السبت, 17 شباط/فبراير 2018 04:58

الجانب الاقتصادي في مقدمة ابن خلدون

مجلة الصيرفة الإسلامية- بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين... وبعد:
فإن مقدمةَ ابن خلدون جمَعتْ أصناف العلوم والآداب، وطرَقت أغلبَ مجالات المعرفة الإنسانية، منها المجال الاقتصادي، الذي يحاول هذا المقالُ إضاءةَ بعض جوانبه بشكل سطحي دون الغوص في أبعاد الفكر الاقتصاديِّ عند ابن خلدون، أو مقارنته بالنظريات الاقتصادية الحديثة.

وأما من أراد الغوص في الموضوع، فعليه بمراجع كثيرة؛ منها: "أبو الاقتصاد ابن خلدون"؛ لمحمد حلمي مراد، و"رائد الاقتصاد ابن خلدون"؛ لمحمد علي نشأت، و"الاقتصاد في مقدمة ابن خلدون"؛ لأحمد أبو ذروة.

يظهر الجانب الاقتصاديُّ في المقدمة من خلال مناقشة ابن خلدون لمجموعة من المسائل المرتبطة بالاقتصاد، أو المعاش بالتعبير الخلدونيِّ، وقد أفرد له الفصل الخامس من الكتاب الأول، وعنوَنَه بالمعاش ووجوهه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال، وتحدَّث في بدايته عن الكسب والرزق، فالكسب هو قيمة الأعمال البشرية، وهو تحصيل الحاجات بسعي أو بغيره، فإن كان للكسب منفعة وثمرة تعود للعبد، سمِّي رزقًا[1].

والمعاش عند ابن خلدون هو ابتغاء الرزق، ويكون بطرق عديدة؛ منها: الفلاحة، والصناعة، والتجارة، والجباية، والطرقُ الثلاثة الأُولى طبيعية، والأخيرة غير طبيعية، مثلها مثل الخدمة في أجهزة الدولة، وخدمة الأغنياء، وابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز.

1- الفلاحة: هي أقدم وجوه المعاش؛ "لأنها بسيطة وطبيعية فطرية، لا تحتاج إلى نظر ولا علم"[2]، وهي من اختصاص أهل البدو، وتنقسم إلى زراعة وتربية الحيوان الداجن، وهذا التقسيم للفلاحة ما زال قائمًا إلى اليوم، فالزراعة هي الشقُّ الأول والأهم في الفلاحة؛ لأنها سبب للشقِّ الثاني الذي قد يكون مكلِّفًا، خاصة بالنسبة لصغار الفلاحين.

2- الصناعة: هي من أساسيات العمران، ومن شروط تطوُّره وازدهاره.
أ- أقسام الصناعة: قسَّمها ابن خلدون إلى صنائعَ بسيطة تختص بالضروريات، وصنائع مركَّبة تختص بالكماليات، وقسمها من جهة أخرى حسب اختصاصها، فمنها ما يختص بالمعاش؛ كالحياكة والجزارة والنجارة والحدادة وأمثالها، ومنها ما يختص بالأفكار؛ كالوراقة والغناء والشعر وتعليم العلم، ومنها ما يختص بالسياسة؛ كالجندية وأمثالها[3].

ب‌- الصناعة والعمران: الصناعة تحتاج لازدهارها للعمران الحضري؛ فكلما اتسع العمران ظهرت الحاجة للصنائع، كما أن رسوخ الصناعة في البلدان مرتبطٌ بطول أمد الحضارة فيها، وبدرجة الطلب عليها، وكلما شارفت الدول على نهايتها انتقصت منها الصنائع[4].

ت‌- أمهات الصنائع: ميَّز فيها ابن خلدون بين الضرورية وبين الشريفة بالموضوع؛ فالأولى كالفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة، والثانية كالتوليد والكتابة والوراقة والغناء والطب، وقد فصَّل القول قليلًا في كلِّ هذه الصنائع.

3- التجارة: هي الوجه الثالث للمعاش الطبيعي، وهي "محاولة الكسب بتنمية المال بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء"[5]، وقد ذكر ابن خلدون مجموعة من المسائل المرتبطة بالتجارة، منها:
أ‌- التصدر للتجارة: التجارة بطبيعتها يكثر فيها الغش من البائع والمشتري، وعلى من يتصدَّر للتجارة أن يكون جريئًا صاحبَ منَعةٍ من جاه أو حكم، وإلا خسر تجارته.

ب‌- نقل السلع: ذكر ابن خلدون أن التاجر الحَذِق ينقل ما تعمُّ الحاجة إليه، ويكون من أوسط سلعته، ومن الأفضل أن يكون النقلُ بعيدًا ليزيد الربح؛ لقلة الناقلين، وكثرة الطالبين.

ت‌- احتكار السلع: تحدَّث ابن خلدون عن الاحتكار في عدة مواضع، وعمومًا احتكار الأقوات عنده مشؤوم يُنذر بالتلف والخسران[6]، وهو من أشد الظلم وأكثر أسباب زوال الدول إن كان من السلطان وحاشيته[7].

ث‌- الأسواق: تتأثر الأسواق بالعمران واتساعه كثرةً وقلةً، نشاطًا وكسادًا؛ لأن مع اتساع العمران اتساع الحاجات، ومنه اتساع سائر وجوه المعاش، ومنها التجارة في الأسواق التي تضم الضروريات والحاجيات والكماليات من السلع.

ج‌- الأسعار: أسعار السلع مرتبط باتساع الدولة وانبساطها، فكلما اتسعت رخُصت الضروريات وغلَت الكماليات، ولا يُفسد هذه القاعدةَ إلا القحطُ والاحتكار، هذه النظرية هي عين ما يقوله الاقتصاد الحديث، أما أسعار اليد العاملة، فترتفع في الحواضر المعمورة؛ لارتفاع دخل السكان وأنفتهم من مزاولة العمل بأيديهم بذخًا وترفًا.

ح‌- تجارة السلطان: يرى ابن خلدون أن تجارة السلطان مضرة بالرعية، مفسدة لأموال الدولة؛ وذلك لأنه يضايق صغار التجار برأسماله الكثير، فيبيع ويشتري بما يشاء ويبخس سلع غيره، ثم إن السلطان قلَّما يدفع مكوسًا فتفرغ بذلك خزينة الدولة، وإن تجارة السلطان تنغِّص على الفلاحين والتجار، فيتركون فلاحتهم وتجارتهم، وهم أكثر من يدفع الجباية ويملأ خزائن الدولة، "فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة، وقعد التجار عن التجارة، ذهبت الجباية جملةً، أو دخلها النقص المتفاحش"[8].

4- الجباية: هي الضريبة بكل أشكالها، وهي من أهم مداخيل الدولة، وقد تحدَّث ابنُ خلدون عن مجموعة من المسائل المرتبطة بها وبالأموال عمومًا، ومنها:
أ‌- ديوان الأعمال والجبايات: يقوم على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الداخل والخارج، ويحصي الموظفين ويصرف رواتبهم، والديوان يطلق على الكِتاب الذي تسجَّل فيه المعلومات، كما يطلق على مجلس الموظفين، وأول من وضع الدواوين في الإسلام هو عمر الفاروق رضي الله عنه.

ب‌- السكة: "هي النظر في النقود المتعامَل بها بين الناس وحفظها مما يداخلها من الغش أو النقص"[9]، وكانت النقود تُسك وتُختم بطابع من حديد تنقش فيه كلمات أو صور.

ت‌- النقدان: هما الذهب والفضة، وقد اتخذ العرب الدينارَ من الذهب، والدرهمَ من الفضة، وكانوا يتعاملون بهما وزنًا إلى عهد عبدالملك بن مروان حين انتشر الغش والتطفيف، وقد تحدث ابن خلدون عن الدينار والدرهم، وأشكالهما المربعة والمدورة، وأوزانهما الشرعية، وما يطبع عليهما من كلام[10].

ث‌- الجباية بين القلة والكثرة: وضع ابن خلدون قاعدة مفادها أن "الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة، وآخرها تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة"[11]، والمعنى أنه كلما ارتفعت قيمة الضرائب قلَّ من يؤديها فتقلُّ الجباية، وكلما انخفضت قيمة الضرائب كَثُرَ من يؤديها فتكثر الجباية.

ج‌- الجباية الشرعية وغير الشرعية: يفرِّق ابن خلدون بين الدولة التي تكون على سنن الدين، وبين التي لا تكون على ذلك؛ فالأُولى جبايتها من المغارم الشرعية كالزكاة والخراج والجزية، أما الثانية، فتستحدث ضرائب جديدة كما قال ابن خلدون: "يستحدثون ألقابًا ووجوهًا يوسِّعون بها الجباية"[12]، وأشهرها المكوس التي تفرض على البيع والشراء وغيرهما.

ح‌- الحسبة: جمعها ابن خلدون مع السكة؛ لذلك أدرجتها هنا، وهي - حسب رأيه - وظيفة دينية للخليفة، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنها بصبغة سلطوية ملزمة.

خ‌- ركود المال وحبسه: يرى ابن خلدون أن المال يحتاج للاستثمار والانتقال من أجل تحريك الاقتصاد وإنعاشه، فإذا حبس السلطان المال شلَّ الاقتصاد؛ لأن المال كالماء يحتاج للتجدُّد بالحركة من الرعية إلى السلطان بالجباية، ومن السلطان إلى الرعية بالمشاريع والأوراش والاستثمارات، فإذا حُبس في جهة، أصبح كالماء الراكد.

خاتمة:
إن الاقتصاد الخلدونيَّ يقوم على دراية واطلاع، وتتبُّع وتجربة طويلة، مع إدامة النظر والتفكير والتحليل، ومن أهم ملامح النظرية الاقتصادية عند ابن خلدون تقسيمه للمعاش (الاقتصاد) كما نقسِّمه اليوم إلى فلاحة وصناعة وتجارة وضرائب، وهذه الأخيرة وجه من وجوه اقتصاد الدولة، وقد ربط بين تطوُّر الدولة وزيادة الضرائب، وأكد أن تدخُّلَ الدولة في الاقتصاد يؤدي غالبًا إلى الظلم، وأشار إلى أن الانتقال من البداوة إلى الحضارة هو انتقال من الفلاحة إلى الصناعة، التي يرى ابن خلدون أنها أساس العمران؛ لأنها تدخل في باقي القطاعات: (الفلاحة والتجارة).

وقد سبق ابنُ خلدون مُنظِّرِي الاقتصاد في العصر الحديث أمثال آدم سميث وريكاردو وكيسناي وكينز - إلى مجموعة من النظريات؛ كتقسيم العمل والتعاون، ونظرية القيمة والإنتاج، والحرية الاقتصادية، ودور الدولة، والنقود والمالية، حتى إن بعضهم قال: إنه أبو الاقتصاد؛ كمحمد حلمي مراد في كتابه: "أبو الاقتصاد ابن خلدون"، ويقول عبدالعزيز الحبابي: "إذا كانت نظريات ابن خلدون عن حياة المجتمع المعقَّدة تضعه في مقدمة فلاسفة التاريخ، فإن فهمه الدور الذي يؤديه العمل والملكية والأجور يضعه في مقدمة علماء الاقتصاد المحدَثين[13]".

المراجع:
1- ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: عبدالله الدرويش، دار يعرب، 2004م.
2- عبد الحق حمِّيش، الفكر الاقتصادي عند العلامة ابن خلدون مقارنًا مع النظريات الاقتصادية الحديثة، جامعة الشارقة.

[1] مقدمة ابن خلدون، تح: عبدالله محمد الدرويش، دار يعرب، 2004، الجزء الثاني، ص65.
[2] نفسه، ص 68.
[3] نفسه، ص 90.
[4] نفسه، ص 91 وما بعدها.
[5] نفسه، ص83.
[6] نفسه، ص 87.
[7] نفسه، الجزء الأول ص 480.
[8] نفسه، ج1، ص472.
[9] نفسه، ج1، ص 408.
[10] نفسه، ج1، ص 447 وما بعدها.
[11] نفسه، ج1، ص 468.
[12] نفسه، ج1، ص 481.
[13] محمد عزيز الحبابي: ابن خلدون معاصرًا: ص١٨٤، عن الفكر الاقتصادي عند العلامة ابن خلدون مقارنًا مع النظريات الاقتصادية الحديثة؛ عبدالحق حمِّيش، جامعة الشارقة.

@ alukah 2018

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated.
Basic HTML code is allowed.

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy