الجمعة, 24 آذار/مارس 2017 15:30

الإسلام والعمل

الإسلام دين العزة، والكرامة، ودين السمو، والارتفاع، ودين الجد، والاجتهاد؛ فليس دين ذلة ومسكنة، ولا دين كسل وخمول ودعة.

ولقد تبوَّأ العملُ قيمةً حضاريةً عاليةً، ونظرة متميزة في الدين الإسلامي؛ فقد رسم له الإسلام منهجًا رائعًا متكاملًا، يقوم على مراعاة التوازن بين حقوق العمال، وحقوق أصحاب العمل على حد سواء.

ويؤكدُ سبقَ الإسلام في الدعوة إلى مراعاة حقوق الإنسان وتكريمه، والرفع من شأنه؛ ليكون عضوًا فاعلًا في هذه الحياة.

ولقد كان نظام العمل من الأمور التي أولتها الحضارة الإسلامية رعاية واهتمامًا، وذلك بمتابعة المستجدات حول هذا النظام، ومواكبتها بالأحكام والضوابط، والحرص على مراعاة احتياجات العامل وصاحب العمل.

وكان من بوادر تنظيم العمل في الإسلام نظرة التكريم للعاملين، والدعوة الصريحة إلى العمل المهني، واعتباره وسيلةً شريفةً ساميةً لكل قادر عليه، وسمةً من سمات المسلمين المنتسبين للعيش في حياة كريمة.

ولقد كانت دعوة الإسلام إلى العمل صريحة قوية، وذلك من خلال ورود تلك الدعوة في كثير من آيات القرآن الكريم والسنة النبوية.

وسيتضح من خلال ما يلي ما يؤكد ذلك.

أولًا: دعوة القرآن الكريم إلى العمل:

لقد تظاهرات الآيات القرآنية المؤكدة على مشروعية العمل، وأهميته، ومدى الحاجة إليه.

ولقد تنوعت دلالة تلك الآيات تنوعًا كثيرًا يؤكد مكانة العمل في الإسلام، وإليك طرفًا مما ورد في القرآن الكريم بشأن العمل.

1- أن تلك الدعوة جاءت بصيغة الحث على المشي في الأرض؛ والضرب فيها، والسعي والانتشار؛ ابتغاء الرزق الحلال: قال الله- تعالى-: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

وقال الله- تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {9} فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة].

وقال- عز وجل-: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10].

وقال- جل وعلا-: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 11].

2- أن القرآن ارتفع بالعمل، والسعي في طلب الرزق إلى مصاف العبادات الكبرى؛ حيث قرنه بالجهاد في سبيل الله، قال- عز وجل- في معرض الثناء على المؤمنين: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].

3- أن القرآن أشاد بعمل اليد، وعده نعمةً يُستوجب شكرها، قال- عز وجل-: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ} [يس: 35].

4- أن القرآن نوَّه بشأن كثير من الصناعات الضرورية للحياة، كما في قول الله- عز وجل-: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25].

وقال ممتنًا على نبيه دواد- عليه السلام-: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ].

والسابغات: هي الدروع، كما في قوله- تعالى- عن داود- عليه السلام-: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80].

وقال- عز وجل- في صناعة الجلود: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [النحل: 80].

وقال في صناعة الأكسية: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل 80].

أي: من أصواف جلود الأنعام، وأوبارها، وأشعارها.

وأشار القرآن إلى اتخاذ البيوت مساكن كما في قوله- تعالى-: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80].

وفي بناء القصور يقول- عز وجل-: {وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف: 74].

وقال آمرًا نوحًا- عليه السلام- بصناعة الفلك: {وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 37].

وقال مثنيًا على خاصة المؤمنين: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ} [النور: 37].

فلم يقل إنهم لا يتاجرون، وإنما ذكر أن التجارة لم تكن تلهيهم عن ذكر الله وإقامة الصلاة.

فهذه الآيات وغيرها كثير تُعَدُّ دعوة إلى العمل، والحث عليه، وتؤكد مشروعية اتخاذ الأسباب، والاكتساب المباح عن طريق العمل على اختلاف أنواعه.

ثانيًا: الدعوة إلى العمل في السنة النبوية:

لقد جاءت السنة القولية والعملية بالدعوة إلى العمل، وإلى تغيير النظرة الخاطئة لدى العرب قبل الإسلام، سواء بالتوجيه المباشر من النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بتطبيق أمور يُخالِف بها مفهومًا شائعًا عند الناس؛ حتى يرى أصحابه ذلك منه، ومن ثم يقتدون به، وينقلون ذلك عنه إلى الناس.

ولقد خَصَّصت معظم كتب السنة أبوابًا عن الكسب والعمل باليد؛ فقد أفرد الإمام البخاري قي كتابه الصحيح بابًا سماه (باب في كسب الرجال، وعمله بيده).

كما وضع ابن ماجة في سننه بابًا (في الحث على المكاسب) وبابًا (في الصناعات) ووضع الدارمي في سننه بابًا سماه (باب في الكسب، وعمل الرجل بيده).

وغيرهم كثير من أصحاب الكتب التي دونت السنة النبوية.

وقد أوردوا تحت هذه الأبواب العديد من الأحاديث التي تحث المسلمين على العمل، واكتساب المال عن طريق بعض الأعمال والحرف.

ومن الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن ما روته أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا عمال أنفسهم، وأنه كان يكون لهم أرواح؛ فقيل لهم: لو اغتسلتم. متفق عليه.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ما كسب الرجل كسبًا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه، وأهله، وولده، وخادمه فهو صدقة». أخرجه ابن ماجة.

وفي مواضع كثيرة بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن العمل من أشرف وسائل الارتزاق، وفي هذا الصدد يقول: «أن خير الكسب كسب يدي عامل إذا نصح». أخرجه أحمد.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحدث كثيرًا إلى أصحابه حديثًا يحبب إليهم العمل، ويحثهم عليه؛ فكان يذكِّر أصحابه بأنه كان يعمل بالرعي، وأن الأنبياء- عليهم السلام-

كانوا يحترفون لأنفسهم؛ للكسب والتعفف عن أموال الناس؛ حيث كان لكل واحد منهم حرفة يعيش بها؛ فكان آدم حراثًا وحائكًا، وكان إدريس خياطًا، وكان نوح وزكريا نجارين، وكان أيوب زراعًا، وكان يونس وشعيب ومحمد- عليهم السلام- رعاة للغنم.

بل يؤكد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ما من نبيٍّ إلا رعى الغنم، وقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة على قراريط». رواه البخاري.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحدث كثيرًا إلى أصحابه حديثًا يحبب إليهم العمل، ويحثهم عليه؛ فكان يذكِّر أصحابه بأنه كان يعمل بالرعي، وأن الأنبياء- عليهم السلام- كانوا يحترفون لأنفسهم؛ للكسب والتعفف عن أموال الناس؛ حيث كان لكل واحد منهم حرفة يعيش بها؛ فكان آدم حراثًا وحائكًا، وكان إدريس خياطًا، وكان نوح وزكريا نجارين، وكان أيوب زراعًا، وكان يونس وشعيب ومحمد- عليهم السلام- رعاة للغنم.

بل يؤكد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ما من نبيٍّ إلا رعى الغنم، وقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة على قراريط». رواه البخاري.

وكان من سيرته -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقوم في بيته بمهنة أهله يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف النعل، ويخدم نفسه، ويَقُمُّ بيته، ويعلف بعيره، ويطحن مع أهله، ويحمل بضاعته من السوق، وينحر ذبائحه إلى غير ذلك من الأعمال التي كان- عليه الصلاة والسلام- يقوم بها؛ تواضعًا منه، وحثًّا لأصحابه، وأمته على العمل، وبيانًا لفضله.

وبالجملة فإن الأحاديث التي تحث على العمل، وتمجِّده، وترفع من شأن العاملين كثيرة جدًا، وكلها توجيه للأمة نحو العمل والكسب الحلال؛ فكان لهذه التوجيهات أبلغ الأثر في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتوجه كثير منهم إلى عمل يعمله، ويتكسب من خلاله.

ولم يكتف الإسلام بالدعوة إلى العمل، والتحفيز إليه، والتذكر بفضله، بل-مع ذلك- حذَّر أشد التحذير من البطالة، والكسل، والقعود، والتواكل، والاستسلام للفقر، واستجداء الناس؛ فكل قادر على العمل مطالب في شريعة الإسلام بأنه يسعى، ويبذل جهده في سبيل طلب الرزق.

ولا ريب أن ذلك مما يرفع من شأن المسلم، ويزرع في نفسه العزة والكرامة، ويجتث منها منابت السقوط والمهانة.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لأن يأخذ أحدكم أحبلا فيأخذ حزمة من حطب فيكف الله به وجهه خير من أن يسأل الناس أعطي أو منع» متفق عليه.

وقال: «ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك» متفق عليه.

وقال: «من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد خيرًا وأوسع من الصبر» متفق عليه.

وقال- عليه الصلاة والسلام-: «من سأل الناس أموالهم تكثرًّا فإنما يسأل جمرًا؛ فليستقل، أو يستكثر» رواه مسلم.

وعن قبيصة بن مخارق الهلالي -رضي الله عنه- قال: «تحمَّلت حَمَالة فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها».

قال: ثم قال: «يا قبيصة إنَّ المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو قال سدادًا من عيش»، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلَّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش «أو قال: سدادًا من عيش. فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سُحتًا» رواه مسلم.

ثم إن الإسلام أرسى القواعد المنظمة للعمل، ونظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وضبط تلك العلاقة بما يسمى في الفقه الإسلامي بالعقد، وجعلها تقوم على أساس قوي من الوضوح، وضمان الحقوق كاملة.

وفي المقابل أكد أهمية التزامه بمجموعة من الواجبات التي تضمن لصاحب العمل حقوقه.

كما ترك الإسلام الحرية التامة للإنسان في اختيار ما يناسبه من أعمال في حدود ما تبيحه الشريعة الإسلامية، وبما يعود على العامل ومجتمعه بالخير العميم.

وفيما يلي ذكر لبعض القواعد المنظمة للعمل في الإسلام على سبيل الإجمال؛ لأن المقام لا يحتمل التفصيل:

أولًا. عقد العمل:

وهذا العقد يشتمل على أركان أربعة وهي: العامل، وصاحب العمل، والعمل المتفق عليه، وأجر ذلك العامل.

ويمكن أن يشار هنا إلى أبرز الأمور التي يجب أن يشتمل عليها عقد العمل فيما يأتي:

1- بيان نوع العمل: وهو أمر جوهري في تمام العقد، فالإجارة على المجهول فاسدة.

2- بيان المدة أو الزمن المشروط لإنفاذ العمل: وهو أمر مهم في تمام العقد، وعدمه يؤدي إلى التنازع في الغالب.

3- بيان الأجر: وهو من أهم الأمور التي ينشدها العامل في إقدامه على العمل، وهو حق شرعي ثابت له فلا بد من اشتمال العقد على الأجر المتفق عليه.

ثانيًا: حقوق العمال وواجباتهم:

1- حقوق العمال:

ويمكن إجمال أبرز تلك الحقوق بما يلي:

أ- استيفاء الأجر: وهو إعطاء كل ذي حق حقه بعد أدائه ما كلف به.

ب- مراعاة كرامة العامل، وعدم تكليفه ما لا يطيق.

ج- تأمينه من إصابات العمل، وتعويضه عن الضرر، ويمكن أن يلحق بذلك الاهتمام بصحة العامل، وغذائه، ومسكنه.

ولا ريب أن هذه الحقوق التي قررها الإسلام للعمال هي موضع أمان، واطمئنان لهم، وحفز لمزيد من العطاء والجد.

2- واجبات العمال:

في مقابل الحقوق التي ضمنها الإسلام للعاملين أكد أهمية التزام هؤلاء بمجموعة من الواجبات التي من أهمها ما يلي:

أ. الإخلاص في العمل، والأمانة، ومراقبة الله- عز وجل-.

فإذا كان صاحب العمل مسئولًا فإن العامل مؤتمن ومسئول أمام الله القائل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].

والقائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].

ب. الإتقان، والقيام بالعمل وفق ما هو متفق عليه.

ويتأتى ذلك بإحكام العمل، وإجادته دون إهمال أو تقصير.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، أخرجه البيهقي، والطبراني، وأبو يعلى.

ومن إتقان العمل حسن رعايته، والشعور بالمسؤولية تجاه ما يوكل إليه من عمل.

ج. حفظ أسرار المهنة، والحرص على مصلحة من ائتمنه من أسرار، والحذر من إفشاء سر من أسراره.

د. أن يقنع بالأجر الذي تم الاتفاق عليه مع صاحب العمل دون مساس بمال صاحب العمل.

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فغلول» أخرجه أبو داود.

ثالثًا: تحريم العمل غير المشروع:

فهذا هو أحد القواعد في العمل في الإسلام؛ فإذا كان الإسلام يحفز على العمل، ويدفع الناس إليه حتى يعيشوا أعزة كرماء- فإنه ينأى بهم عن الأعمال المحرمة، قال الله- عز وجل-: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].

ومعنى ذلك أنه لا يجوز للمسلم أن يعمل أي عمل يعده الشرع معصية.

كما أن الإسلام حرم على الإنسان أي عمل يجلب الضرر على الإنسان نفسه، أو على مجتمعه.

فهذا شيء من موقف الإسلام من العمل.

@ fiqh.islammessage 2017

بالرغم من اعتراف العديد من الجهات العالمية مثل البنك الدولي بقطاع التمويل الإسلامي كأحد المكونات الرئيسية في الصناعة المصرفية العالمية، وتصريح صندوق النقد الدولي عزمه ضم خدمات الصيرفة الإسلامية إلى إطار رقابته، والحديث المتكرر منذ نهاية الأزمة المالية العالمية الأخيرة عن دوره في تعزيز استقرار القطاع المالي العالمي، وحديث الخبراء عن ارتفاع شفافية تعاملاته وانخفاض مخاطره بالمقارنة مع التمويل التقليدي، وحتى أن الأزمة المالية كان يمكن تجنبها من خلال تبني التمويل الإسلامي الذي يمول الاقتصاد الحقيقي.

إلا أن أداء قطاع الصيرفة الإسلامية – حتى في الدول الست التي تستحوذ على 80 % من الأصول المصرفية الإسلامية ما يزال غير متناسب مع الطموحات والفرص، ناهيك عن أن يكون «نظام مالي عالمي بديل».

أسباب

وحول أسباب عدم استقرار أداء قطاع الصيرفة الإسلامية، والأمور التي ما يفتقدها القطاع، والفرص الواجب استغلالها لدفع عجلة نمو القطاع، يقول محمد دمق الرئيس العالمي للتمويل الإسلامي في وكالة «ستاندرد آند بورز لخدمات التصنيف الائتماني» في تصريحات خاصة للبيان الاقتصادي: «لقد حقق قطاع الصيرفة الإسلامية نمواً قوياً في العقود الماضية وقد استقطب اهتماماً كبيراً.

وبالرغم من ذلك، وفي ظل تراجع البيئة الاقتصادية الداعمة في بعض أسواقه الرئيسية، شهد هذا القطاع تباطؤاً في النمو. وفي ظل الظروف التشغيلية الحالية، نرى بأنه أمام القطاع بعض الفرص لتحقيق نمو في المستقبل. ولكن ذلك يتطلب عدد من المتطلبات الأساسية.

تكمن الفرصة الأولى في الارتباط الطبيعي بين مبادئ التمويل الإسلامي وبعض أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. نرى بأن كلاهما يهدفان إلى تحقيق تمويل يتسم بالمزيد من المسؤولية والإنصاف وموجهاً نحو الاقتصاد الحقيقي.

إن مشاركة مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف بشكل أكبر في الصيرفة الإسلامية من خلال إصدار الصكوك وطرح منتجات الصيرفة الإسلامية، من جهة، والتطبيق الأكثر صرامة لمبدأ تقاسم الربح والخسارة، من جهة أخرى، يمكن أن يخلق بعض فرص النمو المستقبلية.

أما الفرصة الثانية فتكمن في مشاركة بعض مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف بشكل أكبر في تحقيق توحيد أكبر للمواصفات في الهياكل القانونية وتفسير أحكام الشريعة. يرى بعض مراقبي السوق أن الجدل الدائر حول توحيد المواصفات أصبح من الماضي. ونحن نرى بأن هذه الخطوة لا تزال بالغة الأهمية، ونرى أيضاً بأن هذا الجدل مهم لإعادة القطاع إلى مسار النمو القوي.

وتهدف مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف إلى إطلاع السوق على كيفية توحيد المواصفات من خلال تطبيق الهياكل القياسية، أو توحيد الوثائق، أو الخطوات الواجب على المُصدرين اتباعها لجعل عملية إصدار الصكوك أسهل وأكثر كفاءة.

ونعتقد أيضاً بأنه في حال توحيد المواصفات، سيحظى أصحاب المصلحة بمزيد من الوقت لتعزيز الابتكار ولابتداع أدوات جديدة في قطاع التمويل الإسلامي، مما سيسهم في تعزيز النمو. وتكمن الفرصة الثالثة في تعزيز توحيد القطاع للانتقال به من وضعه الحالي كمجموعة من القطاعات الصغيرة إلى قطاع عالمي حقيقي».

نجاحات

ويضيف دمق: «هناك العديد من قصص النجاح في مجال الصيرفة الإسلامية. وبإمكان العملاء الجدد الاطلاع على النجاحات السابقة التي حققها المشاركون في السوق كمحفز. على سبيل المثال، يمكن لبعض مُصْدري الصكوك الاستفادة من التجربة الماليزية، حيث أن سلاسة عملية إصدار الصكوك لديها بنفس درجة إصدار السندات، على حد فهمنا.

ويمكن إيجاد أمثلة أخرى في عمليات الاستحواذ الخارجية، والتي قد تساعد القطاع على توحيد تفسير أحكام الشريعة بهذا الشأن. رأينا ذلك مسبقاً في العديد من عمليات الاستحواذ التي قامت بها بنوك خليجية في تركيا، على سبيل المثال. يحتاج القطاع أيضاً للمزيد من التكامل، من وجهة نظرنا.

على سبيل المثال، إصدار المزيد من الصكوك يمكن أن يساعد شركات التكافل على الاستثمار أقل في قطاعات العقارات والأسهم المحفوفة بالمخاطر، والبنوك في إدارة السيولة لديها، والصناديق للحصول على إيرادات ثابتة إلى حد ما وتخصيص صناديق أخرى للمزيد من أدوات تقاسم الأرباح والخسائر. تستطيع البنوك البدء بطرح منتجات التكافل بشكل ممنهج أكثر في حال سن القوانين اللازمة لذلك.

وسيتم إعطاء دفعة للتقدم في حال قام المنظمون بخلق بيئة تنظيمية أكثر دعماً، بينما يقوم المتخصصون في علم الشريعة، ومؤسسات الإقراض متعددة الأطراف، والعاملون في مجال القانون بالعمل معاً للتوصل إلى توحيد المواصفات.

ويمكن للجامعات تقديم التدريب اللازم والمعرفة لإنشاء الجيل الجديد المطلوب من المتخصصين في مجال الصيرفة الإسلامية. أخيراً، يمكن لجميع القطاعات التي تشكل الاقتصاد الإسلامي العمل معاً لتحقيق المزيد من التكامل. على العموم، إن توحد القطاع وتكامله سيحقق نمواً أقوى».

@ albayan 2016

الجمعة, 03 آذار/مارس 2017 07:00

المؤسسات الدولية والتمويل الإسلامي

أعلن صندوق النقد الدولي في 21 شباط/ فبراير 2017 عن عقد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي أولى مناقشاته الرسمية حول الصيرفة الإسلامية في 3 شباط/ فبراير 2017، واعتمد مجموعة من المقترحات حول الدور الذي ينبغي أن يؤديه الصندوق في هذا المجال.

وتأتي هذه المقترحات ودواعي اعتمادها ضمن تقرير أعده خبراء الصندوق بعنوان "ضمان الاستقرار المالي في البلدان التي تُمارَس فيها الصيرفة الإسلامية" والدراسة المصاحبة التي تضم دراسات حالة قُطْرِية. وقد جاء في مقدمة هذه الاقتراحات تعزيز مشاركة الصندوق في معالجة قضايا الصيرفة الإسلامية والانعكاسات ذات الصلة على الاستقرار المالي، وأبرزت تلك المقترحات أهمية الحاجة لإرساء بيئة تشجع الاستقرار المالي في سياق الصيرفة الإسلامية وتدعم تطورها بصورة سليمة، وهو ما يشمل وضع أطر قانونية واحترازية وأطر لشبكات الأمان المالي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإدارة السيولة.

ويعد اجتماع المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بذات الخصوص اجتماعا هاما ومتقدما نحو الصيرفة الإسلامية، بعد أن اقتصر دور الصندوق لنحو عشرين عاما على تقديم المشورة الفنية للبلدان الأعضاء بشأن قضايا الصيرفة الإسلامية حسب الحاجة، والتعاون مع المؤسسات الإسلامية المهتمة بوضع معايير للعمل المصرفي والمالي الإسلامي كهيئة المحاسبة والمراجعة بالبحرين وغيرها، وممارسات الصندوق الرقابية وما ارتبط بذلك من توسع مشورة الصندوق بشأن السياسات وتنمية القدرات لذلك النشاط دوليا في إطار توسعه وزيادة الطلب عليه.

وقد كشفت بيانات صندوق النقد الدولي عن أن أصول المصارف الإسلامية وصلت إلي 1.5 تريليون دولار علي مستوى العالم، في العام 2016م، وهي تمثل نسبة ضئيلة من الأصول المالية العالمية، وقد بلغ عدد الدول التي تمارس فيها الصيرفة الإسلامية 60 بلدا، منها 14 بلدا في الشرق الأوسط وآسيا تمثل فيها اصول الصيرفة الإسلامية أكثر من 15? من مجموع الأصول.

وفي ذات الاتجاه وفي نفس اليوم 21 شباط/ فبراير 2017 الإسلامي أصدرت مجموعة البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية أول تقرير عالمي عن التمويل الإسلامي وقد تناول التقرير آفاق صناعة التمويل الإسلامي العالمي والإمكانيات التي يمتلكها للمساعدة في الحد من التفاوت في مستويات الدخل في جميع أنحاء العالم، وتعزيز الرخاء المشترك، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وقدم التقرير، الذي صدر بعنوان فرعي "حافز لتحقيق الرخاء المشترك" عرضا عاما عن اتجاهات التمويل الإسلامي، وحدد التحديات الرئيسة التي تعوق نمو هذه الصناعة، ووصي بإجراءات تدخلية على صعيد السياسات للاستفادة من التمويل الإسلامي بغية تشجيع الرخاء المشترك.

وقد كشف هذا التقرير عن قدرة التمويل الإسلامي على زيادة استقرار القطاع المالي، وجذب للنظام المالي الرسمي أناسا مستبعدين منه حاليا لأسباب ثقافية أو دينية. كما أشار التقرير إلى أنه خلافا للتمويل التقليدي، يقوم التمويل الإسلامي على التمويل الذي يشارك في تحمل المخاطر والتمويل بضمان الأصول. وبإسناد الملكية المباشرة إلى الأفراد في القطاع الحقيقي من الاقتصاد، فإنه يقلص عزوفهم عن المخاطر.

كما تطرق التقرير كذلك إلى إن نقطة بالغة الأهمية حيث ذكر أن صناعة التمويل الإسلامي في حاجة إلى التوسع خارج نطاق المعاملات البنكية التي تهيمن حاليا على التمويل الإسلامي وتشكل أكثر من ثلاثة أرباع مكونات هذه الصناعة. وفي الوقت نفسه أوصى التقرير بتوفير مناخ تنظيمي وإشرافي ملائم يتصدى لمخاطر النظام المالي بين البلدان المختلفة؛ وطرح منتجات وخدمات مبتكرة للمشاركة في تحمل المخاطر، بدلا من محاكاة المنتجات التقليدية التي تلقي بالمخاطر على أطراف أخرى؛ وتوحيد قواعد وأحكام الشريعة المتعلقة بالتمويل الإسلامي في جميع البلاد؛ وتعزيز سبل الحصول على التمويل الإسلامي؛ وتدعيم رأس المال البشري للتمويل الإسلامي والتوعية به. كما دعا التقرير لتدعيم التنمية من خلال أسواق رأس المال الإسلامي لقدرتها على أن توفر الفرص لبناء الأصول، من خلال التمويل القائم على أسهم رأس المال والأصول مبرزا أهمية أسواق الصكوك لاسيما الصكوك السيادية لتمويل البنية الأساسية وتشجيع ريادة الأعمال.

كما لم يغفل التقرير أهمية المؤسسات المالية غير البنكية مطالبا واضعي السياسات بأن يعطوا الأولوية لتطوير تلك المؤسسات التي تعاني حاليا من عدم التطور وعدم الاستغلال الكامل كالتأمين التكافلي. وأشار التقرير كذلك إلى أن استخدام التمويل الاجتماعي الإسلامي يمكن أن يخفف حدة الفقر ويخلق شبكة أمان اجتماعي لمن يعيشون في فقر مدقع، وأوصي التقرير بإنشاء نظم حوكمة لدعم العمل المنظم لقطاع التمويل الاجتماعي الإسلامي.

ورغم تحفظنا على سياسة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في استعمار الدول من خلال القروض، ولكن المحلل لمجمل تلك التقارير يجد تشخيصا واقعيا لما عليه العمل المصرفي والمالي الإسلامي واعترافا بقيمته والدعوة لتطويره بما يحقق مقاصد ذلك التمويل بعيدا عن الركون للتقليد للتمويل التقليدي والوقوع في دائرة الحيل المفضية للحرام أو ما يمكن تسميته بالهندسة المالية الشيطانية.

كما أن الدعوة للتوسع خارج نطاق المعاملات البنكية هو شيء محمود ومطلوب. كما أن الدعوة كذلك للاهتمام بالتمويل الخيري هو إقرار بأهمية دور العمل الخيري في معالجة أزمات الأمة من فقر وجهل ومرض. فبقدر الاهتمام بالأنشطة الربحية ينبغي الاهتمام أيضا بالأنشطة غير الربحية فهي عامل تنشيط وتحفيز للاقتصاد فضلا عن أبعادها الاجتماعية الفعالة.

إن من عظمة النظام الاقتصادي الإسلامي أنه يملك من وسائل التمويل المتنوعة والمتجددة من التمويل الخيري والتمويل بالمعاوضة والتمويل بالمشاركة ما لا يوجد في غيره، وهو ما يوسع من مساحة الحركة التمويلية، ويلبي متطلبات الأنشطة والقطاعات الاقتصادية والخيرية. كما أن التمويل الإسلامي لا مكان فيه للشريك النائم ولا ضمان العائد بل قوامه المشاركة في الغنم بالغرم، والعائد بالمخاطرة، وهو ما يصب في نهاية المطاف في تحقيق العدل بين الأطراف، وحسن تخصيص الموارد في المجتمعات.
@ arabi21 2017

المنامة، البحرين (CNN) -- شهادة دولية أخرى تحظى بها الصيرفة الإسلامية على تعاظم أهميتها ودورها في التنمية المستدامة، ونعني بها قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي الذي أعلنه الأسبوع الماضي بشمول الصيرفة الإسلامية ضمن إطاره الرقابي لما بات لهذه الصناعة من أهمية في الاستقرار المالي في الدول التي تمارس فيها. كما إننا نعتبر هذا القرار امتدادا لاعتماد قمة مجموعة العشرين التمويل الإسلامي في تحقيق التنمية المستدامة على مستوى العالم.

وصحيح أن الصيرفة الإسلامية لا تزال تمثل نسبة ضئيلة من الأصول المالية العالمية، إلا أنها موجودة في أكثر من 60 بلدا بأصول ناهزت 1.5 تريليون دولار وأصبحت ذات أهمية نظامية في 14 منها (15% وأكثر من الأصول المصرفية). لذلك ونظرا للتنامي السريع للصيرفة الإسلامية من حيث الحجم والطابع المعقد، فإنها باتت تساهم مساهمة رئيسية في الشمول المالي والتنمية المستدامة، ومن ثم بات لزاما على السلطات الرقابية والبنوك المركزية أن تهتم بصورة أكبر بدراسة وتصميم دور الصيرفة الإسلامية في الاستقرار المالي.

وابتداء يمكن الإشارة إلى إن التفاتة صندوق النقد الدولي إلى الصيرفة الإسلامية ودورها في الاستقرار المالي جاءت متأخرة نوعا ما. فمنذ تفجر الأزمة المالية العالمية عام 2008، كتبنا عدة مقالات أشرنا فيها إلى ظاهرة صمود الصيرفة الإسلامية بوجه الأزمة في مقابل انهيار العشرات من البنوك التقليدية وذلك نظرا للاختلاف الكبير في منهجية وأساسيات عملهما، كذلك طبيعة الأنشطة والممارسات التي يزاولانها. وهذه الظاهرة تقود مباشرة للاستنتاج بقدرة الصيرفة الإسلامية على حماية الاستقرار المالي العالمي بصورة تفوق قدرة البنوك التقليدية، التي وعلى العكس، زاولت أنشطة وتاجرت في منتجات أثبتت أنها تمثل أكبر خطر على الاستقرار المالي.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى جاءت التفاتة الصندوق متأخرة لأن المؤسسات المالية المعنية بالصيرفة الإسلامية مثل الأيوفي ومجلس الخدمات المالية الإسلامية والمجلس العام للبنوك الإسلامية والبنك الإسلامي للتنمية وبالتعاون مع البنوك المركزية العربية والإسلامية عملت ومنذ سنوات طويلة على ترشيد وتعزيز دور الصيرفة الإسلامية في الاستقرار المالي في الدول التي تمارس فيها، وشهدنا تطوير الكثير من الأدوات المالية الإسلامية التي باتت جزءاً من أدوات الاستقرار المالي التي تمارسها البنوك المركزية من خلال نوافذ السيولة الإسلامية مع البنوك المحلية في هذه الدول. كما التزمت البنوك المركزية بتطبيق كافة الأدوات الاحترازية التي أوصت بها لجنة "بازل" فيما يخص الاستقرار المالي على البنوك الإسلامية مثل نسبة كفاية رأس المال، ومخصصات القروض، ونسبة الديون إلى رأس المال، ومتطلب الاحتياطي، والحد الأقصى للتمويل، ونسبة الدين إلى الدخل، ونسبة القروض إلى الودائع، ومتطلبات السيولة، إضافة إلى حجم الانكشاف على العميل الواحد وغيرها من الأدوات. وتوضح البيانات إن البنوك الإسلامية متفوقة في الالتزام بهذه الأدوات بالمقارنة مع نظيراتها التقليدية.

إن الاستقرار المالي بمفهومه العام يشمل كافة مكونات النظام المالي من مؤسسات مالية (مصارف وشركات تأمين وصناديق استثمار ..إلخ) وأسواق مالية، علاوة على البنية التحتية والسياسات والتشريعات وغيرها. وبقدر تعلق الأمر بعلاقة البنوك الإسلامية بهذه المكونات يمكننا أن نلاحظ أولا إن الصيرفة الإسلامية أكثر استقرارا لأنها تستند على مجموعة من الضوابط مثل مشاركة المدخرين (المستثمرين) والمساهمين (المالكين) في المخاطرة لتجنب الأزمات ومنع المتاجرة في المشتقات المالية وارتباط التدفقات النقدية بالتدفقات السلعية والخدمية الناتجة عن اقتصاد حقيقي بما يحقق زيادات متوازنة للعرض والطلب، كذلك منع بيع ما لا يملك وتحريم أية عقود تقوم على الربا والغرر مما يحقق تخفيض تجنب الأسواق للمجازفات والمضاربات العبثية.

وثانيا المنتجات المالية الإسلامية تجمع بين المصداقية الشرعية والكفاءة الاقتصادية بحيث تكون قادرة على تلبية احتياجات اقتصادية حقيقية لأفراد ومؤسسات المجتمع وليس المضاربات الوهمية التي تخلق عدم الاستقرار. وتشمل المنتجات المصرفية الإسلامية التمويل التشاركي ويشمل صيغا منها المشاركة والمضاربة، والتمويل التجاري ويشمل صيغا منها المرابحة والسلم، والتمويل التأجيري ويشمل صيغا منها الاستصناع والإجارة وغيرها من الصيغ.

وثالثا تخضع عمليات التمويل والاستثمار في المؤسسات المالية الإسلامية لمجموعة من الضوابط التي من شأنها أن تجعلها أكثر كفاءة وفعالية من حيث صلتها بالاستقرار المالي مثل إطار السلامة الشرعية وأن تكون مسئولة اجتماعيا، إلى جانب سلامتها من الناحية المالية والاقتصادية.

على أية حال نحن نعلم أن البحث في طبيعة وهياكل منتجات التمويلية والاستثمارية الإسلامية وعلاقة هذه الطبيعة والهياكل بالتأثير سلبا أو إيجابا على الاستقرار المالي هو موضوع شائك وليس مكانه في هذه المقالة، وهو بالفعل بحاجة للمزيد من البحث والتحليل والتأطير للوصول إلى تصميم سياسات وإطر تنظيمية ومنتجات تحقق دور أكبر للصيرفة الإسلامية في الاستقرار المالي. ولا شك أن دور صندوق النقد الدولي سوف يكون فاعلاً ومكملاً للأدوار التي تقوم بها المؤسسات المالية الإسلامية المتخصصة والبنوك المركزية.

لئن ظهر مفهوم الصيرفة الإسلامية أو المالية الإسلامية منذ سبعينات القرن الماضي، إلا أن توسعه وتحوله إلى قضية اقتصادية وسياسية وحتى دينية، حقيقية عرف أوجه في السنوات الأخيرة، وتعزز مع ثورات الربيع العربي التي أفرزت صعود تيارات إسلامية إلى السلطة في أقطار عربية شتى.

ظهور البنوك الإسلامية، في السبعينات كان محدودا وكان في البداية مجرد اقتران للمؤسسة بانتمائها الإسلامي، أكثر من كونه مؤسسة تقدم "منتوجا إسلاميا" أي منضبطا لمقتضيات الشريعة الإسلامية. إضافة كلمة إسلامي إلى البنك (على غرار البنوك التي دشنت تلك المرحلة من قبيل بنك فيصل الإسلامي والبنك الإسلامي الأردني والبنك الإسلامي الفلسطيني) لم تكن محيلة بالضرورة إلى "إسلاميته" بل كانت تشير إلى انتمائه إلى الفضاء العربي الإسلامي.

إضافة كلمة إسلامي إلى المالية توحي بأن الخدمات المصرفية المسداة لا تخالف الشريعة، لكنها لا تعني أن الخدمة تخلو من الهدف الربحي الذي قد يتوحش ويدوس على مبادئ العدالة وحقوق الفقراء. يمكن أن نضيف كلمة إسلامي إلى مطعم أو منشأة تجارية، لكن ذلك لا يعني أنها تحولت إلى مؤسسة غير ربحية أو أنها أعطت عامل الربح أهمية اقل من الأهداف الأخرى. جانب الربح قائم دائما لدى البنوك الإسلامية وإن اتخذ مفاهيم أخرى تختلف مع المفاهيم الاقتصادية الرائجة. جدير بالتنويه هنا أننا إزاء قضية يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي بالفقهي، بل هو ضرب من ضروب الاقتصاد السياسي باعتباره من العلوم الاجتماعية التي تدرس نشاط الإنسان في المجتمع بقدر ما له علاقة بحصوله على الأموال والسلع والخدمات.

في تأصيل الصيرفة الإسلامية في السنوات الأخيرة تقديم لها بأنها حل لمعضلات الاقتصاد، والحل المقدم إسلامي أي أنه حل يصر الداعون إليه على أنه تصور لا يتعارض مع مقتضيات الشريعة. هنا أصبح الأمر بمثابة مقولة يتداخل فيها الاقتصادي بالديني، ولهذا نفهم الدفاع الذي تبديه تيارات إسلامية عن هذا المتصور الاقتصادي بوصفه حلا وإسلاميا في آن. على أن في الأمر مستويات أخرى يبديها الرافضون للصيرفة الإسلامية، التي تعتبرها القراءات الرافضة "رأسمالية متدينة"، باعتبار أن المالية الإسلامية لا تقطع مع الضوابط الرأسمالية بل تكتفي بأن تضفي عليها مفاهيم المدونة الاقتصادية الإسلامية.

مفاهيم مثل المرابحة والإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك والإجارة الموصوفة بالذمة والاستصناع والمضاربة والمشاركة والقرض الحسن وغيرها، هي مفاهيم تروج مؤخرا في المدونة الاقتصادية للمالية الإسلامية، ولكن فحص معانيها يفيد بأنها لا تختلف عن المفاهيم البنكية في المالية التقليدية، وبذلك فإنها لا تختلف من حيث وقعها على المستهلك عما تقدمه البنوك التقليدية، وحتى ما يروّج عن تفادي "الربا" فإنها مقولات فاقدة للوجاهة سواء من حيث تأكيد بعض الفقهاء المسلمين على أنه "لا حرمة في معظم معاملات البنوك التقليدية وأنه يحل للمسلم أخذ فائدة عن المبالغ التي يودعها في البنك وكذلك الاقتراض من البنك لغرض إقامة المشاريع أو شراء العقارات والسيارات"، على حد تعبير شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي، أو من حيث أن البنوك الإسلامية تقدم منتوجات لا تخلو من المعاملات الربوية وإن قدمت ما يفيد خلاف ذلك مفاهيم.

النقد الموجه للمالية الإسلامية لا يفترض أن ينطلق فقط من المدونة الدينية، بل تفضل أغلب القراءات إخضاعه للنقد من زاوية المفاهيم الاقتصادية، ومقارعته بالأرقام والحسابات والجدوى، وهي الميادين التي تدعي المالية الإسلامية أنها تصدت لتحقيقها. هنا يجوز الربط بين الأزمة المالية العالمية التي عرفت أوجها ابتداء من العام 2008، وبين ارتفاع رواج المالية الإسلامية، إذ عدّ البعض أن الأزمة المالية العالمية وفرت فرصة سانحة للداعين إلى هذا المنتوج الديني، لتقديم تصورهم باعتباره حلا جذريا لمسألة التمويل، وتسويقه على أنه حل يقيم الدليل على أن الإسلام يوفر الحل الاقتصادي الناجع و"الحلال" في آن.

قضية المالية الإسلامية، ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي مسألة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والدينية، ولذلك فإن دراستها أو إخضاعها للنقد يجب أن يراعي كل هذا التداخل. ولهذه الأسباب أيضا تختلف المواقف من هذه الظاهرة، بما يعكس الانتماءات وبما يؤكد أنها قضية مستمرة في إثارة السجال.

@ alarab 2017

الجمعة, 10 شباط/فبراير 2017 16:31

خديعة اقتصادية بنسخة دينية

الخدمات التي تقدمها البنوك الإسلامية لا تختلف عن نظيرتها التقليدية ألا وهي التعامل بالعملات حيث أنها لا تراعي شرط المقايضة عند إتمام عملية البيع بين عملتين.

مهما كان النظام الاقتصادي المعمول به ناجحا فلا بد من أن تكون هناك عيوب باعتبار أن كل شيء نسبي، فالرأسمالية رغم كونها النظام الاقتصادي الشائع في معظم دول العالم، إلا أن هذا لا يعني أنها كاملة. وكذا الأمر ينطبق على الصيرفة الإسلامية التي من خلالها يحاول مروجوها إظهار أنها البديل للرأسمالية المتوحشة والاشتراكية الفاشلة عبر محاربة المعاملات الربوية وعدم السعي إلى الربح الفاحش.

ولفهم أعمق لواقع المالية الإسلامية، وجب التنويه إلى أنه لم يُعرف تاريخيا أي نظام اقتصادي في العالم مبني على أساس جغرافي أو ديني أو عرقي، فالاشتراكية، تحمل المبادئ نفسها منذ ظهورها، على اختلاف مدارسها، رغم الجدل القائم بينها والرأسمالية حول المساواة الاقتصادية ودور الدولة في إدارة الأموال.

ثمة غموض لدى الكثيرين حول دور المالية الإسلامية في النظام الاقتصادي لدولة ما. إذ أن نجاح إدارة السيولة في البنوك الإسلامية يتطلب توفير أدوات مالية ذات فعالية عالية تجمع بين الربحية والتنويع والاستجابة لمختلف آجال الاستحقاق، لكن تلك الأدوات تبدو مفقودة، وحتى الصكوك التي تصدرها بفوائد تفاضلية لا تجني من ورائها أرباحا معقولة.

هناك دلالات كثيرة يمكن من خلالها فهم فشل تطبيق الأطروحات الإسلامية من خلال البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية. فالاقتصاد الإسلامي لا يمكن اعتباره اقتصادا بالمفهوم العلمي لعدة أسباب. فهو لا يحدد قواعد ثابتة لعملية الإنتاج ووسائلها وكيفية إدارتها. كما أنه لا يحدد حقوق الموظفين بشكل واضح، علاوة على عدم تحديده لمفاهيم أساسية مثل دورة رأس المال في النشاط الاقتصادي للدولة.هنا، يمكن الإشارة إلى تباين المواقف حول أداء البنوك الإسلامية في الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وكذلك الموقف من الطرح الاقتصادي الإسلامي برمته كبديل للرأسمالية، حيث يرى العديد من المختصين وخبراء الاقتصاد أن هذا المنحى مرفوض بشكل قطعي وأن الدين ينبغي عدم الزج به في المجال الاقتصادي بتاتا. ولهم تبريراتهم في ذلك.

ويستدل هؤلاء بفشل محاولة الزج بالدين في الاقتصاد بما حدث في دول تعتمد هذا النظام مثل مصر، التي تُعدُّ أول الدول العربية التي تعاملت بهذا النظام، ودول كثيرة غيرها، من خلال سوء إدارة شركات توظيف الأموال المعروفة بشركات الإيجار المالي، لمدخرات المساهمين.

ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، فلو نظرنا إلى الخدمات التي تقدمها البنوك الإسلامية لوجدنا أنها تشتمل على المضاربة، وهذا يعني أن تلك البنوك تستخدم أموال المساهمين للمضاربة في البورصة. ومن المعروف أن هذه الطريقة مشمولة بالربح والخسارة لذلك لا تعتمد البنوك الإسلامية استراتيجية واضحة لإدارة المخاطر المنجرة عن المتاجرة بالعملة.

هناك خدمة أخرى تقدمها البنوك الإسلامية لا تختلف عن نظيرتها التقليدية ألا وهي التعامل بالعملات، حيث أنها لا تراعي شرط المقايضة عند إتمام عملية البيع بين عملتين ما، بل تأخذ نسبة فائدة عن الخدمة. وبالتالي تقع في "ربا النسيئة"، ولكنها لا تعترف بذلك بادّعائها أن ما تقوم به هو فقط، تقاضي أجرة الخدمة. وما يفند تلك المزاعم هو أن تلك الفائدة تساوي نسبة الفائدة لدى البنوك التقليدية، وهذا يعني أن سعر صرف أي عملة عالمية رئيسية متداولة لا يختلف بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية.

ومن المعلوم أن السيولة النقدية تعتبر مشكلة لدى البنوك التقليدية عادة، ولكنها تظهر بوضوح في حالة البنوك الإسلامية التي لا تتعامل بنظام الفوائد، مع أنها تستثمر أموالها في مشاريع اقتصادية تقوم على المشاركة في الربح والخسارة أو ما يطلق عليه المرابحة. وهذا يجعلها تجد صعوبة في تحويل فائض الأموال من بنك إلى آخر ويبعدها عن المنافسة في السوق.

إن نجاح المالية الإسلامية ونموها الجامح في العالم في السنوات الأخيرة لا يعنيان أنها البديل الأمثل.

فمفهوم التكافل الاجتماعي أيضا يعد من أبرز ميزات المالية الإسلامية مع أن تطبيقه ليس حكرا على الدول الإسلامية بعينها، كما يدعي رجال الدين لأن فلسفة المدنية المعاصرة ترتكز بالأساس على المساواة ومكافحة الفقر، وتدعو الأنظمة السياسية مهما تنوعت، إلى توفير حياة كريمة لشعوبها وإذابة الطبقية بين شرائح المجتمع. التجارب تثبت أن الصيرفة الإسلامية تعتريها نواقص.

@ alarab 2016

الصفحة 1 من 51

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy