السبت, 17 شباط/فبراير 2018 04:54

في بيان مفهوم الوسيط التجاريِّ وتطوُّره

مجلة الصيرفة الإسلامية- الحمدُ لله، والصَّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعد،

فهذا مبحثٌ ممّا تمسُّ إليه حاجةُ الفقيه وطالبُ الفقه، من الإلمام بواقع النشاط التجاريّ، وتطوّره عبر العصور، والإلمام بالظروف الواقعيّة التي أسهمت في هذا التّطوّر؛ وذلك كما قرّر العلامة ابن القيم أنّه: (لَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلَا الْحَاكِمُ مِنْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، إلَّا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الْفَهْمِ:

أَحَدُهُمَا: فَهْمُ الْوَاقِعِ وَالْفِقْهِ فِيهِ، وَاسْتِنْبَاطُ عِلْمِ حَقِيقَةِ مَا وَقَعَ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ، حَتَّى يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: فَهْمُ الْوَاجِبِ فِي الْوَاقِعِ، وَهُوَ فَهْمُ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رسوله فِي هَذَا الْوَاقِعِ، ثُمَّ يُطَبِّقُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ؛ فَمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَعْدَمْ أَجْرَيْنِ أَوْ أَجْرًا؛ فَالْعَالِمُ مَنْ يَتَوَصَّلُ بِمَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ، إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا تَوَصَّلَ شَاهِدُ يُوسُفَ بِشَقِّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ إلَى مَعْرِفَةِ بَرَاءَتِهِ وَصِدْقِهِ)[1].

مقدّمة في بيان مفهوم الوسيط التجاريّ وأهميّته:

إنّ النّشاط التّجاريّ بين البشر، إنّما يتمُّ عبر وسيطٍ ذي قيمةٍ مادّيّة نفعيّة، يتمّ على ضوئه تقييمُ ما لدى كلِّ فردٍ من السِّلع والمنافع، حتّى يتسنّى بناءً على ذلك تحقيقُ عمليّة المبادلة التي هي جوهر كلّ نشاطٍ تجاريّ.

هذا والنشاط التجاريّ، بطبيعته يرتقي من خلال تطوّر المجتمع[2]، فترتقي بارتقائه عمليّةُ المبادلة، كما يرتقي بارتقائها الوسيطُ الّذي تتمّ من خلاله هذه المبادلة.

إذن، فبإمكاننا الآن تعريف مفهوم الوسيط التجاريّ، بأنّه يدل على الأداة التي يتمُّ من خلالها تبادل السّلع والمنافع، بين الأفراد، فلولاه لمّا تمكّن الأفراد من إنجاز عمليّة التّبادل، التي هي شرطٌ لقيام أيّ نشاطٍ تجاريّ.

ويتميّز هذا الوسيطُ، بأنَّ له قيمةً ذاتيّةً، حقيقيّةً أو حُكميّة، وسيتّضح لنا معنى ذلك في السياق التّالي.

تطوُّر مفهوم الوسيط التّجاريّ:

لقد قدّر الله عزّ وجلّ، أنّ هذا الوسيط الّذي تجري وفقاً له المبادلاتُ التجارية، في عصور البشريّة الأولى، كان كامناً في السّلع والمنافع ذاتها، فكانت المبادلة تتمُّ مباشرةً بحسب حاجة كلٍّ من الطرفين إلى القيم المادِّية النفعيّة، التي تتضمّنها السّلعةُ التي يملكها الطرف الآخر، فيأخذ أحدُهما ما يحتاج إليه من الآخر، ويأخذ الآخر ما يحتاج إليه من الأول، وبهذا تتمّ المبادلة، وسُمّي هذا الوسيط الذي تمّت عبره عمليّة المبادلة بنظام المقايضة.

ثمّ قدّر الله تعالى أن يتطوّر المجتمع، ويرتقي نشاطُه التجاريّ، فلم يعد الوسيطُ القائم على المقايضة المباشرة للسّلع قادراً على مجاراة هذا التطور، فهدى الله البشريّة إلى أن تبتكر الوسيط النقديّ، ابتداءً من النّقود السّلعيّة، حيث صارت المقايضة أو حصولُ الفرد على السّلعة أو المنفعة التي يريدها، لا تتمُّ مباشرةً، بل بطريقٍ غير مباشر، وتزامن ذلك مع نشأة السوق، فصار بإمكان كلّ فردٍ أن يحصل من السّوق على ما يُريده، عبر استعمال سلعٍ خاصّة، قابلةٍ للتّداول ولا يُصيبها التّلف، ولها قيمةٌ في ذاتها، وقدّر الله أنّ هذه الشروط لم تنطبق إلا على النّقدين الذّهب والفضة، فسكُّوا منها مسكوكاتٍ ذاتِ قيمةٍ وحجمٍ أقل، ليسهل الانتقال بها لمسافاتٍ بعيدة.

ثم قدّر الله تعالى أن تطوَّرَ المجتمعُ وتعقّدت حاجاته، فلم تعد النقودُ قادرةً على الوفاء بهذه الحاجات الجديدة، خاصّةً مع ظهور الصَّفقات التجاريّة الكبيرة، التي تتمّ عبر الحدود، وتقتضي نقلَ كمّيّةٍ كبيرةٍ من النقد، وحمايته من اللُّصوص، فهدى الله البشريّة إلى استخدام وسيلةٍ أخرى قائمةٍ على الثّقة والائتمان، تلكم هي الأواق التجاريّة، التي كانت قمّة ما وصل إليه تطورُ التجارة والاقتصاد البشريّ.

إذن، فقد ارتقى النشاط التجاريّ بين البشر، من استخدام وسيلة المقايضة، إلى استخدام وسيط النّقود، إلى استخدام وسيلة الأوراق التِّجاريّة القائمة على أساس الائتمان، وينبغي التّنبيهُ إلى أنّه -كما هو واضحٌ- فإنّ هذا التطوُّرَ لم يكن بحيث يُلغي اللاحقُ السّابق، بل بقي للوسيطينِ السّابقينِ وجودُهما المعتبر في التّجارة.

متى حدثت هذه التطوّرات؟

إنّ من الصعب جدّاً: معرفة التّاريخ الّذي انتقلت فيه البشريّة أو مجتمعٌ معيّن، من مرحلة الوسيط التجاريّ القائم على المقايضة، إلى مرحلة الوسيط التجاري النقدي، إلى مرحلة الوسيط التجاري الائتماني، ففريق من الباحثين قد نسب عمليّة اكتشاف الوسيط التجاري الائتمانيّ، إلى الحضارة اليونانية القديمة، وفريقٌ آخر نسبها إلى الحضارة الرومانيّة، وفريقٌ آخر نسبها إلى الصّين القديمة، وبعضهم عاد بها إلى عصر حمورابي[3].

ولكن من المؤكد لدى كثيرٍ من الباحثين، أنّ الوسيط الائتمانيّ القائم على أساس الأوراق التجاريّة، قد شاع استعمالُه منذ القرن الثاني عشر الميلادي، في هيئة "الكمبيالة"، ومنذ القرن السابع عشر الميلادي، في هيئة "السند الإذنيّ"، ومن ثمّ ظهر بعده "الشيك" لأول مرّة بعد إنشاء مصرف إنجلترا عام 1694م[4].

تطوُّر الوسيط التجاريّ في العالم الإسلاميّ:

أمّا في العالم الإسلاميّ، فتدلّ العديدُ من الشواهد، على أنّ الوسيط التجاري القائم على أساس المقايضة، والوسيط النقدي كانا يتعايشان معاً في إطار المجتمع الجاهلي، ثم في عهد النُّبوة والخلافة الرّاشدة، وما بعدها من عصور.

يقول الدكتور جواد عليّ: (أمَّا النقود من ذهب وفضة, فقد كانت معروفة عند الجاهليِّين، ولا سيَّما فيما بعد الميلاد، إلا أنها لم تكن كثيرة في الأسواق, ولهذا كانت طريقة المقايضة هي الطريقة الغالبة في معاملات البيع والشراء)[5].

وربما يدلُّ التّدبير النّبوي الذي اتّخذه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيّن فيه ضوابط التّعامل بستة أصنافٍ من السّلع، كما في هذا الحديث: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ, وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ, وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ, وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ, وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ, مِثْلًا بِمِثْلٍ, يَدًا بِيَدٍ, فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى, الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ))[6]، ربما يدلُّ هذا التدبير على اتّخاذ هذه الأصناف الستة، وسيطاً نقديّاً سلعيّاً في التّبادل، ولذلك ساوى بين قيمها، وجعلها عند التّبادل مثلاً بمثلٍ، يداً بيدٍ، يؤيّده ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ [أي جيّدٍ]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لاَ تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»[7]، فالمقصود أن لا يتم تبادل مباشرٌ بين أيِّ صنف من هذه الأصناف الستة وما يماثله، إلا متماثلاً ويداً بيدٍ، وذلك حفاظاً على القيمة النّقديّة الثّابتة، ومثال ذلك: الورقة فئة المائة ريال تماثل أيّ ورقةٍ أخرى فئة المائة ريال، سواءً كانت جديدةً أو قديمة، وكذلك كيلو من التمر أيّاً كانت جودته يساوي أيّ كيلو آخر من التمر.

هذا بالنسبة للوسيطين التجاري القائم على المقايضة، والقائم على النّقد، أما الوسيط التجاري الائتمانيّ، فقد عُرف كذلك منذ وقتٍ مبكرٍ وشاع استعماله منذ عصر الصحابة، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يأخذ الوَرِقَ من التجار بمكة، على أن يكتب لهم بها إلى الكوفة[8]، وقال ابن قدامة في المغني: (وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ بِهَا إلَى مُصْعَبِ بْن الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ، فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا. وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ. رَوَاهُ كُلَّهُ سَعِيدٌ)[9].

المراجع

[1] إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 69).

[2] أي تطوّراً مادّياً اقتصاديّاً، وهذه قاعدة عامّة: أنّ البشريّة فيما يتعلّق بالاقتصاد والصناعة، ترتقي ارتقاءً يمتدّ في خطٍّ يظلُّ صاعداً عبر العصور، مع ملاحظة أنّ ذلك يتفاوت من مكانٍ إلى آخر، ففي فترةٍ تاريخية معيّنة، يكون أحد المجتمعات في طورٍ متقدم اقتصاديّاً، بينما يكون مجتمع آخر في مرحلته البدائية، أمّا فيما يخصُّ القيم والأخلاق فإنّ مسار التطور البشريّ يكون في مسارٍ إهليليجيٍ متعرّج، فتارةً يرتقي صاعداً وذلك في عهود الأنبياء والصالحين، وتارةً ينحطُّ أسفل سافلين،.

[3] أحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلاميّ، ص 23.

[4] المرجع السابق.

[5] المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام (10/ 281).

[6] صحيح مسلم (1584).

[7] صحيح البخاري (2201)، وصحيح مسلم (1593).

[8] قال الدكتور سعد بن تركي الخثلان: ذكر هذا الأثر شمس الدين السرخسي في المبسوط (14م37) دار المعرفة، بيروت، ولم يعزه إلى أحد، ولم أقف على من خرجه. أحكام الأوراق التجارية: ص24، هامش رقم (3).

[9] المغني لابن قدامة (4/ 240)، عن أحكام الأوراق التجارية للخثلان ص (25).
@ fiqh.islammessage 2018

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated.
Basic HTML code is allowed.

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy