السبت, 23 كانون1/ديسمبر 2017 09:48

الاقتصاد السلوكي والصيرفة الإسلامية

مجلة الصيرفة الإسلامية- من المتفق عليه إن ضعف قواعد الحوكمة والثغرات في الأنظمة المحاسبية والرقابية، كانت من بين أسباب أخرى ساهمت في اندلاع الأزمة العالمية عام 2008. إذ استغلت المصارف جوانب الضعف والثغرات هذه، في تمرير التلاعب بسوق العقارات والمساكن في الولايات المتحدة، وفي أسواق المشتقات المالية، وفي تضخيم أرباح المتاجرة بدفاتر البنوك من أجل حصد المكافآت المرتفعة. وكانت ردة الفعل الطبيعية جملة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومات والبنوك المركزية و «لجنة بازل»، انتهت إلى ظهور ما يسمى بـ «بازل 3». واضح أن هذه الإجراءات تستهدف وضع مزيد من الرقابة والقيود على تصرفات المسؤولين في المصارف لدى اتخاذ قرارات التمويل والاستثمار. لكن مع ذلك، تظل هذه الإجراءات قاصرة عن الوصول إلى تغيير سلوك هؤلاء المسؤولين الذين تدفعهم نوازعهم الشخصية للإصرار على البحث عن منافذ للالتفاف على تلك الرقابة والقيود.
لذلك، شهدنا خلال السنوات الماضية مزيداً من الاهتمام بدرس دور العوامل النفسية في صنع القرارات الاقتصادية، مع التركيز على العوامل السلوكية، في إشارة إلى اهتمامات الاقتصاد السلوكي الذي يرجع الفضل في تطويره إلى عالم الاقتصاد الأميركي ريتشارد ثالر، الذي حاز قبل أشهر على جائزة نوبل للاقتصاد لعمله الرائد في هذا المجال. ويرى ثالر أن الافتراض بأن الأفراد يسلكون سلوكاً اقتصادياً رشيداً، ليس بالأمر الصحيح دائماً. ولو كان الأمر كذلك، لتشابهت السلع، وتساوت أسعار السلع والخدمات المتشابهة. لذلك، فإن على السلطات عدم الاكتفاء بالتشريعات والقوانين، بل يجب أن تطور قنوات اتصال تركز على ترشيد سلوك الأفراد والمؤسسات وتنشيط ردات الفعل الإيجابية لديهم لدى اتخاذ قراراتهم.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت مؤشرات تدل على دخول المصارف المركزية والمؤسسات المالية هذا المجال. وعلى سبيل المثال، تعاونت المصارف المركزية مع المؤسسات المالية في بلدانها على تصميم سياسات أفضل لحماية المستهلك المالي، وإدارة الأخطار المالية والسلوكية. ففي مجال سياسات حماية المستهلك المالي، تفترض السياسات التقليدية لحماية المستهلك أنّ المستهلك زبون «عقلاني»، يقوم بتحليل كل المعلومات المتاحة أمامه لاتخاذ أفضل قرار ممكن، بحيث تؤدي الزيادة في المعلومات إلى قرارات أفضل. وهذا مخالف للأدلة المأخوذة من بحوث الاقتصاد السلوكي التي تدل على أن المستهلك غالباً ما يتخبط أمام كثرة المعلومات أو يُهمل المعلومات المتاحة أو أجزاء منها، حتى لو كانت بالغة الأهمية٬ أو يعتمد على جزئية بسيطة ربما لا تكون كافية لتكوين القرار الصائب. وبالتالي، يمكن للمصارف المركزية استخدام مفاهيم الاقتصاد السلوكي لإعادة تصميم سياسات حماية المستهلك. على سبيل المثال: صياغة المعلومات ذات الأهمية التي يتلقاها المستهلك عندما يتقدم بطلب للحصول على رهن عقاري أو على بطاقة ائتمان، أو يشتري منتجات التأمين أو يستثمر في صندوق للمعاشات التقاعدية بطريقة جاذبة للانتباه ومفهومة وفي التوقيت المناسب.
أما في ما يخص إدارة الأخطار المالية والسلوكية، فيملك الاقتصاد السلوكي دوراً مهماً في ذلك من خلال معالجة ضغوط الديون (debt stress) في سوق الائتمان الاستهلاكي، إذ يمكن مساعدة الأفراد الذين يعانون من ضغوط الديون على سداد ديونهم في الوقت المحدد، من خلال إرسال رسائل نصية إيجابية تحفزهم على ذلك، وهو ما قام به البنك المركزي المجري كجزء من برنامج لتحسين إدارة الديون.
وعندما نتحدث عن هذه القضايا في إطار الصيرفة الإسلامية، وكما ذكرنا، فإن إجراءات وتشريعات تشديد قواعد الحوكمة والمعايير المحاسبية التي طبقتها «بازل»، تفترض بقاء المنتجات المصرفية ذاتها والتي ساهمت في الأزمة العالمية مثل المشتقات المالية ولكن مع تشديد الرقابة عليها.
كذلك الاقتصاد السلوكي يفترض بقاء هذه المنتجات، ولكن مع السعي إلى تغيير سلوك المسؤولين المصرفيين والمستثمرين في التعامل معها كي يكونوا أكثر مسؤولية. بينما عندما نتحدث عن الصيرفة الإسلامية، فإننا يجب أن نلاحظ إن هذه البنوك تنطلق أولاً وفي بدء مزاولة عملها، على تجنب تقديم منتجات أو خدمات قد تؤدي إلى إلحاق الضرر بالمتعاملين، وهي عادة ما تربط بالاقتصاد الحقيقي، وتلتزم أخلاقياً ومهنياً، انطلاقاً من تقيدها بمبادئ الشريعة، بالصدق والأمانة، كما تتعامل مع الأموال التي لديها كأموال عامة هي مسؤولة عن الحافظ عليها وتجنيبها الضياع والخسارة قدر الإمكان. إذا لدى المسؤولين المصرفيين في المصارف الإسلامية ما يوجه سلوكها من الناحية الشرعية والأخلاقية، نحو اتخاذ قرارات استثمارية وتمويلية أكثر رشداً.
ولكن هذا لا يمنع من القول إن التطورات التي نشهدها في حقل الاقتصاد السلوكي وتطبيقاته في مجال المصارف والمؤسسات المالية، يجب أن يكون حافزاً للبنوك الإسلامية للعمل على مراجعة ومواصلة تطوير منتجاتها وخدماتها وعقود معاملاتها ومناهج عملها، من خلال الاستفادة من تلك التطبيقات بغية ربطها بشكل أكبر بمقاصد الشريعة والحاجات الضرورية للمستهلكين والمستثمرين، وأن تبتعد من استغلال التحيز السلوكي والضعف المعرفي لدى المتمولين والزبائن من ناحية استغلال العاطفة الدينية لديهم، وتقديم منتجاتها المالية التقليدية، بمسميات العقود الفقهية. كما يجب أن تلتزم بالإفصاح عن البيانات التي تكون في وضع ظني لاستغلال المستهلك، وتوعيته بالخيارات المالية السليمة، ضافة إلى منع تسويق المنتجات المالية التي صممت لتضليل المستهلك واستغلال ضعفه المعرفي وأن تعامل المستثمر والمستهلك كشريك لها في أعمالها، وتساعده على اتخاذ القرارات الصائبة.
وأخيراً، على رغم بروز وحدات الاقتصاد السلوكي في عدد من الدول العربية٬ لا يمكن اعتبار الشمول المالي أو المسائل النقدية التي بدأت المصارف المركزية في بعض الدول لا سيما في أميركا وأوروبا، مقاربتها بعدسة سلوكية، من المسائل التي هي على لائحة الأولوية في دولنا العربية. لذلك، نتطلع إلى مبادرات رائدة من المصارف المركزية والبنوك العربية واتحاد المصارف العربية في هذا المجال.
@ alhayat 2017

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated.
Basic HTML code is allowed.

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy