جدبد

أصبحت الأبناك الإسلامية حقيقة واقعية في معظم البلدان الغربية والإسلامية، كما امتد نشاطها إلى معظم أنحاء العالم لأزيد من 60 بلداً، أي ما يقارب ثلث دول العالم؛ وأصبح لهذا القطاع كيانه المستقل وشخصيته المتميزة وقواعده العلمية الخاصة به، مما أهله لاحتلال مكانة متقدمة على صعيد الاقتصاد العالمي، جعلته يلعب دورا أساسيا في الحياة الاقتصادية، وذلك من خلال استقطابه للمدخرات وتوجيهها لاستثمارات تصب مباشرة في مشاريع التنمية، إضافة إلى دوره التضامني والاجتماعي التنموي وما يقدمه من خدمات بنكية حسب الفئات والحالات.

أهمية ونجاعة الأبناك الاسلامية أو "التشاركية" على المستوى العالمي

ما يؤكد على أهمية تعاملات الأبناك الإسلامية على مستوى العالم، ارتفاع عدد المؤسسات المالية الإسلامية واتساع انتشارها الجغرافي. فقد بلغ عددها أزيد من 2000 مؤسسة، فيها أبناك إسلامية، ونوافذ للخدمات البنكية الإسلامية في البنوك التقليدية، وشركات التكافل ومؤسسات مالية إسلامية أخرى، مثل شركات التمويل والاستثمار.

وما يعزز مكانة ونجاعة التمويل الاسلامي على مستوى العالم، تنامي حجم أصول واستثمارات الأبناك الاسلامية، والتي بلغت 2,4 ترليون دولار سنة 2015 وتجاوزت هذا الرقم في سنة 2016، وحسب تقرير المؤتمر العالمي الأول للمصرفية والمالية الاسلامية الذي نظمنه جامعة أم القرى في مارس 2016، يُتوقع أن يصل حجم هذه الأصول المالية إلى 3.4 تريليون دولار في نهاية العام 2018، وهو ما يمثل 1,5% من إجمالي الأصول العالمية، بمعدلات نمو تتراوح بين 15 و20% سنويا؛

علاوة على ذلك، عرفت قيمة الصكوك الإسلامية المُصدرة كأدوات دين، ارتفاعات مستمرة وثابتة لتصل إلى قيمتها إلى أزيد من 300 مليار دولار، وأيضاً تجاوز قيمة الأصول الاستثمارية، التي تديرها الصناديق الاستثمارية الإسلامية على مستوى العالم بأكثر من 75 مليار دولار، وكذلك ارتفاع حجم قطاع التأمين التعاوني مبلغ 20 مليار دولار.

الفرق بين التمويل الإسلامي والتمويل التقليدي

من بين أهم العوامل التي ساعدت على انتشار تعاملات الأبناك الإسلامية عالميا، صلابة المبادئ والركائز الأساسية التي يقوم عليها التمويل الإسلامي، والتي تتجلى في: أولا، تحريم التعامل بالفائدة أو الربا، أخدا وعطاءا. هذا التحريم اتفقت عليه جميع الأديان السماوية ومُعظم أعلام الاقتصادي، واعتبروه الخطأ الأساسي في النظام النقدي والنظام المالي الحالي. ثانيا، التشارك في المخاطر والربح والخسارة، وهذا مستند إلى قاعدة "الغُرْمُ بالغُنْم" المستمدة من قوله ص " الخراج بالضمان " أي أن المرء يستحق الربح عندما يتحمل مسؤولية مخاطر الخسارة على أساس رأس المال الموجود والجهد المبذول. ثالثا، تحريم بيع الغرر، وهو بيع غير المملوك وغير المعلوم، وبصفة عامة كل ما هو خداع أو عدم تأكد أو تظليل فهو غرر. ربعا، الوضوح والشفافية وقدسية عقود التمويل بأركانها الثلاثة الصيغة ومحل العقد والعاقدان. خامسا، ارتباط التمويل الإسلامي بحركية التجارة الحقيقية أو بصفة عامة بالنشاط الاقتصادي الحقيقي، أخذا بعين الاعتبار أولويات المجتمع الاجتماعية والاقتصادية بدءا بالضروريات والحاجيات والتحسينيات .سادسا، تحقيق التكافل والتماسك الاجتماعي لتخفيف التفاوت والهوة بين الأغنياء والفقراء، لهذا فهو يوفر خدمات للمحتاجين من الناس كالقرض الحسن بالإضافة إلى الهبات والتبرعات الخيرية. سابعا، استثمار الأموال في مشاريع تتوافق مع الشريعة وتجلب المنفعة والفائدة للمجتمع.

آفاق الأبناك التشاركية في المغرب

حسب دراسة سابقة قامت بها وكالة "تومسون رويترز" بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية، والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، حول التمويل الإسلامي بالمغرب: أعرب 98% من المغاربة عن اهتمامهم بالمنتجات المصرفية الإسلامية، 84% منهم عبروا عن أملهم في أن تكون هذه المنتجات أقل تكلفة من تلك التي تقدمها البنوك التقليدية. ورجح التقرير أن تبلغ قيمة الأصول الإسلامية في المغرب نحو 8,6 مليار دولار بحلول عام 2018، أي ما يعادل 9% من مجموع الناتج الداخلي الاجمالي. بالإضافة إلى وجود أعداد كبيرة من المغربة تصل إلى %70 تُفضل عدم التعامل مع البنوك التقليدية لاعتبارات شرعية. هذه المعطيات تؤكد الآفاق الواعدة للمالية الإسلامية في المغرب.

علاوة على ذلك، كان من فوائد تأخر المغرب في اطلاق الأبناك التشاركية، استفادته من جل التجارب الناجحة والفاشلة في هذا المجال، وتبنى أفضلها والتي تتناسب مع السياق المغربي، وجعله يضع قواعد وأسس متينة لصناعة المالية الاسلامية بشكل عام وللأبناك بشكل خاص.

أهمية الشراكة بين المؤسسات الاسلامية الاجنبية ونظيراتها التقليدية

هناك سؤال يُطرح وبشدة حول السبب وراء رفض الدولة لدخول الأبناك الإسلامية الأجنبية لوحدها إلى السوق المغربية . والجواب هو أن المغرب، أراد الحفاظ على مصالح البنوك المغربية حتى لا تنهار بسبب فقدان أعداد كبيرة من عملائها، بالإضافة إلى سعيه لتحقيق التوازن بين الأبناك المغربية والأبناك الأجنبية العاملة في المالية الإسلامية، ولهذا دفعت الدولة الأبناك المحلية إلى عقد شراكات مع المؤسسات الخارجية، وهو ما يفسر دخول القرض العقاري والسياحي في شراكة مع بنك قطر الدولي الإسلامي، والبنك المغربي للتجارة الخارجية لإفريقيا مع المجموعة السعودية البحرينية دلة البركة، والبنك الشعبي المركزي مع المجموعة السعودية غايدنس، والقرض الفلاحي للمغرب مع المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص التابعة للبنك الإسلامية للتنمية. ستمكن هذه الشراكات المغرب من استقطاب رؤوس أموال كبيرة ودائمة من الدول الخليجية، بالإضافة إلى الاستفادة من خبرة هذه الدول في مجال الصيرفة الإسلامية.

تحديات وأولويات الأبناك التشاركية في المغرب

من أهم التحديات التي يمكن أن تؤثر قليلة على انطلاقة الأبناك التشاركية، الصورة السلبية التي أُخذت عنها بسبب فشل التجربة السابقة ل"المنتجات البديلة" والتي تركت انطباعا سيئا لدى المغاربة عن المنتجات المالية الإسلامية، إضافة إلى ارتفاع كلفتها مقارنة بالأبناك التقليدية، كما أن الغالية تعتقد على أن الأبناك الإسلامية هي أبناك ربحية تجارية بامتياز، لأنها تعتمد في معاملاتها على منتج واحد هو منتج المرابحة على حساب المنتجات التمويلية الأخرى كالمشاركة والمضاربة. وعلى هذا الأساس، ولتفادي سوء الفهم هذا (سوءا المتعمد أو البريء)، وجبة مواكبة خروج الأبناك الاسلامية بحملة إعلامية واضحة ومُبسطةـ تُصَحح الصورة السيئة عن التمويل والأبناك التشاركية وتوضح قواعده ووظائفه ومنتوجاته المالية، وتشير إلى دور هيئة الرقابة الشرعية. ثانيا، ينبغي مراعاة تكلفة معقولة للخدمات التشاركية المقدمة تراعي شروط التنافسية والمنافسة مع نظيراتها التقليدية. ثالثا، من الضروري أن تعتمد هذه الأبناك التشاركية على اعتماد الصيغ التمويلية التشاركية، والتي ستساهم في تمويل المشاريع الاستثمارية وتقديم حلول مالية لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعاني من مشاكل التمويل. رابعا، التركيز على يوفر خدمات للمحتاجين من الناس كالقرض الحسن بالإضافة إلى الهبات والتبرعات الخيرية وإخراج صندوق الزكاة للوجود.

هذا ما سيربحه المغرب والمغاربة من الأبناك التشاركية؟

حسب دراسة أعدها الدكتور البشير عدي حول الأبناك التشاركية في المغرب، ستساهم هذه الأخيرة في: أولا، جذب المدخرات المحلية المعطلة والتي تقدر بملايير الدراهم، وهو ما سيرفع نسبة "الاستبناك" بنسبة تقارب ضعف النسبة الحالية. ثانيا، اجتذاب أموال المواطنين المغاربة بالخارج المتعاملين مع المؤسسات غير الربوية والمودعة بالمؤسسات المصرفية الغربية، والتي تقدر كذلك بملايير الدراهم (بلغت سنة 2011 حوالي 38 مليار درهم حسب تصريحات مدير مكتب الصرف). ثالثا، استقطاب الأموال الخليجية التي تبحث عن أسواق آمنة متعاملة للاستثمار وفق الصيغ الشرعية والتي تقدرها بعض الإحصائيات ب400 مليار دولار. رابعا، إيجاد صيغ تمويلية للقطاعات غير المهيكلة التي لا توفر لها الصيغ المعمول بها حاليا في البنوك التقليدية آليات تمويل مشاريعها، متمثلة بالإضافة للمشاركة والمضاربة والمرابحة والإجارة، في السلم والاستصناع والمغارسة والمزارعة. خامسا، المساهمة في تنويع الاستثمارات في مختلف المجالات الصناعية والحرفية والفلاحية، وتشجيع المشاريع الإنتاجية المحلية للتخفيف من آثار عجز الميزان التجاري، وتشجيع التشغيل الذاتي وبالتالي إدماج موارد وطاقات بشرية مهمة في سوق الشغل بما يخفف من أزمة البطالة. سادسا، تقديم حلول لبعض المشاكل التي تعاني منها العديد من الأسر المغربية، وعلى رأسها مشكل السكن، وذلك من خلال قروض المرابحة العقارية، مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات إيجابية على المستوى الاجتماعي.

هذه الايجابيات والمنافع المتعددة، ستنعش النشاط التجاري والاقتصادي في بلادنا، وستمكنه من تنويع تعاملاته وشركائه، وبالتالي تحريك عجلة التنمية، بالإضافة إلى تعزيز مكانة المغرب الاستراتيجية عالميا، حيث سيتحول إلى قطب مالي ووسيط استثماري مركز مالي عالمي بين الدول الأوروبية ودول الخليج والدول الافريقية (بحكم موقعه الجيواستراتيجي، وحضوره الوازن في افريقيا...)، مما سيؤثر إيجابا على التقدم الاقتصادي المغربي، وتخفيف أعباء الديون الخارجية، وفك الارتهان بالدول والمنظمات الدولية، ولا شك سيقوي الطرح المغربي بخصوص قضية وحدته الترابية.

خاتمة

بالإضافة إلى ما ذكرناه من منافع اقتصادية وديبلوماسية وسياسية للأبناك التشاركية على المغرب، فإن أهم دور لها والذي لا ينبغي أن ننساه ونُغفله في خطابنا هو مساهمتها ماديا ومعنويا في حماية المجتمع وتحقيق التكافل والتماسك الاجتماعي وعدالة توزيع الثروة، وهو لب وجوهر الاختلاف بين التمويل الإسلامي والتمويل التقليدي، وهو القيمة المضافة للنظام المالي المغربي الذي يحتاج لمثل هذا التمويل لخلق ثروة وتنمية اقتصادية شاملة مرتبطة بتنمية اجتماعية دائمة.

@ hespress 2017

الجمعة, 06 كانون2/يناير 2017 09:05

نظرات حول مشكلة الفقر

الفقرُ مشكلة تتفشى في كل العالم بنسب متفاوتة، وله آثار سالبة على صحة الناس، وتعليمهم، وفكرهم، ودينهم، فضلًا عن الصحة النفسية، لا سيما إذا انعدم الوازع الديني، وقد جعله الله تعالى امتحانًا للعباد، يبلوهم به؛ إذ لو بسَط لهم الرزق لبغَوْا في الأرض، وجعل علاجه - تخفيفًا واستئصالًا - في كتابه الذي أنزله تبيانًا لكل شيء.
وقد أقرَّ الإسلام بمشكلة الفقر بحكمة الله تعالى، ثم وضَع لها علاجًا يحاصرها؛ درءًا لخطر الفقر على العقيدة والأخلاق والسلوك، وصيانةً للمجتمع، وعملًا على استقراره وتماسكه؛ فأوجب تحقيقَ الحياة اللائقة لكل فرد؛ بتوفير الحاجات المعيشية الأساسية - على أقل تقدير - من الأكل، والشرب، واللبس، وآلة الحرفة، وكتب العلم، والزواج؛ ليُعِينه ذلك على أداء فرائض الله سبحانه، ثم مجابهة أعباء الحياة، ولا يجوز أن يعيش أحد - ولو كان ذميًّا - في مجتمع مسلم جائعًا أو عاريًا أو مشردًا؛ لذا نجد أن الإسلام - من خلال نصوص القرآن والسنَّة - له تصوره المتميز لهذه القضية؛ حيث يعتبر الفقرَ مصيبةً وآفة خطيرة يجب التعوُّذ منها ومحاربتها، وأنه سبب لمصائبَ أخرى أشد وأنكى، ويُنكِر النظرة التقديسية الجبرية للفقر والحرمان، ويحث على الدعاء بطلب الغنى؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم دعاؤه: ((اللهم إني أسألك الهُدى والتُّقى، والعفاف والغنى))[1]، واعتبر الإسلامُ الغنى بعد الفقر نعمةً يمتن الله بها على عباده؛ قال تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 8]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 4]، وجعَل الرزقَ الوفير ثمرة يرغب بها مَن يأتي الصالحاتِ؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 96]، وفي الحديث يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أحبَّ أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثَرِه، فليصِلْ رحِمَه))[2]، وجعل الحرمانَ والحاجة نتيجة يرهب بها مَن اجترح السيئات؛ يقول تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإن الرجلَ ليُحرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه))[3]، وجعل الغنيَّ المنفِق أحد اثنين تُمدَح غبطتهم؛ حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله مالًا، فسلَّطه على هلَكتِه في الحق ...))[4].

وهذا التصوُّر والعلاج ليس مجرد مبادئَ نظرية بعيدة عن صلاحيتها للواقع، بل إن المسلمين قد طبَّقوها وأقاموها في مجتمعاتهم، فحصل ما تكلم عنه التاريخ في عهد خلافة الإمام العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله.
يقول الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: "كان منادي عمرَ ينادي كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟"[5]، وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي: "قال عمر بن أسيد: والله ما مات عمرُ حتى جعل الرجلُ يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرَحُ حتى يرجع بماله كله، وقد أغنى عمرُ الناسَ"[6].
وبالتتبُّع نجد أن كلمة الفقر بتصريفاتها المختلفة وردت في ثلاثة عشر موضعًا من كتاب الله عز وجل، في سورتين مكيتين، وثماني سور مدنية، ولعل ذلك يشير إلى أن المسلمين في المدينة كانوا أشد فقرًا منهم في مكةَ؛ لأنهم لما هاجروا تركوا أموالهم تضحية من أجل اللحاق بأرض الإسلام[7].
كما أن في القرآن الكريم كلماتٍ مترادفة ذات دلالة مشتركة تفيد معنى الفقر، وبينها فروق دلالية؛ مثل: الخَصاصة، والعَيْلة، والإملاق، والبائس، والقانع، والمُعتَر، والمسكين.

إن الإسلام بمنظومته العقائدية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، يهدف للقضاء على الفقر، فكما يعاني العالم اليوم من مشكلة الفقر فإنه قد عانى قديمًا، فكان الحل النبوي لهذه المشكلة حلًّا عمليًّا متدرجًا، مبنيًّا على تعاليم الإسلام وأحكامه، وتُعَد نظرةُ الإسلام إلى مشكلة الفقر ومنهجيته في معالجتها من أنجح الطرق والأساليب في ذلك؛ حيث يدرك ذلك المطَّلِع على حقيقة الإسلام، وما جاء به من تعاليم ومبادئ لتعطي الأحكام وتبني التصورات ليس على الشكل الظاهري للأمور فحسب، بل تمتد إلى عمقها، فتعالج القضايا من جذورها بشمولية وتكامل واتزان؛ ولأجل ذلك تميز الإسلامُ عن غيره بعمق المعالجة، وشمولية النظرة وتكاملها، واتزان الطرح.

ومن الوسائل المادية التي استُخدمت في كتاب الله تعالى لعلاج مشكلة الفقر:
السعي والأخذ بالأسباب؛ قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15]؛ فالعمل يُعَدُّ السلاحَ الأول لمحاربة الفقر، والسبب الأول في جلب الثروة، والعنصر الأول في عمارة الأرض؛ لذا يحث الإسلامُ على العمل المنتج الحلال، ويعتبره خير وسيلة للكسب، فيقول الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: 10]، فضلًا عن كثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي تحثُّ على العمل، منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل مِن عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكلُ مِن عمل يده))[8]، فبدأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بتشجيع الناس على مزاولة الأعمال، وبعض المِهَن والصناعات، كما كان يفعل الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوةَ الحسنة في هذا الشأن؛ حيث كان يرعى الغنم، ويزاول التجارة بأموال خديجة رضي الله عنها قبل بعثته؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بعَث الله نبيًّا إلا رعى الغنم))، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: ((نعم، كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهلِ مكةَ))[9].

وكانت نظرتُه صلى الله عليه وسلم للعمل نظرةَ تقديرٍ واحترام، مهما كانت طبيعتُه؛ فإنه خيرٌ مِن سؤال الناس؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((لأن يأخُذَ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه: خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطَوْه أو منعُوه))[10].
وتتفرَّد النظرة النبوية للعمل كذلك بأنها تربط بين العمل وثواب الله في الآخرة، وحرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الربا؛ لِمَا له من مضارَّ على فقراء المجتمع؛ فهو يعوق التنمية، ويسبب التخلُّف، ويَزيد الفقير فقرًا؛ مما يؤدي إلى الهلاك؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجتنِبوا السبعَ الموبقات))، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله... وأكل الربا...)) [11].

وسيرةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تطبيقًا عمليًّا لهذه المبادئ والقيم، التي تعمل على حلِّ مشكلة الفقر.
التكافُلُ والتعاون:
إذا ضاقت الحال، ولم يجد الإنسان عملًا، وأصبح فقيرًا محتاجًا، فعلاج الإسلام حينئذ لهذه المشكلة هو أن يكفل الأغنياء الموسِرون أقاربهم الفقراء؛ وذلك لِما بينهم من الرحم والقرابة، وقد وصفه الله بأنه حقٌّ من الحقوق الواجبة بين الأقارب، فقال تعالى: ﴿ فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾ [الروم: 38]، وهذا ما أشار إليه الشيخ السعدي - رحمه الله - فقال: أي: فأعطِ القريب منك - على حسب قربه وحاجته - حقه الذي أوجبه الشارع أو حضَّ عليه من النفقة الواجبة، والصدقة، والهدية، والبِر، والسلام، والإكرام، والعفو عن زلَّته، والمسامحة عن هفوته، وكذلك ﴿ آتِ ﴾ المسكين الذي أسكنه الفقر والحاجة ما تُزيل به حاجته، وتدفع به ضرورته؛ من إطعامه وسَقْيِه وكسوته[12].
وقد شجَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاريعَ الاقتصادية التعاونية بين المسلمين؛ فحثَّهم على المزارعة، كما فعل الأنصار مع إخوانهم المهاجرين الفقراء، الذين قدموا على المدينة بلا مال؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، فقال: ((لا))، فقالوا: تكفونا المؤنة، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا[13].

ثم تأتي السيرة النبوية خيرَ تطبيق لهذا الحق، وترتب أولويات التكافل لدى كل مسلم؛ فعن جابر أنه قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دبرٍ[14]، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ألك مالٌ غيره؟))، فقال: لا، فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبدالله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها رسولُ الله فدفعها إليه، ثم قال: ((ابدَأْ بنفسِك فتصدق عليها، فإن فضَل شيءٌ فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك، فإن فضَل عن ذي قرابتك شيءٌ، فهكذا وهكذا))، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شِمالك[15].

الحقوق الواجبة في الأموال:
وإذا عجز الأقارب الأغنياء عن سد حاجة الفقراء جاء دور المجتمع كله، متمثلًا في بعض الحقوق المالية التي فرضها الله للفقراء من أموال الأغنياء، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها مقصورةً على الفقير الذي لا يستطيع العمل والكسب؛ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تحِلُّ الصدقة لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سويٍّ))[16]، بهذا لم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمتبطِّل كسول حقًّا في الصدقات؛ ليدفعَ القادرين إلى العمل والكسب، ومِن أهم هذه الحقوق:
الزكاة:
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60]، ونجد أن القرآنَ الكريم استمر في العهد المكي وبداية العهد المدني يحُضُّ المسلمين بأساليب مختلفة على الإنفاق في سبيل الله وسد حاجة الفقراء، دون تحديد لنوع المال المنفَق أو المقادير، وكانت نفوسُهم تطمح إلى تحديد تلك النفقة، وبيان شروطها ونصابها؛ يقول الله عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 215].
ثم شُرعت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة؛ وفاءً بحاجة المحتاجين، وتحقيقًا لمصالح المجتمع، وهي ركنٌ من أركان الإسلام، تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، يثاب مؤديها، ويُقاتَل مانعها بخلًا، ويكفُرُ جاحدها، وهي مورد مالي ضخم، ووسيلة مِن أهمِّ وسائل علاج مشكلة الفقر.

الكفَّارات:
مِن الحقوق المالية التي فرضها الله تعالى الكفَّارات، فرَضها على المخالفين لبعض الأحكام الشرعية؛ تكفيرًا لتلك المخالفة؛ جاء في كتاب المجتمع المتكافِل في الإسلام: الكفَّارة عقوبة قدَّرها الشارع عند ارتكاب مخالفة لأوامر الله تعالى في حالات خاصة، وهي حق لله؛ تكفيرًا للذنب الذي ارتكبه المسلم، وعقوبة وزجرًا لغيره[17].
والكفَّارات بهذا وسيلة من وسائل علاج مشكلة الفقر في الشريعة الإسلامية، وهي أنواع، منها: كفارة اليمين المنعقِدة إذا حنَث الحالف، وكفارة الظِّهار، وكفارة التمتع بالعمرة إلى الحج، وكفارة قتل الصيد للمحرِم، والفِدية لمن شق عليه صوم رمضان.

الحقوق غير الواجبة في الأموال:
إذا عجَزت الزكاة فإن الخزانة العامة للدولة المسلمة بكافة مواردها تكون هي الحلَّ لمعالجة مشكلة الفقر، والموئل لكل فقير وذي حاجة، مسلمًا كان أو ذميًّا، وخير شاهد على ذلك مِن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يفعلُه مع أهل الصُّفة.
وإذا بقِيَ فقيرٌ لا يستطيع العمل، وجب على المجتمع أن يخرج الصدقات ابتغاءَ مرضاة الله وثوابه، وهذه مزيَّة تميَّز بها الإسلام عن غيره من المعالجات البشرية للمشكلة.
وبهذه القِيَم يظل المجتمع متماسكَ البنيان، ومتوازن الأركان، ولا تنهشه أمراض الحقد والحسد، والنظر إلى ما في أيدي الآخرين، فكان الإسلام ناجحًا في إيجاد الحلول العملية والواقعية لمشكلة الفقر، ولعل هذه الطريقةَ الفريدة الفذَّة في علاج مثل هذه المشكلة مِن أبلغ الأدلة على نبوته صلى الله عليه وسلم، وعلى أن المنهجَ الذي أتى به ليس منهجًا بشريًّا بحال، إنما هو من وحيِ الله العليم الخبير.

ولتحقيق هذا الهدفِ شرَع الله تعالى حقوقًا غير واجبة في الأموال، وما يزال المسلم المعتزُّ بدِينه المحقِّق لمعنى التكاتف والتعاون والتراحم يتتبع مواطن الحاجة والفقر عند إخوانه المسلمين، ليسُدَّها عبر هذه الحقوق، ومنها إجمالًا:
الصدقات غير الواجبة، والهِبات، وكفالة الأغنياء لأقاربهم الفقراء، وكفالة اليتيم، والوقف، وغير ذلك، وقد أجملت القول في هذه الأخيرة اكتفاءً بالإشارة إليها، ولدخولها في الوسائل السابقة.
وقبل هذه المعالجات المادية ينبغي على المسلم استحضارُ بعض الأمور المعنوية الإيمانية لمجابهة الفقر، منها: أن التخويف بالفقر وسيلةٌ شيطانية لإضعاف المجتمع المسلم؛ قال تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268].
فقابل اللهُ وعدَ الشيطانِ الكاذب بوعودٍ صادقة لمن قوِيَ يقينُه بالله؛ فالوعد بالفقر من الشيطان محارَبٌ ومدفوع بالوعد من الله الواسع العليم بالفضل، والدعوة إلى الفحشاء منه مقابَلةٌ بالوعد بالمغفرة لمن تعفَّف وسارع بالتوبة، وقد سبق التحذيرُ من الشيطان وكيده؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 5، 6].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].
ومنها: أن نعلَمَ يقينًا أن الله هو القابضُ الباسط؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245]، وقال عز وجل: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، والبَسْط والقَبْض لا شكَّ أنه بحكمةٍ ومقدار؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [الشورى: 27، 28].

ومنها: أن الأرزاقَ كتبها الله تعالى، ولن يفارق أحدٌ الحياةَ قبل أن يأخذ ما كتبه اللهُ له؛ فالمؤمنُ مطالَب أن يحيَا بكرامة وعزةِ نفسٍ في طلب الرزق؛ ففي حديثِ أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن رُوحَ القدس نفَث في رُوعي: أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فاتقوا اللهَ وأجمِلوا في الطلب، ولا يحمِلَن أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن اللهَ تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته))؛ رواه أبو نعيم في حلية الأولياء، وصححه الألباني.
قال المناوي: (أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها) الذي كتبه لها المَلَكُ وهي في بطن أمها، فلا وجهَ للوَلَهِ والتعب والحرص والنصَب إلا عن شكٍّ في الوعد، (وتستوعب رزقها) كذلك؛ فإنه سبحانه وتعالى قسم الرزق وقدره لكل أحد بحسب إرادته، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يَزيد ولا ينقص، بحسَب علمه القديم الأزلي؛ ولهذا سُئل حكيمٌ عن الرزق فقال: إن قُسِم فلا تعجَل، وإن لم يُقسَم فلا تتعب، (فاتقوا الله)؛ أي: ثِقُوا بضمانه، لكنه أمرنا تعبُّدًا بطلبه مِن حِلِّه؛ فلهذا قال: (وأجمِلوا في الطلب) بأن تطلبوه بالطُّرق الجميلة المُحلَّلة، بغير كدٍّ ولا حرص، ولا تهافت على الحرام والشبهات، (ولا يحمِلَن أحدَكم استبطاءُ الرزق)؛ أي: حصوله (أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن اللهَ تعالى لا ينال ما عنده) مِن الرزق وغيره إلا بطاعتِه[18].

وقد جمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم في استعاذته بين الفقر والذِّلة؛ لأن بعض النفوس الضعيفة يحملها الفقر على إذلال النفس؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقِّلَّة والذِّلة، وأعوذ بك مِن أن أَظلِم أو أُظلَم))[19]؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني.
قال في عون المعبود: (والذِّلة): أي من أن أكون ذليلًا في أعيُنِ الناس، بحيث يستخفُّونه ويحقِرون شأنه، والأظهر أن المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية، أو التذلل للأغنياء على وجه المسكنة، والمراد بهذه الأدعية تعليمُ الأمة[20].

[1] أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (2721).
[2] أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب أن يبسط له في الرزق (2067).
[3] أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات (4022).
[4] أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب إنفاق المال في حقه (1409).
[5] ابن كثير، البداية والنهاية، (9 /200).
[6] السيوطي، تاريخ الخلفاء، (176).
[7] ينظر: اللوح وعنبر، علاج مشكلة الفقر، دراسة قرآنية موضوعية، (8).
[8] أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، برقم (1966).
[9] أخرجه البخاري، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط (2143).
[10] أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة (1402).
[11] أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ﴾ [النساء: 10]، (2615)، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (89).
[12] السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (642).
[13] أخرجه البخاري كتاب المزارعة، باب إذا قال: اكفِني مؤونة النخل (2200).
[14] أعتق السيد عبده عن دبرٍ؛ أي: يصير بعد موته حرًّا؛ انظر: ابن منظور، لسان العرب، (4 /268).
[15] أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس، ثم أهله، ثم القرابة (997).
[16] أخرجه أبو داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغِنى (1634).
[17] الخياط، المجتمع المتكافل في الإسلام، (178).
[18] المناوي، فيض القدير (2 /450).
[19] رواهأحمد وأبو داود والنسائي.
[20] العظيم آبادي، عون المعبود (4 /282).

@ alukah 2016

من الطبيعي أن كل واحد منا دار بذهنه هذا التساؤل. من العوامل التي تجعل بعض البنوك تتفوق على أقرانها جودة الخدمة المقدمة للعميل وكثرة فروع البنك وجاذبية العروض الخاصة بالتسعير وجودة المصرفية الهاتفية ونظيرتها على الشبكة العنكبوتية. ولكن ماذا لو تواجد على الجانب الآخر بنك يمتاز بصيرفته الإسلامية ولكن مستوى الخدمة أقل من المتوسط؟ السؤال هنا: هل تضحي مثلاً بجودة الخدمة وتعاني مع هذا البنك؟ أو أنك تقرر أن تتنازل عن بعض مبادئك وتقرر اختيار بنك تقليدي متميز بخدماته؟ فأنت على سبيل المثال لا تنال فوائد على أموالك المودعة ولكن على النقيض من ذلك أنت لا تعلم إذا ما كانت ودائعك سيتم استغلالها لتقديم قروض إسلامية أو تقليدية!
سوء الفهم التسويقي
أعتقد أن البنوك الإسلامية المتوزعة حول العالم تخسر نوعية معينة من العملاء وذلك بسبب تصور تسويقي خاطئ لديها. وهذا التصور يقول إن تواجد العملاء المسلمين، في أي بقعة على الأرض، يعني وبشكل بديهي أنهم سيضعون أموالهم مع البنوك المتوافقة صيرفتها مع الشريعة. فلا خلاف في أن الدافع الديني يلعب دوراً نحو توحيد توجه العملاء نحو المنتجات المصرفية الإسلامية. ولقد رأينا في بعض البلدان التي لديها بنك إسلامي واحد كيف أن بعض العملاء الملتزمون يكونون مستعدون لتحمل «علاوة التقوى» على الخدمات والمنتجات المصرفية. فقد لفت انتباه الغربيين الذين درسوا سلوك عملاء الصيرفة الإسلامية أن هؤلاء العملاء مستعدون لدفع مبالغ أعلى لقاء أخذ قرض إسلامي. ولذلك خرج علينا مصطلح «علاوة التقوى» (piety premium ) وفي الوقت الذي تبرر فيه البنوك الإسلامية في تلك البلدان وجود «علاوة التقوى» بسبب المصاريف التي بذلتها لتطوير المنتجات، نجد أن تلك العلاوة تختفي في البلدان التي تحتضن بنوكاً إسلامية عديدة.
بخلاف العملاء الذين يميلون نحو البنوك الإسلامية بغض النظر عن جودة الخدمة المقدمة من عدمها، فإن التساؤل الذي يدور هو :»ما الذي يحدد ملامح الطلب نحو الخدمات المالية الإسلامية؟». دعونا نأخذ مثالا على طبقة عملاء التميز التي تكافح البنوك للاستحواذ عليهم.هل ياترى يفضلون جودة الخدمة المقدمة لهم أم أنهم يضحون بخدمات التميز مقابل اختيار بنك يقدم منتجات مصرفية إسلامية؟
عملاء التميز
لا بأس أن نستشهد بالدراسة الميدانية التي أجرتها شركة الاستشارات العالمية (PwC ) والتي ذهبت إلى أن معظم البنوك الإسلامية تفتقد لمستوى خدمة متميز. واستشهدت الدراسة بتصريح من أحد العملاء يقول فيه:»إن بنكي يقدم خدمات أسرع مقارنة بنظيرتها لدى البنك الإسلامي». وعليه فالذي نستطيع أن نستدل به من هذا المسح هو أن هناك نوعية من العملاء تجذبهم نوعية وجودة الخدمة فقط. ونفس الدراسة أفادت أن عملاء البنوك التقليدية على استعداد للتحول نحو البنوك الاسلامية شريطة «تساوي» (وليس تفوق) مستوى خدمة العميل مع البنوك التقليدية.
الطريق نحو الاستحوا ذ على عملاء أكثر
ولكن ماذا يعني لو استثمرت البنوك الإسلامية في نوعية خدماتها ووصلت لمرحلة تتفوق فيها على نظيرتها التقليدية من حيث مستوى الخدمة المقدم للعميل؟ بالتأكيد أن ذلك سيفتح لها الباب من أجل توسيع نطاق العملاء الذين سيميلون نحوها. فالخاتمه إذا أن كونك بنكا إسلاميا لا يعني بالضرورة أنك ستستحوذ على شريحة أكبر من العملاء المخلصين لهذا النوع من الصيرفة. بل على هذا البنك أن يقرن خدماته المصرفية بجودة الخدمة.
@ sa.investing 2016

الجمعة, 16 كانون1/ديسمبر 2016 21:44

مفاهيم في الاقتصاد الإسلامي

عيشُ الإنسانُ على هذه البسيطةِ مُنذُ القِدَمِ، وسيبقَى فيها زمناً يجهلُه؛ سعَى الإنسانُ - خِلالَ ذلكَ - تفسيرَ هذه الحياةِ التي يعيشُها ليفهمَها فَيتمكَّن مِن العيشِ فيها بأفضلِ وَسيلَةٍ - حسبَ اعتقادِه - مُستغِلّاً الموارِدَ مِن حَولِه؛ فذهبَ الناسُ مَذاهِبَ عديدةً في آليَّاتِ الفهمِ؛ فتعدَّدتْ مذاهِبُهم عبرَ العُصورِ بِتعَدُّدِ مشاربهِم.

وخلالَ تلك المسيرةِ نشأتْ نُظُمٌ واندثرتْ أُخْرى، وساد في القَرنَينِ الأخِيرين مَذْهَبا (الشيوعية ورَبِيبَتِها الاشتراكية) والرأسمالية؛ فالأوَّلُ ظهرَ لِلعالَم في عام ١٩١٧ م، ثمَّ أفلَ نَجْمُه في عام ١٩٩٠م، وغيَّرَتِ الرأسماليةُ بعضاً مِن صِفاتها، وتَخلَّتْ عن أغلبِ رُموزِها في بدايةِ هذا القرن الحاليّ.

وهُناكَ مَذهَبٌ ظهرَ وتبلورَ مُنذُ أكثرَ من ١٤قرناً - وما زال مَوجُوداً-، ترافقَ مع بُزوغِ شمسِ الإسلامِ، وبسببِ تخلّفُ بعضِ عُلماءِ العصرِ الحديثِ تأخَّرَ تأطيرُه وبيانُه بالمفاهيمُ السائِدَة.

فما المذهبُ الاقتصاديّ الإسلاميّ؟

وما النظــــامُ الاقتصاديّ الإسلاميّ؟

ومــــــــــا عــلـمُ الاقتصادِ الإسلاميّ؟

تتوزَّعُ هذه المفاهيمُ ضِمنَ إطارَي (الثوابتِ والمتغيِّرات) - كما هي شريعةُ الإسلامِ الخالِد -؛ فالمذهبُ الاقتصاديُّ وأصولُه من الثوابتِ التي تُستقَى مِن كتابِ الِله تعالى وسُنَّةِ نَبيِّه صلَّى الُله عليهِ وسلَّمَ، بينَما يندرجُ علمُ الاقتصادِ ونظريَّاتُه والنظامُ الاقتصاديُّ وتطبيقاتُه ضِمنَ المتغيِّراتِ التي تنتمي للثوابتِ فلا تخرجُ عنها؛ فـ (العِلمُ مجالُه النظرُ والفِكرُ، والنظامُ مجالُه العملُ والتطبيقُ).

المَذهبُ الاقتصاديّ:

المذهبُ الاقتصاديّ الإسلاميّ هو الإطارُ الجامعُ لِعِلْمِ الاقتصادِ تُمثِّلُه مجموعةُ الأصولِ والمبادئ الاقتصادية التي يسيرُ عليها المجتمعُ في حياتِه الاقتصادية والمُنبَثقَةِ مِن ثوابتِ الشريعةِ الإسلامية بُغْيَةَ تحقيقِ العدلِ وفقَما شَرعُه اللهُ عزَّ وجلَّ.

يُعتبَرُ المذهبُ الاقتصاديّ مَوطِنَ الخلافِ بين النُّظُامَينِ (الرأسماليّ والاشتراكيّ- الوضْعيَّانِ-)والنظامِ الإسلاميِّ الرَّبَّانيِّ؛ لانتماءِِ كُلِّ نظامٍ بِالقِيَمِ والمُثُلِ السائِدَة والاتِّجاهاتِ الاقتصاديَّة، فالنِّظامانِ الوضعِيَّان نِظامانِ مادِّيَّانِ ركَّزا على الجانبِ المادِّيِّ في الحياةِ، بينَما وازنَ النظامُ الرَّبَّانيُّ بين الجانبَينِ (المادِّيِّ والرُّوحيِّ)؛

فلا غرابةَ إذنْ في تَنبُّهِ المذاهبِ الوضعيَّة إلى أهمِّيَّةِ المسؤوليةِ الاجتماعيةِ وتطبيقاتِها في نهايةِ القرنِ الماضي بينَما شَكَّلَتْ هذه المسؤوليةُ الجانبَ الأخلاقيَّ في المذهبِ الإسلاميّ فكانتْ مُنْدَمِجَةً في نظامِه وتطبيقاتِه على السواءِ منذُ بدايتِه وما زالَ.

لذلك يبحثُ المَذهبُ بما يجبُ مُناقشتُه، وما يجبُ ألّا يكونَ؛ فـ (الاحتكارُ في الاقتصادِ الإسلاميِّ مُحرَّمٌ على الجميعِ؛ كَبيرهِم وصَغيرهِم)، فـ (لا يحقُّ لأحدٍّ أنْ يَحْتَكِرَ)؛ لِقَولِ الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ: "لا يَحْتَكِرُ إلا خاطِئٌ".

فالأصولُ الاقتصاديةُ الإسلاميةُ ذهبتْ لاعتباراتٍ تخصُّها، فـ:

- مِلكيَّةُ المالِ للهِ تعالى والنَّاسُ فيه مُسْتَخْلَفُونَ،

- تأمينُ حَدِّ الكفايةِ للناسِ أمرٌ واجبٌ ومسؤوليةُ الدولةِ والمجتمعِ وأيُّ تقصيرٍ من أحدهِما تُقدِّم الثاني لِسَدِّ تلكَ الكفايةِ وتأمينِها لمحتاجِها.

- تحقيقُ العدالةِ أمرٌ لا غِنى عنهُ، ولا بُدَّ أن يتجسَّدَ ذلك في (النظريات والتطبيقاتِ) كافَّةً على حَدٍّ سواء،

- المِلكيَّةُ بأشكالِها (الخاصَّةِ والعامَّةِ والمشتركةِ) مَصُونةٌ ومُعتبَرةٌ،

- والحريةُ الاقتصاديةُ مُعتبَرةٌ ومُقيَّدةٌ بما لا يُخالِفُ الأصولَ الشرعيّة،

- والتنميةُ بمفهومَيها (الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ) أمرٌ أساسٌ؛ فلا بُدَّ مِن قيمةٍ مُضافةٍ لأيِّ عَملٍ مؤدَّىً وبذلكَ تقومُ الحياةُ وتُعمرُ الأرضُ،

- الأصلُ في كلِّ شيءِ (التوسُّط) حتّى في الإنفاقِ والاستهلاك،

- المحرَّماتُ خبائِثُ لا يجوزُ الاقترابُ مِنها.

وقد عبَّر الفقهاءُ عن تلكَ الأصولِ بـ (الضَّرُوراتِ الخمْسِ) بِوصفِها مقاصِدَ الشريعة الإسلامية الغَرَّاء.

لذلك فغايةَ النشاطِ الاقتصاديِّ ووَسائِلَه تَرتكِزُ على أن:

- غايةُ (المُجتمَعِ أو الفرد) مِن القيام بالنشاط الاقتصادي يُحدِّدُها المذهبُ.

- إنَّ وَسائِلَ القيامِ بالنشاطِ الاقتصاديِّ كشَكلِ توزيعِ الثروةِ والمِلْكيَّةِ يَتدَخَّلُ في تَحدِيدِه المذهبُ.

أما الأسئلةُ التي يُثيرُها المذهبُ فتتعلق بـ:

- كيف ينبغي أن يكونَ السوقُ؟

- هل تضمنُ حُرِّيَّةُ السُّوقِ التوزيعَ العادِلَ لِلسِّلَعِ وتلبيةَ الاحتياجاتِ؛ بِما يُحقِّقُ العدالةَ الاجتماعية؟

وعليه؛ فمنهج المذهب الاقتصادي يكمن في المدخل المعياري.

النظامُ الاقتصاديُّ الإسلاميُّ:

يُعرَّفُ النظامُ الاقتصاديّ الإسلاميّ بأنَّه: "مجموعةُ القواعدِ والأحكامِ التي تُنظِّمُ علاقاتِ الأفرادِ في إدارتهِم لِلمَواردِ الطيِّبةِ؛ باستخدامِ وَسائِلَ مُباحةٍ لأداءِ وظائفِ الاقتصادِ لتحقيقِ أقصى إشباعٍ مُمكِنٍ لحاجاتهِم غيرِ المَحدُودة".

فالقواعدُ: "هي القواعدُ الفقهيَّةُ المُستنبَطةُ مِن أصولِ الشريعةِ الإسلاميّة: (القُرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ المُطهَّرةِ والإجماعِ)، أمّا الأحكامُ فهِيَ (نتائِجُ القواعدِ الفقهيَّةِ مِن حلالٍ أو حَرامٍ)".

والتنظيمُ: "هو أحدُ وظائفِ إدارةِ النشاطِ الاقتصاديّ".

وعلاقاتُ الأفرادِ: "هي السلوكُ الذي تُؤطِّرُه الأحكامُ الفِقهيَّةُ في (إنتاجِ وتوزيع واستهلاك واستثمارِ) الموارد الطيِّبة".

وعليه فالنظامُ الاقتصاديّ الإسلاميّ: هو الوسائلُ والإجراءاتُ التي يتمُّ مِن خلالِها تطبيقُ المذهبِ الاقتصاديِّ الإسلاميِّ؛ ممَّا يمنحُ النظامُ المُرونةَوالتغيُّرَبتغيُّرِ الزمانِ والمكانِ - ضِمنَ إطارِ المذهبِ الاقتصاديِّ وحُدودِه وليس خارِجَه-؛ في حين أنّ المذهبَ يتَّصِفُ بِثباتِه؛ فلا يَتغيَّرُ بِتغيُّرِ الزمانِ والمكان كـ(حُرْمَةِ الرِّبا) - مَثلاً-.

أما خَصائِصُ النظامِ:

- تحقيقُ الرّقابةِ المُزدوجةِ.

- الجميعُ بين الثباتِ والمُرونة والتطوُّر.

- التوازنُ بين المادِّيَّةِ والرُّوحيَّة.

- التوازنُ بين المصلحةِ الفرديَّة والمصلحةِ الجَماعِيَّة.

ورَكائِزُ النظامِ:

- المِلكيَّةُ المُزدوجةُ: عامَّةٌ، وخاصَّةٌ، وجَماعيَّة كـ (الوقْفِ والمعادِن).

- الحريةُ الاقتصاديةُ المُنضبِطَةُ بالمذهبِ الاقتصاديِّ وتحقيقِ المصلَحةِ العامَّة.

- التكافلُ الاجتماعيّ.

وعليه؛ فمنهجَ النظامِ الاقتصاديِّ يكمُن في المدخلَين (التجريبيِّ والاستقرائيّ).

عِلْمُ الاقتصادِ الإسلاميّ:

يتناولُ عِلْمُ الاقتصادِ تفسيرَ الحياةِ الاقتصادية وأحداثَها وظواهِرَها ومَعرِفةَ الأسبابِ التي تَتحكَّمُ فيها لاكتِشافِ أسرارِ الحياةِ الاقتصاديَّةِ لمَعرِفةِ ما يَحدُثُ؛ لذلك هو عِلْمٌ يهتَمُّ بِسُلوكِ الأفرادِ في حُصولِهم على المَواردِ الطيِّبةِ، واستخدامِها، وتنميتِها؛ لإشباعِ حاجاتِهم المُباحةِ، وتحقيقِ عدالةِ التوزيعِ بينَ الناسِ.

وشملَ ذلك:

- وظائِفَ الاقتصادِ مِن (تمويلٍ واستثمارٍ وإنتاجٍ واستهلاكٍ وتوزيعٍ وتبادُلٍ).

- المَواردُ هي المواردُ (الطبيعيَّة والبَشريَّة والماديَّة) ومِنها كسبُ المالِ، وكُلُّ ذلكَ يكونُ مِن المواردِ الطيِّبةِ التزاماً بالقواعدِ والضوابطِ الشرعيّة.

- ضبطُ الأحكامُ الشرعيةُ لسلوكَ الأفرادِ، ونُميِّزُ بينَ سُلوكَينِ اِثنَينِ:

‌أ. حُصولِهم على المواردِ الطيِّبة بمختلفِ أشكالِها؛ ومِنها المواردُ المادِّيَّةُ سواء بـ(كَسْبِ المالِ بالعَمل المباشِر، أو بـ (التقليب) كالتجارة أو بـ(التحويل) كالصناعة.

‌ب. استهلاكِ الأفرادِ للمَواردِ الطيِّبة؛ ومِنها إنفاقُ المالِ ضِمنَ الأوجُهِ المشروعةِ؛ لإشباعِ حاجاتهِم، وهيَ على نَوعَينِ:

- حاجاتٍ استهلاكيَّةٍ مُباحةٍ.

- حاجاتٍ استثماريَّة الغرضُ مِنها تحقيقُ التنمية، ويكون ذلك بإنتاجِ الطيِّباتِ فقط دونَ الخبائِث.

- تحقيقُ العدالةِ الاجتماعية بتحقيقِ عدالةِ التوزيعِ بين عناصرِ الإنتاج، وبين الشُّركاء، وفي البيئةِ الطبيعيَّة المُحيطة، وبأداءِ المساهَمةِ الاجتماعية على شكلِ (زَكواتٍ وصَدقاتٍ).

إنَّ (علمَ الاقتصادِ ونظرياتَّه هو مجالُ إعمالِ الفِكر والنَّظر)، وهو مدخلٌ إيجابيٌّ تحكُمه القاعدةُ النبويَّةُ (الحِكْمَةُ ضالَّةُ المؤمِنِ؛ أينَما وَجَدَها فهُوَ أحقُّ بِها)، فالعِلْمُ مِلْكُ الناسِ جميعاً، وليس مِلْكَ فِئَةٍ دُونَ غَيرها؛ أيّ: أنّه مُحايِدٌ مُستقلٌّ لا ينتمي لِمذهَبٍ دونَ آخرَ.

أمّا كيفيَّةُ تطويعِ واستخدامِ هذه القوانيِن والنظريّاتِ فمَنوطٌ بالمذهبِ واتجاهاتِه.

مِثالُ ذلك:

- دراسةُ العلاقةِ بين السِّعر والطلبِ لتفسيرِ أحداثِ السُّوق.

- استخلاصُ القوانينِ الاقتصاديَّة التي تحكمُها كقانونِ تناقُصِ الغلَّةِ وتزايُدِها، وقانونِ العَرْضِ والطلب.

إنَّ الاختلافَ بين عِلمِ الاقتصادِ التقليديِّ وعِلم الاقتصادِ الإسلاميّ أنَّ التقليديَّ لا يعترفُ بأيِّ علاقةٍ لعِلْمِ الاقتصادِ بـ(العقائدِ والأخلاقِ واتِّجاهاتِ الدولةِ الاقتصاديَّة)؛ إلّا أنَّ عِلْمَ الاقتصادِ الإسلاميَّ يلتزمُ بثوابتَ تخصُّه ولا يحيدُ عنها(وهو ما عبرنا عنه بالمذهب الاقتصادي)، مِمّا حدا ببعضِ الاقتصاديِّين وَصْفَهَ بأنَّه ليسَ عِلْماً؛ بل مَذهباً اقتصاديَّا، وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ القضيَّة تَعتمِدُ على أُسُسٍ الدراسةِ والبَحث؛ فمَثلاً: إنّ تطويرَ معيارٍ لقياسِ أداء المعاملاتِ المالية الإسلامية (مَقام) كبديلٍ عن مؤشِّرِ الفائدةِ الرِّبَويَّة (لايبور) يُثْبِتُ فعاليةَ الاقتصادِ الإسلاميِّ كِعِلْمٍ؛فالمُؤشِّرانِ كِلاهُما ينتميانِ لعِلْمِ الاقتصادِ؛ لأنَّهُما مقياسٌ وحسب؛ إلَّا أنَّ أُسُسَ الأوَّل أكثرُ تناسُباً مع الثوابتِ الإسلاميّة، والثاني لا يتناسبُ معَها مع إمكانِ استخدامِه بِحِيادِيَّةٍ، والاستئناسِ به في مجلسِ العَقدِ دُونَ رَبْطِ التسعيرِ به بشكلٍ متغيِّرٍ خارجَ مجلسِ العَقد.

أما الأسئلةُ التي يُثيرُها عِلْمُ الاقتصادِ:

- ما نتائجُ السُّوقِ الحُرَّة؟

- كيف يتمُّ ربطُ السعرِ بالطلبِ؟

وعليه؛ فإنّ منهجَ عِلْمِ الاقتصادِ يكمنُ في المدخلِ الاستنباطيّ.

إذاً يضعُ المذهبُ الاقتصاديّ أهدافَ الحياةِ الاقتصاديةِ ويرسمُ الوسائِلَ المؤدِّيةَ لتحقيقِ تلكَ الأهدافِ؛ أيّ: (غايةَ ووسيلةَ النشاطِ الاقتصاديّ)؛ كـ (تحديدِ هدفِ الإنتاجِ ووسيلتِه وشكلِ المِلكيةِ والحريةِ الاقتصاديةِ وكيفيةِ توزيعِ الثروةِ)؛ فـ (المذهبُ يتأثَّرُ بالأخلاقِ والسياسةِ والاتجاهاتِ الاقتصاديةِ وكذلك مفهوم المجتمع للعدالة).

وبناءً عليهِ نُميِّزُ بين الأنظمةِ الاقتصاديةِ وهي الجانب التطبيقيّ والعمليّ فنَصِفُها بـ (الرأسمالية والاشتراكية والإسلامية)؛ فلِكُلٍّ من هذه الأنظمةِ مَذهَبٌ تنتمي إليه.

ويأتي علمُ الاقتصادِ -كأداةِ للبحثِ العلميّ والموضوعيّ عن الحقائقِ العلميَّة - فـ (يؤطِّرَ الوقائعَ والمشاهداتِ ويحاولَ تفسيرَها ووَضْعَ نظرياتٍ تخصُّها، ومِن ثَمَّ تتدافعُ النظريَّاتُ ليسقُطَ بعضُها ويَثبُتَ بعضُها الآخرُ حِينًا مِن الدَّهرِ، وقد تخضعُ تلك النظرياتُ لتعديلاتٍ لِتُناسِبَ التغيُّراتِ المحيطةَ، وقد تتحوَّلُ إلى حقائقَ علميةٍ راسخةٍ، وقد تبقى مدارَ (بحثٍ وتمحيصٍ وتعديلٍ وتطويرٍ مستمِرٍّ). وقد أوضَحنا تميُّزَ عِلْمِ الاقتصادِ الإسلاميّ باهتمامِه بالمَواردِ الطيِّبةِ واستخدامِها، وتنميتِها؛ لإشباعِ الحاجاتِ المُباحةِ، وتحقيقِ عدالةِ التوزيعِ بينَ الناسِ؛ فـ (العِلْمُ يُركِّزُ على تطويرِ الأداءِ، وعلى إيجادِ حُلولٍ لِمشكلاتٍ يُعاني منها الناسُ ويَنسجِمُ مع ما يُؤمِنُونَ به).

وقد يختلفُ المنتمُونَ لمذهبٍ مُحدَّدٍ؛ -كالمذهبِ الإسلاميّ مَثلاً - في عَرضِهم للنظريَّاتِ وللتطبيقات، فهذا مِن اهتمامِ المجتهِدِينَ تبعاً لتغيُّرِ الزمانِ والمكانِ، وقد تعارفَ الفقهاءُ على قاعدةٍ مشتركةٍ بينَهم، هي: "اختلافُ الأحكامِ بتغيُّرِ الزمانِ والمكانِ"؛ فقَد يظنُّ أحدُهُم أنَّ ما ذهبَ إليه حقيقةٌ علميةٌ، ثُمَّ يأتي الواقِعُ ليُثِبتَ أو ينفي وجْهةِ نظَره، وهذهِ سُنَّةٌ من سَننِ الِله تعالى.

مِثالُ ذلك في السياسةِ الماليةِ العامّة: أنّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان يُوزِّعُ كُلَّ ما يأتيهِ لبَيتِ المالِ، وكان أبو بكرٍ رضيَ الُله عنهُ- وهو خليفةُ رسولِ الِله صلَّى الُله عليهِ وسلّمَ يُوزِّعُ لِلأقْرَبِ لآلِ البيتِ النبويِّ، أمّا عُمَرُ رضيَ الُله عنهُ - وهو خليفةُ خليفةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فكانَ يُوزِّعُ للأقربِ إلى الإسلامِ. ولمْ يَكُنْ في أيِّ فِعْلٍ مِن تلكَ الأفعالِ ما يُناقِضُ المذهبَ الاقتصاديّ الإسلاميّ؛ فهَذهِ تطبيقاتٌ اختلفتْ باختلافِ الزمانِ فاجتهدَ خَليفَتا رَسُولِ الِله صلّى الُله عليهِ وسلَّمَ ما فيه مصلحةُ الناسِ، وليسَ في ذلكَ بأسٌ.

إذاً تختلفُ أسُسُ مفاهيمِ الاقتصاد الإسلاميّ عن غَيرها لتأثُّرِها بشريعةِ الإسلامِ وانبثاقِها عنهُ؛ فـ(العدلُ غايةُ لا تنفكُّ عنها) فلا يُسمَحُ بظُلْمٍ أو تظالُمٍ فـ(لا ضَرَرَ ولا ضِرار)؛ لكنَّ هذه المفاهيم لا تبتعدُ عن الواقعِ؛ لأنَّها تستفيدُ من المدخِل الإيجابيِّ بِوصْفِه الحكمةُ وهي ضالَّةُ المُؤمِنِ أينَما وَجَدَها فَهُوَ أحقُّ بها؛ فالحقيقةُ مِلْكُ البشريَّةِ جَمعاءَ؛ومنافعُ الاقتصادِ الإسلاميِّ تطال جميعَ الناس؛ فكثيراً ما خاطبَ القرآنُ الكريمُ - وهو كلامُ اللهِ تعالى - الناسَ بِـ: (يا أيُّها النَّاسُ)، وقالَ رسولُ الهُدَى صلَّى اللهُ عليهِ وسلّم: "بُعِثتُ إلى الأحمَرِ والأسْودِ".

حَماة (حَماها اللهُ) بتاريخ ٢٦ مِن صَفر ١٤٣٨ هـ الموافق ٢٦ مِن نوفمبر تشرين الثاني ٢٠١٦ م

@ giem.kantakji 2016

الجمعة, 16 كانون1/ديسمبر 2016 21:43

الاستخلاف المالي في الإسلام

يعتبر مبدأ الاستخلاف في المال أحدَ أهم الأصول الكبرى التي تنبني عليها النظرية الاقتصادية الإسلامية، وهو حينما يُطلق يراد به "كون الإنسان نائبًا ووكيلًا عن الله فيما بين يديه من أموال وثروات"؛ لذا يجب عليه تنفيذ مراده، وإجراء أحكامه فيها، وعليه فالمال في ظل هذا المبدأ مالُ الله، والإنسان مستخلَف فيه؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ [الحديد: 7].

يقول الإمام الزمخشري:
"يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما ولَّاكم إياها، وخوَّلكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاءَ في التصرف فيها؛ فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنـزلة الوكلاء والنواب"[1].

مفاهيم يصححها مبدأ الاستخلاف في المال
أولًا: مفهوم المِلكية:
إن هذا المبدأ يستندُ على حقيقة أن المالَ مالُ الله، فالله هو المالك الحقيقي والأصلي لِما في أيدي الإنسان، وهذا الأخير لا يعدو أن يكون وكيلًا ونائبًا وخليفة عنه، يؤكد هذا نسبةُ الله تعالى المال إليه في مواطنَ عدة من كتابه؛ منها قوله تعالى: ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [النور: 33].

ثانيًا: مفهوم التصرف:
ثم إن تصرُّف الإنسان في ظلِّ هذا المبدأ محكومٌ بتوجيهات رب المال (الله)، سواء في الكسب والتحصيل، أو الإنفاق والصرف، أو الاستثمار، وهو مسؤول عن ذلك بين يدي الله تعالى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ: عَن عُمُرِه فيم أفناهُ؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن مالِهِ مِن أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟))[2].
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟)) دليلٌ على أن الإنسان يُسأل عن ماله يوم القيامة، ويحاسب على تصرفه فيه، بالإحسان إن أحسن، وبالإساءة إن أساء.

ثالثًا: الملكية الخاصة أو الملكية الفردية:
ويقصد بها: حق الأفراد أو المؤسسات في تملُّك الأموال أو وسائل الإنتاج، دون حجر أو تضييق، غير أن مبدأ الاستخلاف في المال في التصور الإسلامي لا يقرُّ هذا الحق بإطلاق، كما هو الحال في النظام الرأسمالي، بل إنه قيَّد ذلك بعدم الإضرار بمصالح الجماعة، وعليه فالمِلْكية الفردية في ظل هذا التصور لها وظيفةٌ اجتماعية.

رابعًا: المال بين كونه (زينة الحياة وقوامها) وكونِه (فتنة وشهوة):
قال تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 46]، وقوله أيضًا: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ [النساء: 5]، وفي المقابل يقول جل وعلا: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [التغابن: 15]، ووجه التوفيق بينها يمكن تلمُّسه في ظل هذا المبدأ؛ فالذي يُحَصِّل المال ويستثمرُه ويُنفِقه مستحضرًا توجيهات مالكه الأصلي (الله تعالى)، يكون هذا المال زينةَ حياته وقوامَها، والذي يُهمِل ذلك ويُقصِّر فيه، فهو فتنة لصاحبه في الدنيا، وسبب لشقائه في الآخرة.

المال بين كونه "ثروة" أو "رأس مال":
إن مبدأ الاستخلاف في المال يُحتِّم علينا أن ندبر مقدراتنا المالية في إطار (رأس المال) المتحرك المنتِج، الذي يولد نشاطًا اقتصاديًّا؛ من خلال الاستثمار، وخلق المشاريع المنتجة التي تمتصُّ البطالة، وتوفِّر فرص الشغل للشباب، من خِلال اندماجهم في محيطهم الاقتصادي المفعم بالإنتاج والحركية، وفي ضوء هذا المعنى ينبغي فهمُ قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: 34]، وإذا كان المفسرون القدامى قد فسَّروا الكنز بالمال الذي لم تؤدَّ زكاته، فإننا نجد من المعاصرين مَن توسع في ذلك ليشملَ المال الجامد الذي لم يدفَعْ به أصحابه إلى سوق العمل مِن أجل تنميته واستثماره؛ حتى يستفيد منه المجتمع كله!

يقول مجدي عبدالفتاح سليمان:
"والاكتناز في الفكر الإسلامي يشمل منع الزكاة، وحبس المال، فإذا خرج منه الواجب لم يبقَ كنزًا، والواجب مِن وجهة نظرنا يشمل: الزكاة، الإنفاق، الاستثمار، فلا يخرج المال من دائرة الاكتناز إلا إذا تمَّ إخراج الواجب؛ أي: الزكاة؛ العفو، النفقات، الصدقات، مداومة الاستثمار، والإسلام لم يقفْ في محاربة الكنز عند حد التحريم والوعيد الشديد، بل خطا خطوةً عملية لها قيمتها وأثرها في تحريكِ النقود المكنوزة، وإخراجها من مكانها لتقوم بدورها في إنعاش الاقتصاد"[3].

ولقد أثبت الواقعُ في الفترة الراهنة بأن مشكلةَ الأمة ليست متعلقة بالمال من حيث نقصه أو عدمه - فالمال والحمد لله كثير - ولكن جوهر المشكلة هو عجزُنا أو عدم رغبتِنا في جعل ما نملِكُ في خانة (رأس مال)، والاكتفاء بجعل عَلاقتنا به منحصِرة في خانة (الثروة)، ومعنى هذا أن الاستفادة من أموال الأمة تبقى مقتصرةً على أصحاب الثروات الجامدة، إن الحل كما يقول الأستاذ مالك بن نبي: "ليس في تكديس الثروة، ولكن في تحريك المال وتنشيطه، بتوجيه أموال الأمة "البسيطة"[4]، وذلك بتحويل معناها الاجتماعي من أموال كاسدة، إلى رأس مال متحرك، ينشط الفكر والعمل والحياة في البلاد"[5].

والعمل بهذا المنهج سيجعلُنا نحقق مرادَ الله في قوله تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ [الحشر: 7].
إن استثمار الأموال وَفْقَ هذا النهج سيتيح لأفراد الأمة جميعًا المشاركةَ في تحمُّل مسؤوليات البناء والتنمية، والابتعاد عن روح الخمول والكسل، ولعل هذا مِن أهم المقاصد التي يسعى مبدأ الاستخلاف في المال إلى تحقيقها.

مبدأ الاستخلاف في المال سبيل لتحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة:
إن تفعيل مبدأَ الاستخلاف في المال بالمفهوم الذي ذكرنا سالفًا، لا بد أن يؤدِّي إلى تحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة، وذلك من خلال إشراك أفراد المجتمع في الانتفاع بالثروة بشكل عادلٍ؛ حتى لا تتركَّز في يد فئة قليلة، ومن أجل ذلك رغَّب الإسلام في الصدقة التطوعية، وحثَّ عليها، ووعد المتصدقين بالأجر العظيم.
قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261].

والصدقة التطوعية تأتي من أجل سدِّ الفراغ الذي قد تتركه الزكاة، في حال عدم قيامها بحاجات المحتاجين، والزكاة هي الوسيلة الشرعية التي تضمن إشراك الفقراء والمساكين في أموال الأمة، بالإضافة إلى تلبية حاجيات أخرى؛ كتشغيل العاطلين، وقضاء الديون، وإقامة المؤسسات والمشاريع المختلفة، ومحاربة اكتناز الثروة، والتشجيع على استثمارها.

كما أن الدولة الإسلامية في نطاق قيامِها بواجبها تجاه الرعية، مطالبةٌ بمراعاة أحوالهم والسهر عليها، بما يضمن الكفاية للجميع، ولو أدَّى الأمر إلى أن يتساوى الجميع في حد الكفاف، وفي هذا المعنى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريِّينَ إذا أَرْمَلُوا في الغزوِ، أو قلَّ طعامُ عيالهم في المدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ، ثم اقتسموا بينهم في إناءٍ واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم))[6].

ويقول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني حريصٌ على ألا أدعَ حاجة إلا سدَدْتُها ما اتَّسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تأسَّينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف"[7].

إن التصور الإسلامي في مجال الأموال يسمو بالإنسان من الفردانية المقيتة، القائمة على الاحتكار والاستغلال وتقديس الثروة، إلى المشاركة في سدِّ ثغرات المجتمع؛ من خلال إشاعة روح التعاون والتضامن المفضيين إلى تحقيق الكفاية والتوزيع العادل للثروات.

التاريخ يتحدث:
لقد مرَّتِ الأمة الإسلامية بمحطات مشرقة، عكست مدى نجاعة الحل الإسلامي القائم على تطبيق مبدأ الاستخلاف في المال، ليس فقط على مستوى التوزيع العادل لمقدرات الأمة؛ بل على مستوى تنمية الإنتاج أصلًا؛ فهذا عمر بن عبدالعزيز يكتب إلى واليه عبـدالحميد - وهــو بالعـراق -: "أن أخـرِجْ للناس أُعطياتهم، فكتب إليه عبدالحميد: إني قد أخرجت للناس أعطياتهم، وقد بقي في بيت المال مالٌ، فكتب إليه: أنِ انظُرْ كل مَن ادَّان في غير سفهٍ ولا سرف، فاقضِ عنه، فكتب إليه واليه: إني قد قضيتُ عنهم، وبقي في بيت مال المسلمين مالٌ، فكتب إليه: أن انظر كلَّ بكر ليس له مال، فشاء أن تزوجه وأصدقْ عنه، فكتب إليه: إني قد زوجت كل مَن وجدت، وقد بقي في بيت المال مال، فكتب إليه عمـر: أن انظر مَن كانت عليه جزية، فضَعُف عن أرضـه، فأسلفـه ما يقـوى بـه على عمـل أرضـه، فإنا لا نريدهـم لعـام ولا عامين"[8].

إن وفرةَ المال بهذه الصورة في بيت مال المسلمين، واستعمالَه في سدِّ حاجات الناس الضرورية، وحتى الكمالية، بل وتخصيص جزء منه لإقراض مَن ضعُف عن إصلاح أرضه وحرثها، إن هذا كله لا يمكن أن نفهمه أو نطمح إلى تحقيقه مرة أخرى، إلا في ظل تنفيذ الإنسان لمراد الله تعالى في المال كسبًا وإنفاقًا واستثمارًا.

[1] الكشاف، محمد بن محمود الزمخشري، ج: 4 ص: 473، دار الكتاب العربي، 1986.
[2] سنن الترمذي: كتاب صفة القيامة، باب في القيامة، ط/1 شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ج/4 رقم الحديث: 2417، ص:612، وقال: هذا حديث حسن صحيح
[3] مجدي عبدالفتاح سليمان: دور الزكاة في علاج الركود الاقتصادي، مجلة الوعي الإسلامي، عدد 445/ السنة 39، رمضان1423هـ/2002م.
[4] في هذه الفترة كانت أموال الأمة قليلة؛ إذ إن هذا الكلام كتبه مالك بن نبي سنة 1948، أما الآن، فالوضع اختلف كثيرًا.
[5] شروط النهضة، مالك بن نبي، دار الفكر دمشق دون طبعة، 1986، ص 112 /113.
[6] صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل الأشعريين رضي الله عنهم، رقم الحديث:2500، دار الاعتصام، دون طبعة ولا سنة الطبع ص: 1249.
[7] تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية، د محمد سهيل طقوش، ص:351، دار النفائس، الطبعة الأولى 1424هـ - 2003م.
[8] منهج الاقتصاد الإسلامي في إنتاج الثروة، أحمد لسان الحق، ج/ 1 ص: 239، دار الفرقان للنشر الحديث، الدار البيضاء، 1408هـ.

@ alukah 2016

الجمعة, 16 كانون1/ديسمبر 2016 21:40

مفهوم العمالة في الاقتصاد الإسلامي

اهتمت المؤسسات الدولية بموضوع العمالة، فقد جاء في ميثاق الأمم المتحدة في المادتين (55) و (56): ((إن تحقيق العمالة الكاملة والمحافظة عليها هو أحد الأهداف الرئيسة)).
كما يعتبر القضاء على البطالة وتحقيق العمالة الكاملة الهدف الأساس الذي ترمي إليه معظم السياسات الاقتصادية وتسعى لبلوغه.
يقول الاقتصادي الشهير كينز: إن العمالة الكاملة هي الواجب الأول للدولة.
إذ من خلال توفير وتحقيق العمالة الكاملة في المجتمع، يتم الانتفاع الكامل من جميع قوى العمل المتاحة لأفراد المجتمع، كما يتم الانتفاع بكل الموارد الأخرى إلى جانب العمل البشري.

ومن خلال تحقيق العمالة الكاملة، تتم زيادة عدد السلع والخدمات التي ينتجها المجتمع ويستمتع بها أفراده، وذلك لازدياد القوى الإنتاجية، ويتم تأمين الفرد ضد العوز، وتتحقق المساواة بين الأفراد، بالقضاء على الفوارق العنصرية، وذلك لازدياد الطلب على العمل من جانب أصحاب الأعمال، ومن ثم تستقر الطمأنينة في نفوس أفراد المجتمع، ويتوافر عنصر الثقة في المستقبل وتتركز دعائم التقدم في المجتمع.

بَيْدَ أن التجارب البشرية تؤكد على أنّ تحقيق العمالة الكاملة يتطلب قدراً كبيراً من وسائل القهر والإكراه، إذا كان المراد بالعمالة الكاملة هو توظيف كل فرد قادر على المشاركة المجدية في النشاط الإنتاجي الأهلي.

والواقع يشهد بأن العمالة الكاملة لا تتحقق أو قلما تتحقق، إذ تبقى من الناحية العملية نسبة من البطالة، ولكنها على أية حال، بطالةٌ ليس منشؤها ندرة في طلب العمل، بل ترجع إلى عدم القدرة على العمل أو الذعر أو تشتت السكان أو غير هذا من الأسباب التي لا تتصل بالعمل وندرته.
وبالطبع، فلن يحدث توظف بنسبة 100% خاصة بالنسبة لعنصر العمل، وإنما هناك قدرٌ من البطالة الاحتكاكية يمكن أن يتواجد في أيّ وقت ويظل يصدق على المجتمع حالة العمالة الكاملة.

بين يدي المفهوم:
يحرص الإسلام على الإفادة من قوة العمل المتاحة للمجتمع بخير سبل الاستخدام الممكنة، بالحرص على العمالة الكاملة لكافة أفراد قوة العمل، وتوفير الحوافز لها وتأمين مشاركتها في الإنتاج واشتراكها في عوائده.

والاستخدام الكامل للموارد البشرية بالطريقة الفعالة هو من أهداف الإسلام الأساسية لأنه يساعد على تحقيق الرفاهية الاقتصادية، ويعطي للإنسان كرامته، بوصفه خليفة الله، كما أن الاستخدام الأمثل للموارد المادية المتوافرة للإنسان هو هدف مهم في الإسلام.

ولذا، منع الإسلام ألوان اللهو التي لا تتفق مع يجب أن يلتزمه الإنسان من جدّ واستمرار للعمل المنتج. ومنع كذلك من الأعمال العقيمة والضارة كالمقامرة والسحر والشعوذة حتى لا تستنزف طاقات الإنسان في أمور غير نافعة، وكذا منع الإسلام الغش والخيانة والسرقة واستغلال النفوذ.

ودعا الإسلام في الوقت نفسه إلى اختيار الأصلح فالأصلح وتولية الأمثل فالأمثل، ونادى بتنمية المهارات والكفاءات، وتحسين أداء العمل وتوفير الأعمال المطلوبة، وتهيئة الإمكانات والمواد اللازمة، وشجع على ذلك بمنح الحوافز والمكافآت والعوائد المناسبة، وشدد على أداء حقوق العمال وإعطائهم أجورهم ومستحقاتهم، ورغب في العلاقة الطيبة الحسنة بين العمال وصاحب العمل.

لقد حرص الإسلام على العمالة الكاملة لكافة أفراد قوة العمل المتاحة، وأكد على توجيهها نحو الجهود الإنتاجية المفيدة والنافعة للفرد والمجتمع حتى تزداد قدرة المجتمع الإنتاجية وتنمو بصفة مستمرة.

ومما يجدر ذكره أن العمالة الكاملة في الاقتصاد الإسلامي هي في الدنيا والآخرة، على خلاف ما يدعو إليه الاقتصاد الوضعي، فالإنسان المسلم ما دام في عبادة لله من صوم وصلاة وحج وزكاة وسعي في طلب المعاش، فهو في عمل، والعمل عبادة. قال تعالى ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾ [القصص: 77]. وقال عليه الصلاة والسلام ((إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة (من النخل) فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها، فله بذلك أجر)) حديث حسن.
وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم زرّاعاً وصنّاعاً وتجّاراً متقنين، ولم يقعد بهم إيمانهم بالآخرة عن العمل للدنيا.

مصطلح العمالة في المفهوم الوضعي:
لما كان الاقتصاد الكلاسيكي (التقليدي) إنما هو أساساً تحليل اقتصادي في الزمن الطويل، لذلك فإنه يفترض أن التوازن الذي يتحقق هو توازن طويل الأجل يتحقق عند مستوى التوظف الكامل.

وعليه، فإن النظرية الكلاسيكية (التقليدية) إنما تقوم على فرض التوظف الكامل للموارد البشرية وبقية الموارد الاقتصادية الأخرى. ويعتبر الكلاسيكيون (التقليديون) أن مثل هذا التوازن إنما هو الوضع العادي للمجتمعات الاقتصادية.

وبالتالي فإنّ أيّ خروج عن هذا الوضع إنما يعتبر وضعاً غير عادي. ومع افتراض الكلاسيكيين (التقليديين) بأن وضع التوظف الكامل هو الحالة العادية، إلا أن الاقتصاد الكلاسيكي (التقليدي) لا يحوي نظرية للتوظف.

إذ الاقتصاد الكلاسيكي (التقليدي) إنما هو دراسة الاستخدامات البديلة لموارد المجتمع الموظفة. وافتراض الكلاسيكيين (التقليديين) بأن التوظف الكامل في المجتمعات الاقتصادية إنما هو الحالة العادية التي تسود، يستند ويبرّر بقانون ساي للأسواق، أو ما يُعرف بقانون المنافذ.

إنّ قانون ساي للأسواق يعتبر قلب الاقتصاد الكلاسيكي (التقليدي). وقانون ساي ينسب إلى الاقتصادي الفرنسي جان باتست ساي، الذي ينص على أن ((العرض يخلق الطلب الخاص به)). Supply creats its own demand، فالقانون يقضي بأن كل إضافة في العرض إنما هي أيضاً إضافة للطلب ومن ثم، فلا يمكن وجود فائض إنتاج طالما أن كل عرض يخلق الطلب الخاص به.

وعليه، فإن كل القيم المنتجة وهي تتحول إلى دخول للمنتجين، يتم إنفاقها في الحال بواسطتهم أي تتحول في الحال إلى طلب حقيقي، سواء على سلع الاستهلاك أو على أدوات الاستثمار.

إنّ افتراض النظرية الكلاسيكية (التقليدية) بأن التوظف الكامل هو الحالة العادية للمجتمعات الاقتصادية، يعني أنه لا يوجد بطالة إجبارية. ولكن وجود التوظف الكامل إنما يتمشى مع قدر معين من البطالة الاختيارية والبطالة الإجبارية إنما تحدث نتيجة للتدخل في حرية عمل النظام الاقتصادي.

وهيكل النظرية الكلاسيكية (التقليدية) إنما يقوم على سياسة اتركه يعمل، أي أن الحكومة لا تتدخل في النشاط الاقتصادي. فالاقتصاديون الكلاسيك (التقليديون) يؤمنون بعدم التدخل الحكومي، وبالنظام الاقتصادي الحر القائم على المنافسة الكاملة. فهم يرون أنه من واجب الحكومة ألا هذه القوى حرة لتصل إلى حالة التوازن.

وقد لخصّ كينز النظرية الكلاسيكية (التقليدية) للعمالة الكاملة في مقدمتين أساسيتين:
الأولى: هي تساوى الأجر مع الإنتاجية الحدية للعمل، وهذه المقدمة هي التي تحكم الطلب على العمال من جانب المنظمين.
والثانية: هي تساوى منفعة الأجر (أو تساوى الأجر الحقيقي) مع المشقة الحدية للعمل. وهذه تحكم عرض العمل من جانب العمال.

لقد نظر كينز إلى الاقتصاد الكلاسيكي (التقليدي) على أنه نظام فكري غير واقعي، ذلك لأنه لم يمدنا بعرض دقيق لحالات الكساد والبطالة. وأشار إلى أن الحالة الخاصة التي افترضها الكلاسيك (التقليديون) لا تنطبق على واقع المجتمعات الاقتصادية.

أما انتقادات كينز فقد انصبت على فروض النظرية الكلاسيكية (التقليدية)، حيث اعتبر كينز الفرض الأساسي وهو تحقيق التوازن عند مستوى التوظف الكامل، افتراضاً غير واقعي، كما عارض كينز افتراض الكلاسيك (التقليديون) التوازن الطويل الأجل، وأيضاً عارض قانون ساي للأسواق، وانتقد النظرية الكلاسيكية (التقليدية) المعتمدة على مذهب (اتركه يعمل) وعلى المنافسة الكاملة في تحقيق التوظف الكامل.

وفي المقابل، قدّم كينز آراءه الاقتصادية من خلال نظرية عامة للتوظف والنقود وسعر الفائدة، حيث قال بإمكانية تحقيق التوازن عند مستوى أقل من مستوى التوظف الكامل.

كما اهتم كينز بالتوازن قصير الأجل، وركز على الطلب الفعلي، وقال بتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، ودعا إلى رفع الأجور، من أجل زيادة العمالة.

وهيكل النظرية العامة للتوظف عند كينز، يبين أن الحجم الكلي للتوظف إنما يتوقف على مستوى الطلب الفعلي في الاقتصاد الوطني. وأن التوازن الكلي يتحقق عند تعادل الطلب الكلي مع العرض الكلي.

إذ عند زيادة الطلب الكلي عن العرض الكلي يحدث التضخم، وعند نقص الطلب الكلي عن العرض الكلي تحدث البطالة.
بَيْدَ أن تحليل كينز لا ينطبق على الدول النامية، وإنما في حالة مجتمعات اقتصادية تكون فيها جميع وسائل الإنتاج مملوكة للحكومة، أي أنّ تحليل كينز ينطبق على الدول التي تكون نسبياً متقدمة اقتصادية، ونسبياً مصنعة، ونسبياً غنية ورأسمالية.

مصطلح العمالة في المفهوم الإسلامي:
وردت العمالة في كتب اللغة العربية مضمونة العين (العُمالة) ومفتوحة العين (العَمالة) ومكسورة العين (العِمالة). يقول ابن منظور في لسان العرب ((العِمْلة والعُمْلة والعَمالة والعُمالة والعِمالة، كله: أجر ما عُمل. ويقال: عملت القوم عُمالتهم إذا أعطيتهم إياها. قال الأزهري: العُمالة - بالضم - رزّق العامل الذي جُعل له على ما قُلد من العمل. ويقول أبو هلال العسكري في كتابه ((الفروق في اللغة)): ((وأصل العمالة أجرة مَنْ يلي الصدقة، ثم كثر استعمالها، حتى أجريت على غير ذلك)).
إذ وردت العمالة بمعنى الأجرة ورزق العامل، وبمعنى العمل نفسه والمهنة، وبمعنى الحِرْفة. قال الراغب الأصفهاني في ((المفردات)) وقوله تعالى ((والعاملين عليها...)) ((هم المتولون الصدقة، والعَمَالة أجُرْتهم)).

وقد أورد الطبري رحمه الله في تفسيره، عن عطاء بن زهير العامري عن أبيه: أنه لقي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فسأله عن الصدقة، أيُّ مال هي؟ فقال: مال العُرْجان والعُوْران والعميان، وكل متقطع به. فقال له: إن للعاملين حقاً وللمجاهدين، قال: إن المجاهدين قوم أحل لهم، والعاملين عليها على قدر عُمالتهم)).
وأخرج البخاري ومسلم عن بُسْر بن سعيد عن ابن الساعدي قال: استعملني عمر رضي الله عنه على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها أمر لي بعُمالة، فقلت إنما عملت لله، وأجري على الله قال: خذ ما أعطيت فإني قد عملت على عهد رسول الله فعملني فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكُلْ وتصدق)).

وجاء في المغني لابن قدامة الحنبلي رحمه الله مسألة: قال: إلا أن يكونوا من العاملين عليها فيُعطون بحق ما عملوا، وجملته أن العامل على الزكاة يجوز أن يأخذ عمالته من الزكاة، سواء كان حراً أو عبداً.
وجاء في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي رحمه الله: إلا العاملين عليها، فإنهم مع غناهم يستحقون العمالة، ولنا أن ما يستحقه العامل إنما يستحقه بطريق العمالة لا بطريق الزكاة، بدليل أنه يعطى إن كان غنياً بالإجماع.
وجاء في كتاب الخراج لأبي يوسف رحمه الله: أنّ أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: دنست أصحاب رسول الله. فقال له عمر: يا أبا عبيدة، إذا لم أستعن بأهل الدين على سلامة ديني، فبمن أستعين؟ قال: أما إن فعلت: فأغنهم بالعُمالة عن الخيانة. يقول: إذا استعملتهم على شيء فأجزل لهم في العطاء والرزق لا يحتاجون.

وجاء في فتح الباري لابن حجر رحمه الله هذان البيتان:
وفي العُمالة إسناد بأربعةٍ
من الصحابة فيه عنهم ظهرا
السائب بن يزيد عن حويطب عبـ
د الله حدّثه بذاك عن عمرا
والحديث المشار إليه في هذين البيتين أخرجه النسائي في سننه، ونصّه: عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى قال: أخبرني عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الشام فقال ألم أخبر أنك تعمل على عمل من أعمال المسلمين فتعطى عليه عُمالة، فلا تقبلها قال: أجل. إن لي أفراساً وأعبداً وأنا بخير وأريد أن يكون عملي صدقة على المسلمين.

لقد أمر الإسلام بالمشي في مناكب الأرض لاكتساب الرِّزق، وذمّ المسألة ونهى عنها كرامة للمسلم وإعلاءً لهمته. قال تعالى ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15]، وقال صلى الله عليه وسلم لئن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ له من أن يسأل الناس (أحداً)) فيعطوه أو يمنعوه)) متفق عليه.

وكفى بالأنبياء والرسل قدوة وأسوة، فقد احترف آدم عليه السلام الزراعة، ونوح عليه السلام التجارة، وداود عليه السلام الحدادة وموسى عليه السلام الكتابة، وإدريس عليه السلام الخياطة، وسليمان عليه السلام صنع الخوص وعمل المكاتل، وزكريا عليه السلام النجارة، وعيسى عليه السلام الصياغة، ومحمد عليه الصلاة والسلام رعي الغنم.

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه بزازاً وكذلك كان الفاروق، وكان خبّاب بن الأرت حداداً، وعبد الله بن مسعود راعياً، وسعد بن أبي وقاص نبّالاً، والزبير بن العوام خياطاً، وسلمان الفارسي حلاقاً، وعلي بن أبي طالب سقاءً، رضي الله عنهم أجمعين.

وكما حث الإسلام على العمل لكسب الرزق، فقد ذمّ المسألة واستجداء صدقات الناس وأعطياتهم إلا عند الحاجة الماسة. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم. متفق عليه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: مَنْ سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر. رواه مسلم في صحيحه. وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إن المسألة كدُّ يكدُّ بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لابد منه. رواه الترمذي وصححه.

وكان الفاروق رضي الله عنه يقول: ليس في الإسلام سؤلة، والإمام أحمد بن حنبل يقول: ما أحسن الاستغناء عن الناس. وسعيد بن المسيب رحمه الله يقول: مَنْ لزم المسجد وترك الحرفة وقبل ما يأتيه فقد ألحف في السؤال. وابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في عمل الدنيا، ولا في عمل آخرة.

وقد ورد عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله:
لحمل الصخر من قمم الجبال
أحبُّ إليّ من متن الرجال
يقول الناس لي في الكسب عارٌ
فقلت العار في ذلّ السؤال
إنّ قضية العمالة وعلاج ظاهرة البطالة هي إحدى مهام الدولة. فالدولة مطالبة ببذل قصارى جهدها في سبيل تشغيل أكبر عدد من أفراد المجتمع، وحتى لا يبقى الناس بدون عمل. وإن كان إيجاد عمل لكل شخص يقف في سبيله بعض الموانع والعقبات.
بَيْدَ أن العمالة - مع ذلك - تبقى أحد الأهداف الأساسية للدولة، حيث تعتبر هدفاً رئيساً من أهداف التنمية.

الخلاصة:
لقد عجز نظام الحرية الاقتصادية عن تحقيق الأهداف العامة للمجتمع في القضاء على الكساد والبطالة والوصول إلى التوظف الكامل الذي يبشر به أصحاب النظرية الرأسمالية الغريبة.
بَيْدَ أن النظام الاقتصادي الإسلامي يرى وجوب العمل وفرضيته على الإنسان المسلم ولا يجعل من حقه أن يعمل أو لا يعمل، ومن ثم هيء لكل فرد فرص العمل المناسبة، ودعاه إلى اكتساب الرزق من وسائله المباحة، ونهاه عن السؤال والاستجداء، وحذره من البطالة الاختيارية، وجعل أفق العمالة الكاملة ممتداً من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة، واعتبر سعي الإنسان في ذلك كله عبادة من العبادات يؤجر عليها ويثاب في العاجل والآجل..

الهوامش والمراجع:
1) محمد بشير علية: القاموس الاقتصادي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1985م.
2) كول: البطالة ووسائل التوظف الكامل، القاهرة: دار الفكر العربي، 1952.
3) راشد البراوي: الموسوعة الاقتصادية، بغداد: دار النهضة العربية، 1971م.
4) أحمد جامع: النظرية الاقتصادية، القاهرة: دار النهضة العربية، 1976م.
5) محمد عمر شابرا: النظام النقدي والمصرفي في الاقتصاد الإسلامي، جدة: المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، 1404ه-.
6) عز الدين التميمي: العمل في الإسلام، عمّان: دار عمّار، د.ت.
7) إبراهيم النعمة: العمل والعمال في الفكر الإسلامي، جدة: الدار السعودية.
8) محمد عبد المنعم عفر: السياسات الاقتصادية في الإسلام، القاهرة: الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، 1400ه-.
9) سامي خليل: النظريات والسياسات النقدية والمالية، الكويت: شركة كاظمة، 1982.
10) إسماعيل هاشم: التحليل الاقتصادي الكلي، الإسكندرية: دار الجامعات المصرية، 1982م.
11) رفعت المحجوب: الطلب الفعلي، بغداد: دار النهضة العربية، 1980م.
12) جون مينر كينز: النظرية العامة في الاقتصاد، بيروت: دار مكتبة الحياة، 1962م.
13) ابن منظور: لسان العرب، بيروت: دار صادر، 1388ه-.
14) أبو هلال العسكري: الفروق في اللغة، بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1979م.
15) الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، مكة: دار الباز، د.ت.
16) محمد بن جرير الطبري: تفسير الطبري، مصر: دار المعارف، د.ت.
17) ابن قدامة: المغني، الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، 1401ه-.
18) الكاساني: بدائع الصنائع، بيروت: دار الكتاب العربي، 1402ه-.
19) أبو يوسف: الخراج، بيروت: دار المعرفة، 1399ه-.
20) ابن حجر العسقلاني: فتح الباري، الرياض نشر الإفتاء.
21) النسائي: سنن النسائي، بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت.
22) عبد الحليم عويس: الاحتراف بين الضرورة المعاشية والواجبات الشرعية، جدة: الشركة السعودية للأبحاث والنشر، 1405ه-.
23) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، بيروت: دار الندوة الجديدة، د.ت.
24) أبو بكر الخلال: رسالة في الحث على التجارة، دمشق: مطبعة الترقي، 1348ه-.
25) الكتاني: التراتيب الإدارية، بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت.
26) طه العفيفي: من وصايا الرسول، القاهرة دار الاعتصام، د.ت.
27) محمد عاشور: رواد الاقتصاد العرب، القاهرة: دار الاتحاد العربي، 1974م.
28) فكري نعمان: النظرية الاقتصادية في الإسلام، بيروت: المكتب الإسلامي، 1405ه-.
29) شوقي دنيا: الإسلام والتنمية الاقتصادية، القاهرة: دار الفكر العربي، 1979م.
30) سعيد مرطان: مدخل للفكر الاقتصادي في الإسلام، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1406ه-.

@ alukah 2016

الصفحة 1 من 50

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy