الجمعة, 05 أيار/مايو 2017 06:39

الأمن الغذائي في الإسلام

الإسلام منهجُ حياةٍ متكاملٌ لجميعِ شؤونِ الإنسانِ: الاجتماعية والأخلاقية، والاقتصادية والسياسية، والعِلْمية والفِكْرية، وغيرها.
والإنسان جسدٌ وروح، والجسد والروح لكلِّ واحد منهما غذاؤه الذي يحافظ به على حياته ونموِّه وبقائه، وقد أسهَب علماءُ المسلمين قديمًا وحديثًا في الكلام عن أغذية الروح، وما يصيب الأرواح والقلوبَ من أسقامٍ وآفات تُكدِّر صفو حياة الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، وجعلوا العمدةَ في ذلك قولَه تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124]، وانطلق العلماءُ في هذا من كونِ القلب والروح هما الأساس الأول في تكوين جسد الإنسان، واستأنَسوا لذلك بقولِ النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألَا إن في الجسد مُضغةً، إذا صلَحت صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدت فسَد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب)).

وكذلك تناوَل العلماء في كلامهم ومؤلفاتهم جانبَ العناية بغذاء الجسد، وما يفيد الجسدَ وما يضرُّه من الأغذية والأطعمة، وكيفية الأكل وأوقاته وكميته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القويُّ خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير))، فقوة الإيمان في القلب خيرٌ، وخيرٌ منه أن يضاف إليها قوةُ البدن، ومِن أهم عوامل قوة البدن الاهتمامُ بغذاء البدن وتأمينه.

والأمن نعمةٌ عظيمة، بها يهنأ الإنسان بعيشه، فيشعر بلذَّة ومتعة العبادة التي هي غذاءُ القلب والروح، ولذَّة ومتعة الطعام الذي هو غذاء الجسد.

لذلك فتأمين غذاء الجسد من مجالات الأمنِ التي اهتم بها الإسلام، وهو ما يسمى بالأمن الغذائي، وهو من ركائز الحياة المستقرَّة، وقد دعا إبراهيم عليه السلام ربَّه فقال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [البقرة: 126]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أصبح منكم آمنًا في سِرْبِه، معافًى في جسده، عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها)).

وامتنَّ الله عز وجل على قريشٍ بما أنعم عليهم من الأمن عمومًا؛ فلا يخافون، والأمن الغذائي خصوصًا؛ فلا يَجُوعون، فقال تعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 3، 4]، وقد كان سوق المدينة محصورًا بأيدي اليهود؛ مما يُشكِّل تهديدًا لأمن المسلمين الاقتصادي والغذائي، فلما قدِم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمَر بإنشاء سوقٍ خاص بالمسلمين؛ مما يُبيِّن أهمية هذه القضية، فإن كرامة الأمة، وصيانة وحدتها، وحماية ديارها - تقومُ على اكتفائها وعدم حاجتها إلى غيرها في إنتاج غذائها ودوائها وسلاحها، وإلا تحكَّم غيرُها في مقدراتها، وتدخَّلوا في قراراتها وسياساتها.

وتعدُّ سورةُ يوسف عليه السلام من أكثر السور وضوحًا ودلالةً في عرض مسألة الأمن الغذائي، وتجلَّى ذلك في تأويل يوسف عليه السلام للرؤيا التي رآها عزيزُ مصرَ، وما في هذا التأويلِ من إشارة إلى أهمية حفظ الغذاء وتخزينه بطرق مناسبة تمنع فسادَه، وكذلك فيه إشارةٌ إلى أهمية الإنتاج الزِّراعي في تحقيق الأمن الغذائي، وإلى ضرورةِ ترشيد الاستهلاك الغذائي، وعدم الإسراف فيه، بما يتلاءَم مع احتياجات السكَّان، ويمنع حدوث المجاعات ونقص الغذاء، وَفْق خطة مدروسة لاستهلاك المخزون الغذائي على مدى سنوات القحط والجفاف.

﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ [يوسف: 47 - 49].

وأشار يوسف عليه السلام في تأويلِه هذا الذي علَّمه الله إياه، إلى حفظ القمح في سُنبلِه، وهذا سبقٌ حضاري، وإعجاز علمي، أقرَّه العلم حديثًا، فهذه الطريقة تعدُّ من أكثر الوسائل نجاحًا في حفظ القمح؛ حيث تعمل القشور المحيطة بحبوب القمح في السنبلة على منع مهاجمته من قِبَل الحشرات الضارَّة، والمؤثرات الجويَّة الخارجية.
ولكي يتمَّ تحقُّق الأمن الغذائي حرَّم الإسلام كلَّ ما يؤدي إلى التلاعب به؛ كالغشِّ بجميع صوره، وخصوصًا الغش في الطعام، وخَلْط الجيد منه بالرديء، وإظهار الرديء في صورة الجيد وبيعه بقيمته.

مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على صُبْرَةٍ من طعامٍ، فأدخَل يدَه فيها، فنالت أصابعُه بللًا، فقال: ((ما هذا يا صاحبَ الطعام؟))، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: ((أفلا جعَلْتَه فوق الطعام حتى يراه الناس، مَن غشَّ فليس منا)).
وكذلك حرَّم الإسلام الاحتكارَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن احتكر فهو خاطئ))؛ أي: آثم مجرِم مستوجِب للعقوبة.

ومِن حكمة الشرع الحنيف أنْ حرَّم الربا فيما يُدَّخر ويُقتات من الطعام، خصوصًا الأصناف الأربعة التي نصَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي: البُرُّ - أي: القمح - والشَّعير، والتمر، والمِلح.
إذا بِيعَ صنفٌ من طعام يُدخر ويُقتات بمثله، فليكن يدًا بيدٍ، مِثلًا بمِثل، سواء بسواء.
إذا بِيع صِنف بصنف آخرَ غيره، فليكن حالًّا في نفس المجلس يدًا بيدٍ.
إذا بِيع صِنف من الطعام بالنقود، فيجوز حالًّا ومؤجلًا.
هذه ضوابط وقواعد وضعها الشرعُ لأجل تحقيق الأمن الغذائي، وغيرها الكثير والكثير في كتب الفقه في أبواب البيوع والأطعمة.

ومِن جوانب الأمن الغذائي:
تأمين صلاحية الطعام والشراب، فلا يأكل الإنسان أو يشرب ما يُضِرُّ ببدنه وعقله وصحته، وعليه أن يأخُذ بالأسباب التي تحافِظ على الطعام والشراب أن يتغير أو ينزل به ما يضرُّ، وعليه أن يأكل ويشرب بطريقة وهيئة لا تضرُّه، فيراعي عدمَ الإسراف، وينظم أوقات طعامه، ولا يسرف ولا يَزِيد على قدر حاجة جسمه، وليختَرْ أجود الطعام.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((غطُّوا الإناء، وأَوْكوا السِّقاء، فإن من السَّنة ليلةً ينزل فيها وباءٌ لا يمر بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو سقاءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلا نزل فيه من ذلك الوباء))، فأمر صلى الله عليه وسلم بتخمير الإناء وتغطيته، ولو أن يَعْرُضَ عليه شيئًا - عودًا، أو سكينًا، أو عصا - يضعه على عرض الإناء، ويذكر اسم الله حينئذٍ، فالله عز وجل لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ، قال صلى الله عليه وسلم: ((وخَمِّرْ إناءَكَ، واذكُرِ اسمَ اللهِ، ولو تَعْرُضُ عليه شيئًا)).
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل التمر، فتَّشه قبل أن يأكله، لعل فيه سوسًا فيخرجه منه.

وكان صلى الله عليه وسلم لا يشرب الماء الذي ينقع فيه التمر، بعد ثلاث ليالٍ؛ خشية أن يتغيَّر فيصير نبيذًا مُسكِرًا، فكان إذا مرَّت عليه تلك المدة يأمر به فيُصَب.
وأمر صلى الله عليه وسلم بإكرام الخبز، فقال: ((أكرموا الخبز))، ومعنى إكرامه: ألا يُمتهن ويُحتقر، وألا يُوطَأ بالأقدام، ولا يُلقى في القاذورات والمزابل، وألا يوضع الرغيف تحت القصعة، أو ما نسميه اليوم بالطبق، ولا يوضع عليه شيء من الطعام من لحم أو سمك أو غيره من الإدام، ثم يترك ولا يؤكل، فيفسُد، كل هذا من إكرام الخبز.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا شرِب تنفَّس ثلاثًا؛ أي: لا يشرب مرة واحدة؛ وإنما يشرب على ثلاث مرات، يتنفس بينها، ويقول: ((إنه أروى، وأمرَأُ، وأبرأ))، وإذا تنفَّس فلا يتنفس في القدح الذي يشرب منه، فربما يضر الماء، ويضر مَن يشرب بعده، قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا شرِب أحدكم، فلا يتنفَّسْ في القدح، ولكن ليُبِنِ الإناء عن فيه)).
وكان يأكل ويشرب بيمينه، ويأمر بذلك صلى الله عليه وسلم؛ مخالفةً للشيطان الذي يأكل ويشرب بشماله.

وكان ينهَى عن الإسراف في الطعام والشراب، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم لُقَيمات يُقِمْن صُلبه، فإن كان لا بد فاعلًا، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه))، ولقد قال الله عز وجل: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].

فالذي يسرف في الطعام والشراب تلحقه أضرار ثلاثة:
1- ضرر شرعي: حيث إنه بإسرافه يقع فيما نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه.
2- ضرر بدني: وقد قيل: إن التخمة وثقل الطعام على المعِدة يسببان الكثير من الأدواء، ويصيبان بالكسل عن العادات والعبادات.
3- ضرر عقلي وقلبي: فإذا امتلأت المعِدة نامَت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة، والشبع يفسد رقة القلب وصفاءه وحضوره في العبادة من الصلاة والذِّكر وغيرها، والإفراط في الشبع يزيد في قوة الشهوات، وهي منشأ المعاصي.

إن أكبر أمان للطعام هو ذكرُ اسم الله تعالى عليه، فإنه سبحانه لا يضُر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.
فالمؤمن يأكل فقط مما ذُكِر اسم الله عليه؛ امتثالًا لأمر الله؛ حيث قال: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنعام: 118]، واجتنابًا لِما نهى عنه سبحانه؛ حيث قال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ [الأنعام: 121].
المؤمن يذكُرُ اسم الله عند الطعام والشراب، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان إذا وضع يده في الطعام ليأكل قال: ((بسم الله))، وكان يأمر الآكل بالتسمية، فقال: ((إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُم، فليَذْكُرِ اسم اللهِ تعالى، فإِنْ نَسِي أَنْ يَذْكُرَ اسم اللهِ في أوَّلِهِ؛ فليقل: بِسْمِ اللهِ في أوَّلِهِ وآخرِهِ))، وقال لعمر بن أبي سلمة: ((يا غلامُ، سمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينِك، وكُلْ مما يَلِيك)).

وإذا قلَّ الطعام، أو ضرب فيه الفساد، أو غلا سعرُه، أو قلَّت بركتُه، أو غير ذلك من الصور التي تضر بالأمن الغذائي، فعلاج ذلك يكون بعدة أمور:
1- تحقيق تقوى الله تعالى: قال عز وجل: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]، وقال عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 65، 66].

2- التوبة والاستغفار: قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10- 12].

3- صلة الأرحام والإخوة والأحباب: فذلك من أسباب سَعَة الرزق؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ))؛ فالتواصل الاجتماعي من شأنه استجلاب المودَّة والمحبة، ووقوف الأخ على حال أخيه، فيعود مَن له فضلُ مالٍ على مَن لا مال له، ويعود مَن له فضل زاد وقوتٍ على مَن لا زاد ولا قوت له، وهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((طعامُ الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية))، ومدح النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأشعريِّينَ؛ حيث كانوا إذا خرَجوا للغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة، جمَعوا ما كان عندهم في مكان واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسويَّة، قال صلى الله عليه وسلم: ((فهم مني وأنا منهم)).

ومَن أراد أن يدرك شيئًا من أسباب عدم البركة في الطعام والشراب في زماننا هذا، فلينظر إلى حالنا وما وصلنا إليه من جشع وحب ذات وأثَرة نفس، وما كان عليه أجدادنا منذ عشرات السنوات مِن تكافُل وترابطٍ وتكامل وإيثار.

لينظر إلى الكميات الهائلة من الطعام التي تُلقَى في القمامة.

لينظر إلى ما يصرِفُه الأغنياء - من الحكومات والشعوب - من أموال طائلة على رفاهية وبذخ مبالَغ فيه، يلهي عن عبادة الله، ويلهي عن سماع آهات الفقراء، وأنَّات المساكين، وصرخات المستضعفين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضُه بعضًا))، وشبَّك بين أصابعه.

ويقول صلى الله عليه وسلم: ((مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم: كمَثَل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)).

@ alukah 2017

الجمعة, 05 أيار/مايو 2017 06:34

استنباطات اقتصادية من حديث الفسيلة

عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فَسِيلَةٌ، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسَها فلْيَغرسْها))[2].
والفسيلة هي النخلة الصغيرة[3].
قال الهيثمي: لعله أراد بقيام الساعة أَمارتها[4].
ويشهد لذلك الرواية الثانية: ((إن سمعتَ بالدجال قد خرج وأنت على وَدِيَّةٍ[5] تغرسها، فلا تَعجَلْ أن تُصلحها؛ فإن للناس بعد ذلك عيشًا))[6].
وقد يكون ذلك تشبيهًا وضربًا للمثل؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله أحيانًا؛ ليقرِّب للأذهان المرادَ.

الفوائد الاقتصادية:
يمكن استنباط بعض الفوائد الاقتصادية من هذا الحديث:
1- بوَّب البخاري للحديث بـ:" باب اصطناع المال"، وفي هذا إشارة إلى الاستثمار بالزراعة؛ لأنها إحدى وسائل صناعة المال.

2- بالرغم أن دورة رأس المال طويلة وبطيئة في الاستثمار الزراعي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حثَّ على الزراعة - وخاصة النخل - لأن في ذلك نفعًا يعود على من بعدك.

3- في الحديث تشجيع على العمل، ونبذ التواكل والكسل، فإن ضيق الوقت مع هول أحداث القيامة أو أماراتِها ينبغي ألا يمنع المسلمَ من إتقان عمله، وطلب الكسب المباح؛ كيلا يكون عالة على غيره.

4- في الحديث إشارةٌ إلى عمارة الأرض، والحفاظ عليها وعلى البيئة.
قال المناوي: والحاصل أنه مبالغة في الحثِّ على غرس الأشجار وحفر الأنهار؛ لتبقى هذه الدار عامرةً إلى آخر أمدِها المحدود المعدود، المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرُك فانتفعتَ به، فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع، وإن لم يبقَ من الدنيا إلا صُبابةٌ، وذلك بهذا القصد لا يُنافي الزهدَ والتقلل من الدنيا[7].

5- التنمية الاقتصادية للمجتمع تتحقق عندما يؤدي كلُّ فرد دورَه في خدمة المجتمع، في إطار أفق واسع يرتقي إلى خدمة الأجيال وتركِ ما يُصلح معاشَهم.

6- الحديث يرتقي بالمسلمين فوق كل مظاهر اليأس والإحباط والبطالة.

7- الحث على كسب الحلال وإعفاف النفس؛ لأن اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى.

8- في الحديث توجيهٌ إلى اكتساب الخير والأجر مهما كانت الظروف عسيرةً، فإن في الزرع أجرًا يعود على صاحبه؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقةٌ))؛ متفق عليه.
قال الألباني: ولا أدلَّ على الحض على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة، لا سيما الحديث الأخير منها؛ فإن فيه ترغيبًا عظيمًا على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع ما ينتفع به الناس بعد موته، فيجري له أجرُه، وتُكتب له صدقته إلى يوم القيامة[8].

9- الحث على إتقان العمل وإكمال مشاريع الخير حتى وإن غابت الرقابةُ الدنيوية.

10- التخطيط للأجيال القادمة وترك ما يصلح معاشهم، وقد جاء في الرواية الثانية ما يؤكِّد هذا المعنى: ((فلا تَعجَلْ أن تُصلحها؛ فإن للناس بعد ذلك عيشًا))؛ فإن النخل يحتاج عدة سنوات ليثمر، وفي مثل هذه الظروف التي ظهرت فيها أماراتُ الساعة، فإن الإنسان قد لا يخطِّط لأكثر من معاش يومه، فجاء الحديث مؤكِّدًا على زرع الفسيلة، ولو كان هذا آخرَ عمل يقوم به المسلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

[1] الدكتور عبدالحميد المحيمد: باحث في الفقه والاقتصاد الإسلامي.
[2] الأدب المفرد؛ للبخاري ص181.
وقال الهيثمي: رجاله أثبات ثقات؛ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (4 /63)، وصحح المناوي إسناده في التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 372)، وكذلك صححه الألباني.
[3] المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (2/ 473).
[4] مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (4/ 63).
[5] الوَدِيُّ هو صغار النخل، واحدتها وَدِيَّة؛ غريب الحديث؛ للقاسم بن سلام (4/ 202).
[6] الأدب المفرد، الموضع السابق؛ صحح إسنادها المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 372)، وقد ضعف الألباني هذه الرواية في تعليقه على الأدب المفرد.
[7] فيض القدير (3/ 30).
[8] سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/ 38).

@ alukah 2017

الجمعة, 14 نيسان/أبريل 2017 02:45

إذا تغيرت صفة المبيع بعد الرؤية

مجلة الصيرفة الإسلامية-قد تتغير صفة المبيع بعد أن يراه المشتري؛ وذلك كَأَن يشتري شخص سلعةً ما بناءً على رؤية متقدمة، ثم يتنازع هو والبائع في أنّ هذه هي الصفة التي وقع العقد عليها، أو تغيّرت.

فيقول المشتري: إن الصفة قد تغيّرت، ومِن ثَمَّ فإنّ له خيار الفسخ.

ويقول البائع: إن الصفة على حالها ولم تتغير، ومِن ثَمَّ فإنّ البيعَ منعقدٌ، ولا خيار للمشتري.

فهل يُقبَل قول المشتري، أم قول البائع؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة:

فالحنفية والمالكية: قد فَرَّقوا بين ثلاث حالات1:

-إذا قَرُبَت المدة بين الرؤيتين، بحيث لا يتغيّر المبيع فيها عادةً، كان القولُ قولَ البائع.

-وإن بَعُدَت المدة بين الرؤيتين، بحيث يتغيّر المبيع عادةً، كان القولُ قولَ المشتري في تغيّر الـمَبِيع.

-فإنْ أَشْكل الأمر:

قال الحنفية، وابن القاسم من المالكية: أنّ القولَ قول البائع بيمينه.

وعلّلوا لذلك: بأنّ الأصل عدم التغير، والتغيّر عارض، فكان البائع متمسِّكًا بالأصل.

وأما المشتري فكان مُدّعِيًا أمرًا عارضا، والأصل بقاء ما كان على ما كان, ولذا كان القول قول البائع.

وأما الشافعية, والحنابلة, وأشهب من المالكية2: فقالوا:

إنّ القولَ قول المشتري في أنّ الـمبيع قد تغير.

وعلّلوا لذلك: بأنّ الأصلّ براءة ذمته من الثمن، فالمشتري يُؤخذ منه الثمن، فلا يجوز من غير رضاه.

المراجع

1 ينظر قولهم وتعليلهم في: البحر الرائق 6/37, والهداية 3/36, ومواهب الجليل 4/295, وشرح الخرشي 5/34.

2 ينظر قولهم وتعليلهم في: مواهب الجليل 4/295, وشرح الخرشي 5/34, والمهذب للشيرازي 2/15, والبيان 5/85, والمغني 3/497.
@ fiqh.islammessage 2017

الجمعة, 14 نيسان/أبريل 2017 02:44

الصيرفة الإسلامية والاستقرار المالي

مجلة الصيرفة الإسلامية- شهادة دولية أخرى تحظى بها الصيرفة الإسلامية على تعاظم أهميتها ودورها في التنمية المستدامة، ونعني بها قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي الذي أعلنه الأسبوع الماضي بشمول الصيرفة الإسلامية ضمن إطاره الرقابي لما بات لها من أهمية في الاستقرار المالي في الدول التي تعتمدها. كما إننا نعتبر هذا القرار امتداداً لاعتماد قمة مجموعة العشرين التمويل الإسلامي، في تحقيق التنمية المستدامة على مستوى العالم.
لا شك في أن الصيرفة الإسلامية لا تزال تمثل نسبة ضئيلة من الأصول المالية العالمية، إلا أنها موجودة في أكثر من 60 بلداً بأصول ناهزت 1.5 تريليون دولار، وأصبحت ذات أهمية نظامية في 14 منها (15 في المئة وأكثر من الأصول المصرفية). لذلك، ونظراً للتنامي السريع للصيرفة الإسلامية من حيث الحجم والطابع المعقد، فإنها باتت تساهم مساهمة رئيسية في الشمول المالي والتنمية المستدامة، ومن ثم بات لزاماً على السلطات الرقابية والبنوك المركزية أن تهتم أكثر بدرس دور الصيرفة الإسلامية وتصميمها في الاستقرار المالي.
قد تكون التفاتة صندوق النقد الدولي إلى الصيرفة الإسلامية ودورها في الاستقرار المالي جاءت متأخرة نوعاً ما. فمنذ انطلاق الأزمة المالية العالمية عام 2008، كتبنا مقالات أشرنا فيها إلى ظاهرة صمود الصيرفة الإسلامية بوجه الأزمة في مقابل انهيار العشرات من البنوك التقليدية، وذلك نظراً إلى الاختلاف الكبير في منهجية عملهما وأساسياته، كذلك طبيعة الأنشطة والممارسات التي يزاولانها. وهذه الظاهرة تقود مباشرة لاستنتاج هو أن الصيرفة الإسلامية قادرة على حماية الاستقرار المالي في العالم في شكل يفوق قدرة البنوك التقليدية، التي على العكس، زاولت أنشطة وتاجرت في منتجات أثبتت أنها تمثل أكبر خطر على الاستقرار المالي.
هذا من جهة. ومن جهة أخرى، جاءت التفاتة الصندوق متأخرة لأن المؤسسات المالية المعنية بالصيرفة الإسلامية مثل «مجلس الخدمات المالية الإسلامية» و «المجلس العام للبنوك الإسلامية» و «البنك الإسلامي للتنمية» وغيرها، بالتعاون مع البنوك المركزية العربية والإسلامية، عملت منذ سنوات طويلة على ترشيد دور الصيرفة الإسلامية في الاستقرار المالي وتعزيزه في الدول التي تمارس فيها، وشهدنا تطوير الكثير من الأدوات المالية الإسلامية التي باتت جزءاً من أدوات الاستقرار المالي التي تمارسها البنوك المركزية من خلال نوافذ السيولة الإسلامية مع البنوك المحلية في هذه الدول. كما التزمت البنوك المركزية بتطبيق كل الأدوات الاحترازية التي أوصت بها «لجنة بازل» في ما يخص الاستقرار المالي، على البنوك الإسلامية مثل نسبة كفاية رأس المال، ومخصصات القروض، ونسبة الديون إلى رأس المال، ومتطلبات الاحتياط، والحد الأقصى للتمويل، ونسبة الدَين إلى الدخل، ونسبة القروض إلى الودائع، ومتطلبات السيولة، إضافة إلى حجم الانكشاف على الزبون الواحد وغيرها من الأدوات. وتوضح البيانات إن البنوك الإسلامية متفوقة في الالتزام بهذه الأدوات مقارنة بنظيراتها التقليدية.
إن الاستقرار المالي بمفهومه العام يشمل كل مكونات النظام المالي من مؤسسات مالية (مصارف وشركات تأمين وصناديق استثمار ...) وأسواق مالية، إضافة الى البنية التحتية والسياسات والتشريعات وغيرها. وبمقدار تعلق الأمر بعلاقة البنوك الإسلامية بهذه المكونات، يمكننا أن نلاحظ أولاً إن الصيرفة الإسلامية أكثر استقراراً لأنها تستند إلى مجموعة من الضوابط مثل مشاركة المدخرين (المستثمرين) والمساهمين (المالكين) في المخاطرة لتجنب الأزمات ومنع المتاجرة في المشتقات المالية وارتباط التدفقات النقدية بالتدفقات السلعية والخدمية الناتجة عن اقتصاد حقيقي، بما يحقق زيادات متوازنة للعرض والطلب، كذلك منع بيع ما لا يملك وتحريم أية عقود تقوم على الربا والغرر، ما يحقق خفض تجنب الأسواق للمجازفات والمضاربات العبثية.
وثانياً، تجمع المنتجات المالية الإسلامية بين الصدقية الشرعية والكفاءة الاقتصادية بحيث تكون قادرة على تلبية حاجات اقتصادية حقيقية لأفراد المجتمع ومؤسساته، وليس المضاربات الوهمية التي تخلق عدم استقرار. وتشمل المنتجات المصرفية الإسلامية التمويل التشاركي ويضم صيغاً منها المشاركة والمضاربة، والتمويل التجاري ويشمل صيغاً منها المرابحة والسلم، والتمويل التأجيري ويشمل صيغاً منها الاستصناع والإجارة وغيرها من الصيغ.
ثالثاً، تخضع عمليات التمويل والاستثمار في المؤسسات المالية الإسلامية لمجموعة من الضوابط التي من شأنها أن تجعلها أكثر كفاءة وفاعلية من حيث صلتها بالاستقرار المالي، مثل إطار السلامة الشرعية وأن تكون مسؤولة اجتماعياً، إلى جانب سلامتها من الناحية المالية والاقتصادية.
على أية حال نحن نعلم أن البحث في طبيعة المنتجات التمويلية والاستثمارية الإسلامية وهياكلها، وعلاقة هذه الطبيعة والهياكل بالتأثير سلباً أو إيجاباً في الاستقرار المالي، هو موضوع شائك وليس مكانه هنا، وهو بالفعل بحاجة لمزيد من البحث والتحليل والتأطير للوصول إلى تصميم سياسات وأطر تنظيمية ومنتجات تحقق دوراً أكبر للصيرفة الإسلامية في الاستقرار المالي. ولا شك في أن دور صندوق النقد الدولي سيكون فاعلاً ومكملاً للأدوار التي تقوم بها المؤسسات المالية الإسلامية المختصة والبنوك المركزية.

رئيس جمعية المصارف في البحرين ورئيس اتحاد المصارف العربية سابقاً
@ alhayat 2017

الجمعة, 24 آذار/مارس 2017 15:30

الإسلام والعمل

الإسلام دين العزة، والكرامة، ودين السمو، والارتفاع، ودين الجد، والاجتهاد؛ فليس دين ذلة ومسكنة، ولا دين كسل وخمول ودعة.

ولقد تبوَّأ العملُ قيمةً حضاريةً عاليةً، ونظرة متميزة في الدين الإسلامي؛ فقد رسم له الإسلام منهجًا رائعًا متكاملًا، يقوم على مراعاة التوازن بين حقوق العمال، وحقوق أصحاب العمل على حد سواء.

ويؤكدُ سبقَ الإسلام في الدعوة إلى مراعاة حقوق الإنسان وتكريمه، والرفع من شأنه؛ ليكون عضوًا فاعلًا في هذه الحياة.

ولقد كان نظام العمل من الأمور التي أولتها الحضارة الإسلامية رعاية واهتمامًا، وذلك بمتابعة المستجدات حول هذا النظام، ومواكبتها بالأحكام والضوابط، والحرص على مراعاة احتياجات العامل وصاحب العمل.

وكان من بوادر تنظيم العمل في الإسلام نظرة التكريم للعاملين، والدعوة الصريحة إلى العمل المهني، واعتباره وسيلةً شريفةً ساميةً لكل قادر عليه، وسمةً من سمات المسلمين المنتسبين للعيش في حياة كريمة.

ولقد كانت دعوة الإسلام إلى العمل صريحة قوية، وذلك من خلال ورود تلك الدعوة في كثير من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية.

وسيتضح من خلال ما يلي ما يؤكد ذلك.

أولًا: دعوة القرآن الكريم إلى العمل:

لقد تظاهرات الآيات القرآنية المؤكدة على مشروعية العمل، وأهميته، ومدى الحاجة إليه.

ولقد تنوعت دلالة تلك الآيات تنوعًا كثيرًا يؤكد مكانة العمل في الإسلام، وإليك طرفًا مما ورد في القرآن الكريم بشأن العمل.

1- أن تلك الدعوة جاءت بصيغة الحث على المشي في الأرض؛ والضرب فيها، والسعي والانتشار؛ ابتغاء الرزق الحلال: قال الله- تعالى-: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

وقال الله- تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {9} فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة].

وقال- عز وجل-: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10].

وقال- جل وعلا-: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 11].

2- أن القرآن ارتفع بالعمل، والسعي في طلب الرزق إلى مصاف العبادات الكبرى؛ حيث قرنه بالجهاد في سبيل الله، قال- عز وجل- في معرض الثناء على المؤمنين: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].

3- أن القرآن أشاد بعمل اليد، وعده نعمةً يُستوجب شكرها، قال- عز وجل-: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ} [يس: 35].

4- أن القرآن نوَّه بشأن كثير من الصناعات الضرورية للحياة، كما في قول الله- عز وجل-: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25].

وقال ممتنًا على نبيه دواد- عليه السلام-: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ].

والسابغات: هي الدروع، كما في قوله- تعالى- عن داود- عليه السلام-: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80].

وقال- عز وجل- في صناعة الجلود: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [النحل: 80].

وقال في صناعة الأكسية: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل 80].

أي: من أصواف جلود الأنعام، وأوبارها، وأشعارها.

وأشار القرآن إلى اتخاذ البيوت مساكن كما في قوله- تعالى-: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80].

وفي بناء القصور يقول- عز وجل-: {وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف: 74].

وقال آمرًا نوحًا- عليه السلام- بصناعة الفلك: {وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 37].

وقال مثنيًا على خاصة المؤمنين: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ} [النور: 37].

فلم يقل إنهم لا يتاجرون، وإنما ذكر أن التجارة لم تكن تلهيهم عن ذكر الله وإقامة الصلاة.

فهذه الآيات وغيرها كثير تُعَدُّ دعوة إلى العمل، والحث عليه، وتؤكد مشروعية اتخاذ الأسباب، والاكتساب المباح عن طريق العمل على اختلاف أنواعه.

ثانيًا: الدعوة إلى العمل في السنة النبوية:

لقد جاءت السنة القولية والعملية بالدعوة إلى العمل، وإلى تغيير النظرة الخاطئة لدى العرب قبل الإسلام، سواء بالتوجيه المباشر من النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بتطبيق أمور يُخالِف بها مفهومًا شائعًا عند الناس؛ حتى يرى أصحابه ذلك منه، ومن ثم يقتدون به، وينقلون ذلك عنه إلى الناس.

ولقد خَصَّصت معظم كتب السنة أبوابًا عن الكسب والعمل باليد؛ فقد أفرد الإمام البخاري قي كتابه الصحيح بابًا سماه (باب في كسب الرجال، وعمله بيده).

كما وضع ابن ماجة في سننه بابًا (في الحث على المكاسب) وبابًا (في الصناعات) ووضع الدارمي في سننه بابًا سماه (باب في الكسب، وعمل الرجل بيده).

وغيرهم كثير من أصحاب الكتب التي دونت السنة النبوية.

وقد أوردوا تحت هذه الأبواب العديد من الأحاديث التي تحث المسلمين على العمل، واكتساب المال عن طريق بعض الأعمال والحرف.

ومن الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن ما روته أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا عمال أنفسهم، وأنه كان يكون لهم أرواح؛ فقيل لهم: لو اغتسلتم. متفق عليه.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ما كسب الرجل كسبًا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه، وأهله، وولده، وخادمه فهو صدقة». أخرجه ابن ماجة.

وفي مواضع كثيرة بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن العمل من أشرف وسائل الارتزاق، وفي هذا الصدد يقول: «أن خير الكسب كسب يدي عامل إذا نصح». أخرجه أحمد.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحدث كثيرًا إلى أصحابه حديثًا يحبب إليهم العمل، ويحثهم عليه؛ فكان يذكِّر أصحابه بأنه كان يعمل بالرعي، وأن الأنبياء- عليهم السلام-

كانوا يحترفون لأنفسهم؛ للكسب والتعفف عن أموال الناس؛ حيث كان لكل واحد منهم حرفة يعيش بها؛ فكان آدم حراثًا وحائكًا، وكان إدريس خياطًا، وكان نوح وزكريا نجارين، وكان أيوب زراعًا، وكان يونس وشعيب ومحمد- عليهم السلام- رعاة للغنم.

بل يؤكد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ما من نبيٍّ إلا رعى الغنم، وقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة على قراريط». رواه البخاري.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحدث كثيرًا إلى أصحابه حديثًا يحبب إليهم العمل، ويحثهم عليه؛ فكان يذكِّر أصحابه بأنه كان يعمل بالرعي، وأن الأنبياء- عليهم السلام- كانوا يحترفون لأنفسهم؛ للكسب والتعفف عن أموال الناس؛ حيث كان لكل واحد منهم حرفة يعيش بها؛ فكان آدم حراثًا وحائكًا، وكان إدريس خياطًا، وكان نوح وزكريا نجارين، وكان أيوب زراعًا، وكان يونس وشعيب ومحمد- عليهم السلام- رعاة للغنم.

بل يؤكد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ما من نبيٍّ إلا رعى الغنم، وقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة على قراريط». رواه البخاري.

وكان من سيرته -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقوم في بيته بمهنة أهله يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف النعل، ويخدم نفسه، ويَقُمُّ بيته، ويعلف بعيره، ويطحن مع أهله، ويحمل بضاعته من السوق، وينحر ذبائحه إلى غير ذلك من الأعمال التي كان- عليه الصلاة والسلام- يقوم بها؛ تواضعًا منه، وحثًّا لأصحابه، وأمته على العمل، وبيانًا لفضله.

وبالجملة فإن الأحاديث التي تحث على العمل، وتمجِّده، وترفع من شأن العاملين كثيرة جدًا، وكلها توجيه للأمة نحو العمل والكسب الحلال؛ فكان لهذه التوجيهات أبلغ الأثر في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتوجه كثير منهم إلى عمل يعمله، ويتكسب من خلاله.

ولم يكتف الإسلام بالدعوة إلى العمل، والتحفيز إليه، والتذكر بفضله، بل-مع ذلك- حذَّر أشد التحذير من البطالة، والكسل، والقعود، والتواكل، والاستسلام للفقر، واستجداء الناس؛ فكل قادر على العمل مطالب في شريعة الإسلام بأنه يسعى، ويبذل جهده في سبيل طلب الرزق.

ولا ريب أن ذلك مما يرفع من شأن المسلم، ويزرع في نفسه العزة والكرامة، ويجتث منها منابت السقوط والمهانة.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لأن يأخذ أحدكم أحبلا فيأخذ حزمة من حطب فيكف الله به وجهه خير من أن يسأل الناس أعطي أو منع» متفق عليه.

وقال: «ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك» متفق عليه.

وقال: «من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد خيرًا وأوسع من الصبر» متفق عليه.

وقال- عليه الصلاة والسلام-: «من سأل الناس أموالهم تكثرًّا فإنما يسأل جمرًا؛ فليستقل، أو يستكثر» رواه مسلم.

وعن قبيصة بن مخارق الهلالي -رضي الله عنه- قال: «تحمَّلت حَمَالة فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها».

قال: ثم قال: «يا قبيصة إنَّ المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو قال سدادًا من عيش»، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش «أو قال: سدادًا من عيش. فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سُحتًا» رواه مسلم.

ثم إن الإسلام أرسى القواعد المنظمة للعمل، ونظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وضبط تلك العلاقة بما يسمى في الفقه الإسلامي بالعقد، وجعلها تقوم على أساس قوي من الوضوح، وضمان الحقوق كاملة.

وفي المقابل أكد أهمية التزامه بمجموعة من الواجبات التي تضمن لصاحب العمل حقوقه.

كما ترك الإسلام الحرية التامة للإنسان في اختيار ما يناسبه من أعمال في حدود ما تبيحه الشريعة الإسلامية، وبما يعود على العامل ومجتمعه بالخير العميم.

وفيما يلي ذكر لبعض القواعد المنظمة للعمل في الإسلام على سبيل الإجمال؛ لأن المقام لا يحتمل التفصيل:

أولًا. عقد العمل:

وهذا العقد يشتمل على أركان أربعة وهي: العامل، وصاحب العمل، والعمل المتفق عليه، وأجر ذلك العامل.

ويمكن أن يشار هنا إلى أبرز الأمور التي يجب أن يشتمل عليها عقد العمل فيما يأتي:

1- بيان نوع العمل: وهو أمر جوهري في تمام العقد، فالإجارة على المجهول فاسدة.

2- بيان المدة أو الزمن المشروط لإنفاذ العمل: وهو أمر مهم في تمام العقد، وعدمه يؤدي إلى التنازع في الغالب.

3- بيان الأجر: وهو من أهم الأمور التي ينشدها العامل في إقدامه على العمل، وهو حق شرعي ثابت له فلا بد من اشتمال العقد على الأجر المتفق عليه.

ثانيًا: حقوق العمال وواجباتهم:

1- حقوق العمال:

ويمكن إجمال أبرز تلك الحقوق بما يلي:

أ- استيفاء الأجر: وهو إعطاء كل ذي حق حقه بعد أدائه ما كلف به.

ب- مراعاة كرامة العامل، وعدم تكليفه ما لا يطيق.

ج- تأمينه من إصابات العمل، وتعويضه عن الضرر، ويمكن أن يلحق بذلك الاهتمام بصحة العامل، وغذائه، ومسكنه.

ولا ريب أن هذه الحقوق التي قررها الإسلام للعمال هي موضع أمان، واطمئنان لهم، وحفز لمزيد من العطاء والجد.

2- واجبات العمال:

في مقابل الحقوق التي ضمنها الإسلام للعاملين أكد أهمية التزام هؤلاء بمجموعة من الواجبات التي من أهمها ما يلي:

أ. الإخلاص في العمل، والأمانة، ومراقبة الله- عز وجل-.

فإذا كان صاحب العمل مسئولًا فإن العامل مؤتمن ومسئول أمام الله القائل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].

والقائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].

ب. الإتقان، والقيام بالعمل وفق ما هو متفق عليه.

ويتأتى ذلك بإحكام العمل، وإجادته دون إهمال أو تقصير.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، أخرجه البيهقي، والطبراني، وأبو يعلى.

ومن إتقان العمل حسن رعايته، والشعور بالمسؤولية تجاه ما يوكل إليه من عمل.

ج. حفظ أسرار المهنة، والحرص على مصلحة من ائتمنه من أسرار، والحذر من إفشاء سر من أسراره.

د. أن يقنع بالأجر الذي تم الاتفاق عليه مع صاحب العمل دون مساس بمال صاحب العمل.

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فغلول» أخرجه أبو داود.

ثالثًا: تحريم العمل غير المشروع:

فهذا هو أحد القواعد في العمل في الإسلام؛ فإذا كان الإسلام يحفز على العمل، ويدفع الناس إليه حتى يعيشوا أعزة كرماء- فإنه ينأى بهم عن الأعمال المحرمة، قال الله- عز وجل-: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].

ومعنى ذلك أنه لا يجوز للمسلم أن يعمل أي عمل يعده الشرع معصية.

كما أن الإسلام حرم على الإنسان أي عمل يجلب الضرر على الإنسان نفسه، أو على مجتمعه.

فهذا شيء من موقف الإسلام من العمل.

@ fiqh.islammessage 2017

بالرغم من اعتراف العديد من الجهات العالمية مثل البنك الدولي بقطاع التمويل الإسلامي كأحد المكونات الرئيسية في الصناعة المصرفية العالمية، وتصريح صندوق النقد الدولي عزمه ضم خدمات الصيرفة الإسلامية إلى إطار رقابته، والحديث المتكرر منذ نهاية الأزمة المالية العالمية الأخيرة عن دوره في تعزيز استقرار القطاع المالي العالمي، وحديث الخبراء عن ارتفاع شفافية تعاملاته وانخفاض مخاطره بالمقارنة مع التمويل التقليدي، وحتى أن الأزمة المالية كان يمكن تجنبها من خلال تبني التمويل الإسلامي الذي يمول الاقتصاد الحقيقي.

إلا أن أداء قطاع الصيرفة الإسلامية – حتى في الدول الست التي تستحوذ على 80 % من الأصول المصرفية الإسلامية ما يزال غير متناسب مع الطموحات والفرص، ناهيك عن أن يكون «نظام مالي عالمي بديل».

أسباب

وحول أسباب عدم استقرار أداء قطاع الصيرفة الإسلامية، والأمور التي ما يفتقدها القطاع، والفرص الواجب استغلالها لدفع عجلة نمو القطاع، يقول محمد دمق الرئيس العالمي للتمويل الإسلامي في وكالة «ستاندرد آند بورز لخدمات التصنيف الائتماني» في تصريحات خاصة للبيان الاقتصادي: «لقد حقق قطاع الصيرفة الإسلامية نمواً قوياً في العقود الماضية وقد استقطب اهتماماً كبيراً.

وبالرغم من ذلك، وفي ظل تراجع البيئة الاقتصادية الداعمة في بعض أسواقه الرئيسية، شهد هذا القطاع تباطؤاً في النمو. وفي ظل الظروف التشغيلية الحالية، نرى بأنه أمام القطاع بعض الفرص لتحقيق نمو في المستقبل. ولكن ذلك يتطلب عدد من المتطلبات الأساسية.

تكمن الفرصة الأولى في الارتباط الطبيعي بين مبادئ التمويل الإسلامي وبعض أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. نرى بأن كلاهما يهدفان إلى تحقيق تمويل يتسم بالمزيد من المسؤولية والإنصاف وموجهاً نحو الاقتصاد الحقيقي.

إن مشاركة مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف بشكل أكبر في الصيرفة الإسلامية من خلال إصدار الصكوك وطرح منتجات الصيرفة الإسلامية، من جهة، والتطبيق الأكثر صرامة لمبدأ تقاسم الربح والخسارة، من جهة أخرى، يمكن أن يخلق بعض فرص النمو المستقبلية.

أما الفرصة الثانية فتكمن في مشاركة بعض مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف بشكل أكبر في تحقيق توحيد أكبر للمواصفات في الهياكل القانونية وتفسير أحكام الشريعة. يرى بعض مراقبي السوق أن الجدل الدائر حول توحيد المواصفات أصبح من الماضي. ونحن نرى بأن هذه الخطوة لا تزال بالغة الأهمية، ونرى أيضاً بأن هذا الجدل مهم لإعادة القطاع إلى مسار النمو القوي.

وتهدف مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف إلى إطلاع السوق على كيفية توحيد المواصفات من خلال تطبيق الهياكل القياسية، أو توحيد الوثائق، أو الخطوات الواجب على المُصدرين اتباعها لجعل عملية إصدار الصكوك أسهل وأكثر كفاءة.

ونعتقد أيضاً بأنه في حال توحيد المواصفات، سيحظى أصحاب المصلحة بمزيد من الوقت لتعزيز الابتكار ولابتداع أدوات جديدة في قطاع التمويل الإسلامي، مما سيسهم في تعزيز النمو. وتكمن الفرصة الثالثة في تعزيز توحيد القطاع للانتقال به من وضعه الحالي كمجموعة من القطاعات الصغيرة إلى قطاع عالمي حقيقي».

نجاحات

ويضيف دمق: «هناك العديد من قصص النجاح في مجال الصيرفة الإسلامية. وبإمكان العملاء الجدد الاطلاع على النجاحات السابقة التي حققها المشاركون في السوق كمحفز. على سبيل المثال، يمكن لبعض مُصْدري الصكوك الاستفادة من التجربة الماليزية، حيث أن سلاسة عملية إصدار الصكوك لديها بنفس درجة إصدار السندات، على حد فهمنا.

ويمكن إيجاد أمثلة أخرى في عمليات الاستحواذ الخارجية، والتي قد تساعد القطاع على توحيد تفسير أحكام الشريعة بهذا الشأن. رأينا ذلك مسبقاً في العديد من عمليات الاستحواذ التي قامت بها بنوك خليجية في تركيا، على سبيل المثال. يحتاج القطاع أيضاً للمزيد من التكامل، من وجهة نظرنا.

على سبيل المثال، إصدار المزيد من الصكوك يمكن أن يساعد شركات التكافل على الاستثمار أقل في قطاعات العقارات والأسهم المحفوفة بالمخاطر، والبنوك في إدارة السيولة لديها، والصناديق للحصول على إيرادات ثابتة إلى حد ما وتخصيص صناديق أخرى للمزيد من أدوات تقاسم الأرباح والخسائر. تستطيع البنوك البدء بطرح منتجات التكافل بشكل ممنهج أكثر في حال سن القوانين اللازمة لذلك.

وسيتم إعطاء دفعة للتقدم في حال قام المنظمون بخلق بيئة تنظيمية أكثر دعماً، بينما يقوم المتخصصون في علم الشريعة، ومؤسسات الإقراض متعددة الأطراف، والعاملون في مجال القانون بالعمل معاً للتوصل إلى توحيد المواصفات.

ويمكن للجامعات تقديم التدريب اللازم والمعرفة لإنشاء الجيل الجديد المطلوب من المتخصصين في مجال الصيرفة الإسلامية. أخيراً، يمكن لجميع القطاعات التي تشكل الاقتصاد الإسلامي العمل معاً لتحقيق المزيد من التكامل. على العموم، إن توحد القطاع وتكامله سيحقق نمواً أقوى».

@ albayan 2016

الصفحة 1 من 51

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy