ما يحرزه الطرف الآخر من فوائد بنكية محدودة.

2- توفّر المصارف الإسلامية مجموعة من الأنشطة لا توفّرها المصارف التقليدية الربوية، ومنها "القرض الحسن"، وصناديق الزكاة والأنشطة المصرفية ذات الطابع الثقافي، ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر قد اعتمدت منذ مدة على هذا النظام، حيث تشير بعض الإحصاءات الرسمية أن عمليات "القرض الحسن" قد مست شرائح كبيرة من المجتمع الجزائري من تشجيعها على إنشاء مشاريع استثمارية محدودة عملت ولو بشكل محدود على امتصاص نسبة البطالة، وهو ما شكل متنفسا للدولة الجزائرية أسهم في تخفيف بعض الأعباء المالية عنها، كما أسهمت صناديق الزكاة في اتجاه آخر وحققت نتائج باهرة، وهذا يجعلنا نقرُّ بأن إيجاد هذه الصيغ الاستثمارية الإسلامية كان بداية موفقة من شأنها أن تضمن نسبة كبيرة من نجاح تجربة الصيرفة الإسلامية في الجزائر.

3- النظام الاستثماري في النظام المصرفي الإسلامي أوسعُ منه في النظام المصرفي التقليدي الربوي، ويؤكد الخبراء في هذا المجال بأن النظام المصرفي الإسلامي يعتمد على تعدُّد أشكال الاستثمار والتمويل في المجالات العقارية والزراعية وغيرها، في حين يقتصر النظام المصرفي التقليدي على نمط واحد منها، وهو ما نلحظه مما يسمى "الاختصاص البنكي" بوجود بنوكٍ تجارية أو زراعية أو صناعية أو عقارية.

4- المصارف الإسلامية تحقق التكافل الاجتماعي وتجعله هدفا من أهدافها، وهي الإستراتجية الاجتماعية التي لا تحققها المصارف التقليدية الربوية، حيث تعمل المصارف الإسلامية على استخدام عوائد الزكاة وعوائد "القرض الحسن" في التكفل بالفئات الاجتماعية الهشة والفقيرة وفق قواعد الاستحقاق المتعارف عليها.

5- الصيرفة الإسلامية هي تجسيدٌ حقيقي لمقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو حفظ المال؛ فالإسلام يعد المال عصب الحياة، ويشدّد على حفظ الملكية المالية وكذا على تنمية هذه الملكية بالطريقة المشروعة من خلال اعتماد مبدأ المرابحة الذي هو شكل من أشكال حفظ المال.

6- الصيرفة الإسلامية تشجع الاستثمار وتحرِّم الاكتناز، وهذا من شأنه أن يضمن تدفق وتداول الأموال، ومن المعروف أن الإسلام يحرِّم اكتناز المال بكل صوره، وهذا بناء على النهي القرآني الصريح: "إن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يُحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهُهم وجنوبُهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون".

@ echoroukonline 2017

السبت, 21 تشرين1/أكتوير 2017 09:56

الصيرفة الإسلامية.. ضرورة فتح نقاش

مجلة الصيرفة الإسلامية- حتى وإن كان خيار الصيرفة الإسلامية اختيارا براغماتيا وليس قناعة وطنية نابعة من قيمنا وثقافتنا، فإنه علينا أن ندعم هذا الخيار. أما إذا كان خيارا وطنيا يجمع بين قيم العودة إلى الذات والفعالية، فذلك هو الأمثل من بين الخيارات وعلينا أن نُعزِّزه بكل الوسائل.

بكل تأكيد، هناك علاقة وطيدة بين قناعات الناس الدينية وتمسُّكهم بأحكام الشريعة الإسلامية ورفضهم الاستثمار بالأموال الربوية أو ادخار أموالهم في البنوك الربوية. وبكل تأكيد، هناك تطلُّعٌ كبير لدى عامة الناس من ذوي الدخل المحدود، وخاصتهم من ذوي الرساميل الكبيرة، أن يستثمروا أموالهم، قلَّت أو كثُرت، في بنوك غير تقليدية يتطابق عملها مع أحكام الشريعة الإسلامية، ولكن في ظل غياب هذه البنوك أو قلتها، وفي ظل عدم وضوح البدائل المصرفية المطروحة، وضعف الترويج لها وعدم تسويقها بالكيفية اللازمة، بقي النّاس بين متردد بشأنها أو خائف من الوقوع في المُحرَّم شرعا إذا ما اعتمدها مما جعل معظمهم يهجرونها إلى الأساليب غير البنكية في المعاملات وإلى الادخار المنزلي مما زاد من حجم الكتلة النقدية للسوق الموازية التي قدّرها البعض في حدود 3700 مليار دينار جزائري في السنة الماضية.
ولعلَّ هذا ما يجعلنا ندعو إلى استباق تنفيذ قرار الحكومة بشأن إدراج الصيرفة الإسلامية في البنوك العمومية بفتح نقاش واسع حول هذه المسألة يشارك فيه، إلى جانب علماء الشريعة، خبراء البنوك والصيرفة ممن يستطيعون الاجتهاد في هذا المجال آخذين بعين الاعتبار المستجدات الحاصلة اليوم في مجال المنظومة المالية العالمية والتحديات الكبيرة التي تواجهها اقتصادياتُ البلدان الإسلامية التي تسعى إلى التحرُّر من التبعية إلى الغرب في جميع المجالات.

ولا شك في أن هناك الكثير من الأحكام ستبقى محل خلاف بين المختصين، ولن يحصل الإجماع حول بديل الصيرفة الإسلامية بين عشية وضحاها، خاصة إذا ما تدخلت اليد الخفية وشجَّعت التناحر بين المسلمين كما في المسائل الأخرى.. ولكن هذا لا يمنعنا من البدء في عمليةٍ مثل هذه لها بُعدٌ اقتصادي لا شك في ذلك، ولكنها تحمل إلى جانب ذلك خلفيات حضارية وقيمية ينبغي عدم الاستهانة بها.

لقد بدأت الشعوب الإسلامية تعرف نهضةً في جميع المجالات منذ بداية القرن الماضي، نجحت في بعضها وأخفقت في أخرى، إلا أن النهضة الاقتصادية بقيت تراوح مكانها إلى حين، ونحن اليوم في حاجة إلى أكثر من رأي في هذه المسألة الاجتهادية للتعرف على أسلم طريق وأنجعه لتدارك ما فاتنا في نطاق القواعد المطابِقة لقواعد الشريعة السمحة، ومن غير الخوض في المسائل التي كثيرا ما كانت سَبَبَ فرقتنا وتشتتنا وضعفنا على جميع الجبهات وما الجبهة المالية إلا إحداها.
@ echoroukonline 2017

مجلة الصيرفة الإسلامية- عندما يتحدث المزيد من الخبراء والأكاديميين الغربيين عن تعاظم أهمية التمويل الإسلامي بسبب أن مبادئه الدينية والأخلاقية هي مبادئ إنسانية عالية وراقية، فلأنهم بذلك باتوا يقتربون أكثر وأكثر من الحقائق التي ارتكزنا عليها منذ البداية ومنذ سنوات طويلة في تحديد هوية وملامح ودور التمويل الإسلامي، وهذه الشهادات تؤكد في الوقت نفسه أيضاً أن التمويل الإسلامي استطاع ولحد كبير أن يعبر عن هويته بصدق وأن يوصل رسالته العالمية.

نحن نؤمن أن مصدر الأديان السماوية جميعها واحد وهو الخالق سبحانه وتعالى، وقد أجمعت كافة هذه الأديان على تحريم الربا، وأن الأموال والأعيان هي أمانة بيدنا يجب أن نستعملها في إعمار الأرض أي يجب أن توظف في خدمة التنمية. وهذا ما أكده مؤخراً السيد ثيودور روزفلت مالوك، الباحث الأمريكي المتخصص في الاقتصاد في جامعة ريدنغ البريطانية، والذي ألف كتاباً بعنوان الحكمة العملية في الإدارة يبحث في سمات 14 ديانة وتوجهاً فلسفياً. ويقول مالوك إننا عندما ننظر لهذه التقاليد الدينية - سواء المسيحية أو اليهودية - وكذلك الفلسفات الإنسانية، سنرى توافقاً في تلك القضايا الرئيسية المنسجمة مع التمويل الإسلامي. كما تحدث السيد مالوك عن نمو تدريجي يشهده العالم حالي نحو الاستثمار بدافع من المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، مشيراً إلى أن التمويل الإسلامي بات جزءاً من تلك الحركة الدولية الكبيرة خاصة وأن هذا النوع من التمويل ينبثق كأحد المحفزات باتجاه الاستدامة، انسجاماً مع أهداف التنمية المستدامة التي أصدرتها الأمم المتحدة.

وقد أرجعني هذا الحديث إلى ورقة كنت قد تقدمت بها إلى المنتدى العالمي التاسع للتمويل الإسلامي الذي نظمه البنك الإسلامي للتنمية في جدة في يونيو/ حزيران 2014 والتي تناولت فيها بصورة خاصة العلاقة بين التمويل الإسلامي والتنمية.

وقد بينت في هذه الورقة أن تعريف الأمم المتحدة وبقية المنظمات الدولية لمفهوم التنمية قد تطور على مدى العقود الخمسة الماضية، وقد أوصل هذا التطوير المفهوم إلى محتوى مقارب إن لم نقل مطابق لتعريف التنمية في أفقها الإسلامي والإنساني. إذ في مطلع الستينات، جرى تعريف التنمية الاقتصادية بأنها "العملية التي يتم بواسطتها، في بلد معين، تزايد مطرد في متوسط الدخل الحقيقي للفرد عبر فترة طويلة من الزمن." وهذا ما يسمى بالنمو الاقتصادي (economic growth). إلا أن هذا المفهوم المبسط للتنمية أثبت فشله الذريع حينما باتت العديد من دول العالم تشهد نمواً اقتصادياً مضطرداً تزامن معه زيادة الأغنياء غنى والفقراء فقراً. فلقد بات من الواضح أن النمو الاقتصادي بحد ذاته لا يحقق التنمية بمفهومها الاجتماعي حينما لا تتزامن معه أي أهداف وآليات تطال الشرائح الأوسع في المجتمع. من هنا بدأت الأمم المتحدة ومنذ الثمانينيات بوضع تعريفات جديدة للتنمية باعتبارها عملية حضارية مستدامة وحقاً من حقوق الإنسان، حيث تعتبر "التنمية الشاملة عملية مجتمعية واعية ودائمة (sustained) من أجل إيجاد تحولات هيكلية وإحداث تغييرات اجتماعية واقتصادية تسمح بتحقيق تصاعد مطرد لقدرات المجتمع المعني وتحسين مستمر لنوعية الحياة فيه". وهكذا نلاحظ أيضاً أن مفهوم التنمية السليم التصق بتنمية الاقتصاد الحقيقي والإنسان نفسه من خلال تمليكه القدرات اللازمة للعمل والإنتاج.

وللأمانة وللتوثيق التاريخي نقول هنا إنه بينما كان مفهوما التنمية والتمويل يتطوران عبر موج متلاطم من الأحداث والنظريات عبر العقود الخمسة الماضية، كان مؤسس مجموعة البركة المصرفية ورائد الحركة المصرفية الإسلامية المعاصرة سعادة الشيخ صالح عبد الله كامل الذي بدأ مسيرة الصيرفة الإسلامية في نهاية الستينات وقام بتأسيس أول مصرف إسلامي يتبع لمجموعة البركة المصرفية عام 1978، كان يضع اللبنات السليمة لكلا مفهومي التنمية والتمويل واللذين توصل لهما العالم فيما بعد. فقامت فلسفة العمل المصرفي الإسلامي لديه على مفهوم "إعمار الأرض"، الذي يعني "إضافة قيمة ملموسة إلى الأصول". إن لهذا المفهوم صلة مباشرة بتطوير المجتمع وتقدمه الاجتماعي والاقتصادي، ويتم تطبيقه على صعيد التمويل الإسلامي من خلال وساطة استثمار نشطة تمثل تكملة لعمليات إنتاجية حقيقية ذات قيمة مضافة ومن خلال تبادل السلع والخدمات، وهو ما يمكن التمويل الإسلامي من تقديم بدائل عملية عن أولئك الوسطاء الماليين الذين لا يقدمون أي منفعة للمجتمع بشكل عام. وبذلك يجسد التمويل الإسلامي منذ سنوات طويلة التطبيقات السليمة لعلاقة التمويل بالتنمية الاقتصادية.

وخلال فترة ترأسي لفريق تمويل التنمية في مجموعة الأعمال B20 التابعة لمجموعة العشرين G20، نجحنا ولله الحمد في وضع التمويل الإسلامي على جدول أعمال قمة مجموعة العشرين التي عقدت العام الماضي في أنطاليا بتركيا وتضمن البيان الختامي للقمة تأكيد على دور الصيرفة الإسلامية ودورها في تمويل الاستثمارات والنمو عالمياً. وقد تحقق هذا الإنجاز بعد جهود كبيرة بذلناها على أكثر من صعيد رسمي واقتصادي. ونواصل جهودنا حالياً لتعزيز هذا الانجاز الهام وتحقيق آليات لدعم التمويل الإسلامي على المستوى العالمي، وبما يحقق أوسع انتشار واعتراف لهذه الصناعة ويعزز دورها في تحقيق أهداف التنمية العالمية.

إن النموذج الفكري للمصرفية الإسلامية يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية في تجسيد علاقته مع التنمية الاقتصادية. المرتكز الأول هو مقاصد الشريعة. وهي تعنى بضرورة الالتزام بالضوابط الكلية الحاكمة لمجالات التبادل الاقتصادي بحيث لا يكون النشاط موضوع العلاقة الاقتصادية محرماً في حد ذاته أو لا يحقق المصلحة العامة. والمرتكز الثاني هو الآليات، وتشمل كافة الصيغ المباحة وتعمل كغطاء شرعي وقانوني لتكييف وتقنين الهيكلة وعلاقة التبادل وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. أما المرتكز الثالث فهو المآلات، وهي النتيجة المرتجاة من عملية التبادل الاقتصادي بحيث تكون نتيجة التمويل محققة لمصلحة الفرد والمجتمع.

إن كافة هذه الإنجازات التي يحققها التمويل الإسلامي لا تعفينا من القول أخيراً إن المسيرة أمامه لا تزال طويلة، وهو لا يزال بحاجة لكافة جهود المؤمنين بالمبادئ التي يرتكز عليها وفي العديد من المجالات التي تطرقنا لها في مقالات سابقة. كما نجدد دعوتنا في هذه المناسبة إلى كافة الحكومات العربية والإسلامية بألا تتردد في تطوير تشريعاتها المالية والمصرفية لفسح المزيد من المجال لتوسع وانتشار الصيرفة الإسلامية (المشاركات)، كما على المؤسسات الإسلامية المالية والمصرفية المتخصصة مثل الأيوفي ووكالة التصنيف الإسلامية العالمية وغيرها أن تواصل تطوير المعايير واللوائح التي تقوي وتعزز المكانة العالمية للتمويل الإسلامي إلى جانب مواصلة تعاون المصارف المركزية مع البنوك الإسلامية في ابتكار الحلول والمنتجات التي تجسد بصورة أكبر مساهمة هذا التمويل في الرخاء والتنمية حول العالم.
@ arabic.cnn 2017

السبت, 09 أيلول/سبتمبر 2017 09:15

ترشيد الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي

مجلة الصيرفة الإسلامية- اهتمَّت النظريةُ الاقتصادية الرأسمالية المعاصرة - كما هو معروف - بالترشيد الاقتصادي في دراستها لسلوك المستهلك، وقد اعتبرت المستهلك رشيدًا من خلال ابتداعها مبدأَ فرضية الرشد الاقتصادي، عندما افترضته رشيدًا بتحديد خياراته، طالما أنه عندما يكون في السوق لشراء ما يحتاجه من السلع لأغراض الاستهلاك، يقارن برشد بين ما سيحصل عليه من منفعةٍ من السلع التي سيشتريها، وبين ما سينفقه عليها مِن دخل؛ فهو إذًا يبحث عن تعظيم منافعه في السوق بإنفاق دخله المتاح للإنفاق.

وقد لا يعرف الكثير حتى من بين المهتمِّين بالاقتصاد - شيئًا عن موضوع الترشيد في الاقتصاد الإسلامي؛ حيث لم يحظَ مثل هذا الموضوع بكثير من البحث والتحليل والدراسة على المستوى الأكاديمي؛ لغياب استخدام آليات الاقتصاد الإسلامي اليوم عن تعاملات السوق والتبادل في الحياة العملية، بعد أن هيمَنَ الاقتصاد الرأسمالي على التعامل في السوق في مجالات الحياة المعاصرة كافة، وقيَّد حركة الأنشطة الاقتصادية في السوق بموجب قوانينه.

وتجدر الإشارة إلى أن موضوع ترشيد الاستهلاك احتلَّ مكانةً مهمَّة في الاقتصاد الإسلامي؛ حيث يلاحظ ابتداءً أن أحكام الشريعة الإسلامية جاءت غائيَّة، بمعنى أنها لم تكن عبثيَّة عندما شرَّعت قواعدَ عامة لتحقيق غايات معينة تُلبِّي مصالح المكلَّفين؛ بجلب نفع لهم، أو دفع ضرر عنهم، ومِن منطلق هذه القاعدة الغائيَّة الساميَّة، فإن ترشيد استخدام الموارد، وتجنُّب الإضرار بالآخرين في الاقتصاد الإسلامي، يتطلَّب ليس فقط مراعاة مصالح أبناء الجيل الراهن من الناس، بل الأجيال القادمة منهم، باعتبار أن الإنسان لَمَّا كان مستخلفًا في هذه الأرض، فإنه من حقِّه الانتفاع بمواردها، بشرط تقيُّده بالاستخدام الرشيد لهذه الموارد، وعدم الإسراف والمبالغة في تبذيرها للحفاظ عليها من الهدر والضياع.

ومن هنا كان الفردُ المستهلِك في الاقتصاد الإسلامي متوازنًا كليًّا؛ سواء على مستوى إشباع حاجاته الضرورية على قاعدة: (وكُلوا واشربوا ولا تُسرفوا)، أو مستوى الحفاظ على الموارد، تماشيًا مع قاعدة التوازن الكليَّة في الكون والبيئة على قاعدة: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49].

ومما تقدَّم يُلاحَظ أن ترشيد الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي، هو محلُّ اعتبارٍ عَقَدي ابتداءً، تَفرضه على المستهلك مقتضيات الإيمان بقواعد الشريعة الإسلامية التي نَهتْه عن الإسراف والتبذير في استخدام الموارد التي هو مستخلَف فيها وأمين عليها؛ حفاظًا عليها من الضياع والنَّفاد، وبما يضمن ديمومتها في الحياة، لضمان حقِّ الأجيال القادمة، إضافة إلى مقتضيات إشباع حاجاته الدنيوية المحضة، وهو ما امتاز به الاقتصاد الإسلامي عن الاقتصاد الرأسمالي الذي تَحكمه مقاييسُ تعظيمِ المنفعة والربح بحسابات ماديَّة مجرَّدة خالية من أي وازع قِيَمي غير دافع الكسب.

@ alukah 2017

بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله وصحبه.

وبعد:

فلم يكن الغزو الخارجي في القرون الأخيرة محصورا في الغزو العسكري والاحتلال والاستعمار للعالم الإسلامي فحسب، بل كان الأخطر منه الغزو الفكري الذي مهد لهذا الاحتلال ثم صحبه، ثم أصل لبقائه من خلال تطبيق القوانين والأنظمة الغربية التي حملها معها الاستعمار نفسه؛ لذلك كان من نتائج ذلك إبعاد الشريعة الإسلامية عن مفاصل الحياة، وساحات الحركة، وبخاصة ساحة القوانين المدنية والتجارية والاقتصادية.

ومن هنا طبق النظام الربوي على البلاد الإسلامية وأصبح الأساس للتعامل اليومي، حتى أطلق شعار "لا اقتصاد بدون بنوك، ولا بنوك بدون فوائد".

وحاولوا أصحاب هذا الفكر أن يجعلوا ذلك من باب الحتميات التاريخية التي لا تحتمل التعديل أو التغيير، أو التبديل؛ ولذلك طبق على العالم الإسلامي على الرغم من معارضته من قبل بعض العلماء وعامة الناس.

غير أن الصحوة الإسلامية المباركة التي بدأت منذ أوساط القرن العشرين حرَكت الجماهير مرة أخرى للعودة إلى منبعها الأصيل، وإلى دستورها القويم الكامل (القرآن) الذي جاء فيه: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد} فصلت:42.

ولذلك كانت حركة العلماء والمفكرين تزداد نحو رفض المشروع الغربي الذي كان النظام الربوي من أهم معالمه.

وبما أن منهج الإسلام في العلاج هو إيجاد البدائل قبل التحريم كما في آية الربا نفسها: {وأحل الله البيع وحرم الربا} البقرة:275، اتجهت جهود العلماء وأصحاب المال نحو إيجاد البدائل الإسلامية في مجال الربا فكانت البنوك الإسلامية التي بدأت أولى ثمارها الناجحة: بنك دبي الإسلامي عام 1975، وبنك التنمية الإسلامي، ثم بقية البنوك التي وصلت اليوم إلى مئات البنوك وآلاف الفروع، وبلغت استثماراتها مئات المليارات من الدولارات.

لا شك أن البنوك الإسلامية في العديد من الدول تعيش حالة ازدهار وانتشار، ولا شك أنّ جهودًا جبّارة بُذلت للوصول بالمصارف الإسلامية إلى هذا المستوى، ولكن هناك عدة انتقادات لهذه المصارف، ينبغي الوقوف عندها، وعلى القائمين على المصارف أن يستمعوا لها.

فلا يصح أن يُختزل هذا العنوان العريض: (بنك إسلامي) بمجرد تحويل المعاملة المحرمة إلى معاملة مشروعة، كلا؛ فالبنك أو المصرف الإسلامي ينبغي أن يكون له دوره الإستراتيجي الهام في تقديم النموذج الإسلامي بمعناه العريض والواسع، سواء أكان ذلك من خلال إشراك المواطن في تعاملات إسلامية حقيقية، تجني له أرباحًا مجدية- غير مضمونة- بأسلوب المضاربة، أو الاستصناع...، فترفع من مستوى دخله، وتخفّف عليه من لهيب الغلاء، أو كان ذلك من خلال بناء أوقاف خيرية يستفيد منها أصحاب الدخل المحدود، أو من خلال بناء مراكز طبية يستفيد منها مرضى الكلى، أو السرطان، أو التوحّد...الخ، أو حتى من خلال تقديم قروض حسنة لمن ظهرت حاجته الملحة بالأمارات والقرائن، أو من خلال توسيع دائرة (الإسلامي) لتشمل المنفعة والتنمية كل أفراد المجتمع، وذلك ببناء مراكز علمية أو بحثية...الخ،

وبهذا تستطيع هذه البنوك الإسلامية أن تفخر بانتمائها الإسلامي وهي مرفوعة الرأس، وأن تقدم نموذجًا حسنًا، يُقتدى به في سائر أقطار العالم، لا أن تقدم نموذجًا ماديًا صرفًا، أو أن تقدم نموذجًا تقليديًا وتكسوه لباسًا إسلاميًا.

ومن أهم الانتقادات الموجهة للبنوك الإسلامية نجد ما يلي:

أن منتجاتها ابتعدت عن تحقيق مقاصد الشريعة، الأمر الذي أفقدها المصداقية. ويشير بعض الخبراء الاقتصاديين إلى أن دخول المؤسسات العالمية (الرأسمالية) مجال الصيرفة الإسلامية فرّغ هذه الصناعة من قيمها وحوّلها إلى هياكل إسلامية بعيدًا عن مقاصدها الشرعية، وأصبحت صناعة مالية رأسمالية بثوبٍ إسلامي.

ومن الانتقادات أن البنوك الإسلامية تتسابق نحو تحقيق الأرباح الفاحشة مستغلة حاجة الناس إلى مؤسسات شرعية تضمن لهم عدم الوقوع في المعاملات المحرمة، وهناك تضجّر من كثير من عملاء هذه البنوك من هذا الاستغلال الفاحش؛ بحيث إذا قارنّا بين ما تأخذه البنوك التقليدية وما تأخذه البنوك الإسلامية نجد الفرق كبيرًا، فهل هذا يتفق مع مقاصد الشريعة من الرحمة والتوسيع والتخفيف على الناس؟!

ومن المآخذ أيضًا أن هذه البنوك تركّز على التمويل الاستهلاكي الفردي مبتعدة عن تمويل المشاريع التي تنفع المجتمع والمشاريع الحضارية التي تساهم في تنمية وتقدم المجتمع.

وهناك انتقادات كثيرة توجه لطبيعة المعاملات التي تقوم بها تلك البنوك الإسلامية، وثمة من يشكك في شرعية بعض تلك المعاملات، فهي في المحصلة النهائية لا تختلف كثيرا عن المعاملات البنكية التقليدية المعروفة.

وهناك من يشتد في نقده قائلا: "لقد استغلت بعض تلك البنوك صفة الإسلامية، سعيا منها إلى جذب رؤوس أموال كبيرة".

الكثير من الباحثين يجدون أن البنوك الإسلامية كغيرها من البنوك التقليدية التي يغلب عليها جانب الربح المادي السريع دون تقيدها التام بأحكام الشريعة ومقاصدها، وأن البنوك الإسلامية تقوم في مبدئها الكلي على التجارة (بيع، مضاربة، مشاركة، إجارة، مزارعة، مرابحة، استصناع..."، أما البنوك الربوية فمبدؤها يقوم على إقراض المال واقتراضه فقط، وبالتالي فعن أي تنمية اجتماعية نتحدث.

أحد العاملين في البنوك الإسلامية بالخليج أوضح لي بأنه من الناحية النظرية التأصيلية ثمة قواعد وقوانين تكيف تلك المعاملات تكييفا شرعيا سائغا، لكن المخالفات تقع في مجال التطبيق العملي، وتختلف من بنك إلى آخر.

وهناك تهاون البنوك الإسلامية بالمعايير والضوابط الشرعية، كإجراء العقود الصورية، وعدم قبض البضاعة حال شرائها وبيعها، وتورط بعض البنوك بالتورق المنظم، كتلك البنوك التي تقرض العميل مالا نقديا تحت ذريعة شراء زيت نخيل وبيعه في ماليزيا أو غيرها، وهي قضية صورية تدخل في باب الاحتيال، وتتنافى مع أصول المعاملات الإسلامية الشرعية الصحيحة.

وأكد الباحث الشرعي المصري، الدكتور علي ونيس، أننا نجد بعض البنوك التي تظهر الشعار الإسلامي تلتزم من ناحية لوائح سير العمل بها بالشريعة الإسلامية نظريا، أما من الناحية التطبيقية فنجد أنها تخالف هذا المنهج التنظيري مخالفة تخرج العمل عن كونه إسلاميا.

ومن الأخطاء التي تقع في معاملات البنوك الإسلامية أنها تخالف قرارات المجامع الفقهية الإسلامية، التي يفترض أنها بالضرورة تنظم عمل المؤسسات المالية الإسلامية، مشيرا إلى أن بعض البنوك الإسلامية لا تمارس البيع بشكل واقعي، بل صوري، وتتعامل في الأسواق الدولية على ذلك الأساس، وهو أمر حرمته مجامع فقهية كثيرة، لكن البنوك لا تزال تمارسه.

لا زالت تحديات الالتزام التام بشرعية المعاملات البنكية في البنوك التي تحمل صفة الإسلامية قائمة، فثمة مخالفات شرعية واضحة، وأخرى تدخل في باب التحايل الشرعي المكشوف، مع تفاوتها بطبيعة الحال من بنك إلى آخر، لكن ظاهرة البنوك الإسلامية -على ما يعتريها من خلل ومخالفات-خففت من وطأة الربا الصريح عن كاهل عامة المسلمين المتدينين.

ويعتبر بنك "أمنية بنك" ثمرة شراكة بين القرض العقاري والسياحي وبنك قطر الدولي الإسلامي، أول بنك تشاركي يحصل على الترخيص من طرف البنك المركزي لمباشرة أنشطته في المغرب.

وأمام موجة هذه الانتقادات الموجهة للبنوك الإسلامية نطرح التساؤل هنا: كيف ستعمل البنوك التشاركية في المغرب التي تعمل وفقا للقانون من تقريب رؤيتها إلى زبنائها المغاربة علما بأن هدف البنك بالأساس هو تحقيق الأرباح لا غير؟

*باحث في سلك الدكتوراه.
@ hespress 2017

السبت, 15 تموز/يوليو 2017 07:10

الزكاة علاج للركود الاقتصادي

مجلة الصيرفة الإسلامية- الاقتصاد قوة الدول والشعوب، لا سيما في هذا العصر الذي أضحت فيه بعض الأمم رهينة المادة، بل تعتبرها الفاصل بين التقدم والتخلف. ومن هنا احتلت الدراسات الاقتصادية مركز الصدارة، وشغلت اهتمام رجال السياسة والمال وعلماء الاجتماع والاقتصاد.

والإسلام في مجال المعاملات الاقتصادية حافلٌ بالقواعد والضوابط المنظمة لكل من المستهلك والمنتج والسوق والنشاط الاقتصادي. هكذا كان الاقتصاد الإسلامي قادراً على حل المشكلات الاقتصادية لما يتمتع به من خصائص ومقومات غير متحققة في غيره.

وهذا ما شهد به الاقتصاديون والمفكرون الغربيون أنفسهم، منهم على سبيل المثال: أستاذ الاقتصاد الفرنسي جاك أوستري الذي يؤكد في كتابه ((الإسلام والتنمية الاقتصادية)) أنَّ طرق الإنماء الاقتصادي ليست محصورة بين الاقتصاديين المعروفين الرأسمالي والاشتراكي بل هناك اقتصاد ثالث راجح هو الاقتصاد الإسلامي الذي سيسود المستقبل. لأنه - على حد تعبير أوستري - أسلوبٌ كامل للحياة، يحققِّ المزايا ويتجنِّب كافة المساوئ. ذلك أنَّ الإسلام هو نظام الحياة والأخلاق الرفيعة، وهاتان الوجهتان مترابطتان لا تنفصلان أبداً.

يقول ليون روشي في كتابه ((ثلاثون عاماً في الإسلام)) لقد وجدت فيه - الإسلام - حلّ المسألتين الاجتماعية والاقتصادية اللتين تشغلان بال العالم طراً.
الأولى في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ... ﴾ [الحجرات: 10] الآية، فهذه أجمل المبادئ للتعاون الاجتماعي.
والثانية فرص الزكاة في مال كل ذي مال، بحيث يحق للدولة أن تستوفيها جبراً إذا امتنع الأغنياء عن دفعها طوعاً.

ويؤكِّد جاك أوستري هذه الحقيقة بقوله: إنَّ المسلمين لا يقبلون اقتصاداً علمانياً، فالاقتصاد الذي يستمد قوته من وحي القرآن يصبح بالضرورة اقتصاداً أخلاقياً. وهذه الأخلاق تقدر أن تعطي معنى جديداً لمفهوم القيمة أو تملأ الفراغ الذي ظهر نتيجة آلية التصنيع.
أما البروفيسور الروسي وسلوزيجيريسكي فيقول: لقد أدهشتني النظم الاجتماعية والاقتصادية التي يقررِّها الإسلام وعلى الأخص الزكاة وتشريع المواريث وتحريم الرِّبا.

ويؤكد هذا روجيه جارودي المفكر الفرنسي بقوله: إنَّ الاقتصاد الإسلامي الصادر عن مبادئ الإسلام هو نقيض النموذج الغربي الذي يكون فيه الإنتاج والاستهلاك معاً غاية بذاتها، أي إنتاج متزايد أكثر فأكثر، واستهلاك متزايد أسرع فأسرع، لأي شيء، مفيداً أو غير مفيد، دون نظر للمقاصد الإنسانية. إنّ الاقتصاد الإسلامي لا يخضع للآلياتَ العمياء، فهو متسق ومحكوم بغايات إنسانية ومقاصد إلهية مترابطة.
هذه بعض شهادات من باحثين ومفكرين واقتصاديين وعلماء غربيين، يشهدون بما شرعه الإسلام من عدالة اقتصادية واجتماعية.

هكذا ، فإن الزكاة جزء من النظام المالي الخاص للأفراد في تنظيم تجارتهم وضبط أموالهم. كما تسهم الزكاة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والمالية للأفراد والمجتمعات. وتعتبر الزكاة أهم وسيلة من وسائل التكافل الاجتماعي في الحياة. وتسهم الزكاة في حل مشكلة البطالة وتشغيل عدد من العاطلين عن العمل.
إنّ الزكاة تحتل مكاناً رئيساً في نظام الاقتصاد الإسلامي المتكامل، حيث تلبّي وظائف متعددة في علاج الركود الاقتصادي ، وفي مجال العمل الخيري البناء، كما تلبّي حاجات أخرى عديدة.

يقول الحاج أحمد الحبابي في كتابه "الإسلام المقارن": "إنَّ إخراج الزكاة شكْرٌ لنعمة الغِنَى الذي أنعم الله به على المزكِّي؛ إِذِ الشكر - كما قيل - صرْفُ العبد جميعَ ما أنعم الله به من النعم، واستعمالها فيما وُضِعتْ له".
إنَّ شكر نعمة الله - سبحانه - يكون بأمور، منها امتثال أمْرِ الله في المال بإخراج جزء منه إلى الفقراء والمساكين؛ رحمةً بهم وتعطُّفًا عليهم، ومَن لم يشكر النِّعَم فقد تعرَّض لزوالها.

وإذا عَلِم الفقراء أنَّ الرجل الغني يَصْرف إليهم بعض ماله، وأنَّه كلَّما كان مالُه أكثر كان الذي يصْرفه إليهم من ذلك المال أكثر - أمَدُّوه بالدُّعاء، وللقلوب آثار، وللأرواح حَرارة، فصارَتْ تلك الدعواتُ سببًا لبقاء ذلك المزكِّي في الخير والخصْب.
وما ضاع الفقراء وجاعوا، وما قضَتْ عليهم الأمراض والأوباء، إلاَّ بمنع الأغنياء زَكواتِ أموالهم عنْهم، كما ورد عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - قوله: "ما جاع فقير إلا بما منَع غَنِي"..

ولَمَّا كان الأغنياء يُخرِجون زكوات أموالهم في أزمان ماضية، قلَّ الفقر عندهم حتَّى كان بعض الأغنياء لا يَجِدون مَن يقبضها - أيْ: الزكاة - منهم؛ فقد أغناهم الله - تعالى - من فضله.
يقول الحاج الحبابي في كتابه السابق: "إنَّ الزكاة تُدخِل نشاطًا فكريًّا وعقليًّا على المُعطي والمعطَى، وبالتالي يحصل لهما قوَّة بدنية، وحصانة شخصية بها يَزُول الفقر والمرض والجوع".

وحينما كان الأغنياء يؤَدُّون زكاة أموالهم عن اقتناع وإيمان، كانوا يُحسُّون بأنَّهم يؤدُّون فريضة الأمْن والاستقرار؛ إذ صار الناس بين غنيٍّ غير مُحتاج، وفقير أخَذَ حقَّه من مال الغني، ولم يَبق له عذْر في السرقة، فإذا سرَقَ فإنَّما هو جَشِعٌ غير قَنُوع، من حق الدَّولة إذْ ذاك أن تؤدِّبه بقَطْع يده التي مدَّها للسرقة.

ولذا فقد رأى بعض العلماء والباحثين ضرورة إضافة بعض التطبيقات المعاصرة فيما يتعلق بمصارف الزكاة، من حيث دفع الزكاة لأصحاب الدخل المحدود الذين لا يكفيهم دخلهم سواء أكانوا عمالاً أم موظفين أم مستخدمين.

كما يمكن قضاء دين الميّت من الزكاة باعتبار صاحبه من الغارمين، إذا لم يكن في ميراثه ما يفي بذلك، ولم يسدّد ورثته عنه ، وفي ذلك أمان لأصحاب الديون، ودعم للتكافل الاجتماعي وحث على القرض الحسن الذي يطمئن صاحبه إلى سداده من المدين. ومن السبل المهمة في هذا الزمان ما يتعلق بمشكلات الشباب وخاصة العزّاب، فيا حبذا أن تسهم الزكاة في حل تلك المشكلات ومعالجة أوضاع أولئك الشباب، من خلال المشاركة في مشاريع الزواج وإعفاف الشباب والبنات غير القادرين على نفقات الزواج.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك مسائل غاية في الأهمية تتصل بالزكاة ومصارفها وأموالها في حاجة إلى بحث ومدارسة من قبل العلماء والفقهاء والمهتمين والباحثين.
ومن ذلك: حالة الموظفين العاملين على جباية الزكاة وصرفها وتوزيعها، كيف يعامل هؤلاء على ضوء أنظمة العمل والقوانين المنظمة للعمال والموظفين؟

وكذا ضرورة الاستعانة بالخبراء الاجتماعيين لمعرفة الفقراء والمساكين ودراسة أحوال الغارمين والمؤلفة قلوبهم وأبناء السبيل وأوجه ((في سبيل الله)).
إضافة إلى حاجة مؤسسات الزكاة إلى التقنيات الحديثة لتطبيق الزكاة، واستخدام أجهزة الحواسيب، والمستودعات لحفظ أموال الزكوات.
وهناك أموال الزكاة الواقعة في الفترة بين الجباية والصرف، هل يمكن استثمارها، أم توضع أمانات مجمّدة؟
وما مدى الحاجة إلى لجنة شرعية مختصة كخبراء دائمين متفرغين، لحل المشاكل الطارئة ودراسة الصعوبات الناشئة في شؤون وأمور الزكاة؟

وسعياً وراء تحقيق الأهداف الشرعية للزكاة والمقاصد الربانية لفرضيتها والغايات السامية لتشريعها، فإنه ينبغي أن تقوم الزكاة بوظائفها من حيث معالجة مشكلة البطالة وظاهرة الفقر، بتأمين العمل للناس، وتوفير السبل أمام العمال والشباب، وتوفير العيش الكريم للناس، وحفظ الكرامة الإنسانية للأفراد، وتزويد الأسرة والأطفال بالقوت الضروري والغذاء اللازم، والمساهمة في الحركة الاقتصادية في الإنتاج والعطاء، والقضاء على منافذ الفساد والجريمة.

ختاماً يمكن القول : إنَّ الإسلام في جوانبه وتعليماته وأحكامه لا يخلو من التقريرات الاقتصادية، والتي منها:
1- المال مال الله والناس مستخلفون فيه.
2- الطرق المباحة للتصرف في المال محدَّدة شرعاً.
3- تحصيل المال يكون بما يحلّ من الأسباب.
4- السوق في الإسلام لها آداب وأحكام.
5- الرِّبا محّرمٌ في الإسلام.
6- الزكاة حق للفقراء والمساكين.

هكذا فإن الاقتصاد الإسلامي عبادة وطاعة وتكليف وأمانة، عالمنا المعاصر يتطلع إليه، إذ هو يخلو من عيوب الرأسمالية الفردية والاشتراكية المستبدة.

@ alukah 2017

الصفحة 1 من 52

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy