جدبد

أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2015 خطة التنمية المستدامة لعام 2030، المكونة من 17 هدفاً للتنمية المستدامة و169 هدفاً مستداماً قابلاً للقياس وركزت على 5 دعامات: الناس، والكوكب، والرخاء، والسلام، والشراكة. كما شددت الأمم المتحدة على أن السّعي من أجل تحقيق التنمية المستدامة سيتطلب إعادة إحياء الشراكة العالمية بين جميع أصحاب المصلحة.

(تحليل كتبه: د محمد دمق، الرئيس العالمي للتمويل الإسلامي، وكالة إس آند بي جلوبال للتصنيفات الإئتمانية).

وفقاً لرأي وكالة «إس آند بي جلوبال للتصنيفات الائتمانية» يمكن للصيرفة الإسلامية أن تؤدي دوراً – متواضعاً على الأقل – في تحقيق بعض أهداف التنمية المستدامة، لاسيما الأهداف التي تتماشى مع المبادئ الأساسية للصيرفة الإسلامية.
وتُفسّر بعض الصكوك التي أصدرتها مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف خلال السنوات الماضية هذه النقطة بالرغم من أن الحجم الإجمالي يبقى صغيراً مقارنةً بإصدارات سندات الدين التقليدية لمؤسسات الإقراض متعددة الأطراف.
مع ذلك، سيظل قطاع الصيرفة الإسلامية على الأرجح مساهماً متواضعاً نظراً لصغر حجم القطاع والقضايا التي لا يزال يتعين عليه حلها لإطلاق إمكاناته العالمية.

مبادئ ومنتجات الصيرفة الإسلامية تتوافق مع بعض أهداف التنمية المستدامة
تحتاج المؤسسة أو المعاملة المالية لكي تكون متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية إلى الالتزام بتعاليم القرآن الكريم التي تُحرِّم الربا وعدم اليقين. ربما يكون تحريم الربا من أشهر مبادئ الصيرفة الإسلامية. وبحسب المنهج الفقهي، تم تعريف الربا على أنها فائدة أو فائدة مفرطة تؤدي إلى العبودية.
ووفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية لا يعتبر المال أصلاً بحد ذاته، لأنه أداة غير ملموسة؛ وبالتالي، لا يمكنه أن يكسب عائداً فقط بمجرد مرور الوقت. بدلاً من ذلك، يمكن جني العائد من أنشطة تحمل مخاطر، طالما يتم تقاسم الخسائر والمكاسب بين البنك وعملائه. وبالرغم من عدم التطبيق الكلي والسليم لمبدأ تقاسم الربح والخسارة في الماضي، نعتقد بأن القطاع يتجه ببطء نحو ذلك.

كما تُحرّم الشريعة الإسلامية عدم اليقين في التسديد، أو المقامرة، أو الغرر، وتحث على السلوك المسؤول. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون المعاملات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية مدعومة بأصول ملموسة ومحددة تعزز العلاقة بين القطاع المالي والاقتصاد الحقيقي.
وأخيراً، تَحظُر الصيرفة الإسلامية الاستثمار في أو التعامل مع القطاعات المُحرّمة وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية: لاسيما الكحول والخمر، والتبغ، والأسلحة، أو المنتجات التي تحتوي على لحم الخنزير. والهدف المطلق لهذه المبادئ هو وضع نظام مالي مستدام، وعادل، ومسؤول اجتماعياً.
وبالاطلاع على أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة ومبادئ الصيرفة الإسلامية، نرى بأن هناك بعض التشابه بينهما.
على سبيل المثال، المبدأ الذي يشترط وجود أصول أساسية في كل معاملة في مجال الصيرفة الإسلامية يجعل الصيرفة الإسلامية مناسبة لتمويل مشاريع البنية التحتية، وهذا جزء من أهداف التنمية المستدامة مذكور في الأهداف 6، 7، 9، 11. ومثال آخر يأتي من التشابه ما بين حظر تمويل قطاعات محددة، مثل الأسلحة، وهدف التنمية المستدام 16، أو تعزيز مجتمعات آمنة وشاملة.

القضاء على الفقر
تستخدم الصيرفة الإسلامية بعض المنتجات المحددة التي يمكن استخدامها لتمويل أهداف التنمية المستدامة. فالغرض من الهدفين الأول والثاني للتنمية المستدامة هو القضاء على الفقر بكل أشكاله، ووضع حد للجوع وتحقيق الأمن الغذائي في العالم.
وبالرغم من أنه يمكن التعامل مع هذين الهدفين على الأرجح من خلال استخدام القروض الميسرة من مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف أو القروض الثنائية من الدول المتقدمة، إلا أنه للصيرفة الإسلامية أشكالها الخاصة من القروض الميسرة، وتحديداً:
القرض الحسن: وهو قرض يُمنح لأغراض الرعاية الاجتماعية أو لسد الاحتياجات التمويلية قصيرة الأجل، ويتعين على المقترض سداد رأس المال فقط.
والزكاة: أحد أركان الإسلام الخمسة والتي تشبه الضريبة التي تفرض على الثروة التي تتجاوز سقفاً محدداً. تستخدم الزكاة لأغراض الرعاية الاجتماعية دون توقعات بالسداد أو التعويض.
والوقْف: وهو عبارة عن تبرع بأصول أو نقد لأغراض دينية أو خيرية دون النية باستردادها.

وأخيراً، قد يساهم مبدأ تقاسم الربح والخسارة، الذي يعد مبدءاً أساسياً في الصيرفة الإسلامية، إذا ما تم تطبيقه بالشكل المناسب، في تحقيق هدف التنمية المستدامة رقم 10، ذات الصلة بالحد من أوجه عدم المساواة وخفض التأثيرات السلبية الناتجة عن التقلبات الاقتصادية. هذا المبدأ لم يطبق بشكل سليم في السابق، من وجهة نظرنا، ويتجه القطاع ببطء نحو تطبيقه بصرامة أكبر.
مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف العالمية قد تلجأ إلى زيادة استخدامها للصيرفة الإسلامية نظراً لوجود تشابه بين بعض مبادئها وأهداف التنمية المستدامة
بالإضافة إلى مجموعة البنك الإسلامي للتنمية ودورها في تمويل البنية التحتية للدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، شهدنا أمثلة قليلة على الاهتمام بالصيرفة الإسلامية من مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف العالمية في السنوات القليلة الماضية.
كان المرفق الدولي لتمويل التحصين، الذي يركز على جمع الأموال للتحصين وبرامج مشتريات اللقاحات لمنظمة التحالف العالمي للقاحات والتحصين، تحالف اللقاح (هدف التنمية المستدامة 3)، الأول من بين مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف العالمية الذي لجأ لسوق الصكوك مرتين.
أصدر المرفق العالمي لتمويل التحصين في العام 2014 صكوكاً بقيمة 500 مليون دولار أمريكي حيث تجاوز الاكتتاب عليها ×1.4. تبع ذلك إصدار صكوك بقيمة 200 مليون دولار أمريكي جذب نفس الاهتمام من المستثمرين، حيث تجاوز الاكتتاب ×1.6.

فرصة لتنويع قواعد التمويل
وبنفس السياق، لجأت مؤسسة التمويل الدولية إلى سوق الصكوك بإصدار صكوك بقيمة 100 مليون دولار أمريكي في العام 2015، حيث كان أول إصدار لها في العام 2009، بأصول أساسية تتكون من مشاريع قطاع خاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
بالرغم من أن معدلات الاكتتاب على صكوك مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف أقل إلى حد ما بالمقارنة مع الصكوك الصادرة عن بعض الحكومات والقطاع الخاص خلال السنوات القليلة الماضية، نرى بأن دخول سوق الصكوك قد يتيح لمؤسسات الإقراض متعددة الأطراف الفرصة لتنويع قواعد التمويل لديها والاستفادة من السيولة التي من غير المسموح الوصول إليها عبر الطرق التقليدية.

وبموجب تقديراتنا، يبلغ إجمالي حجم قاعدة المستثمرين الذين يتطلعون للاستثمار في أدوات متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية مثل الصكوك نحو 500 مليار دولار أمريكي في جميع أنحاء العالم. بالنسبة لصكوك المرفق الدولي لتمويل التحصين، على سبيل المثال، كان نحو 65 % من المستثمرين موجودين في منطقة الشرق الأوسط وشكلت المؤسسات المالية ثلاثة أرباع الإجمالي.

بعض الاهتمام
بالإضافة إلى ذلك، ومع اقتراب المواعيد النهائية لسريان اتفاقية بازل 3 في بعض أسواق الصيرفة الإسلامية الرئيسية والنقص الحاد في الأصول السائلة عالية الجودة في القطاع، نعتقد بأن إصدارات الصكوك من قبل مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف قد تجتذب بعض الاهتمام.

حصلت معظم مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف على تصنيفات ائتمانية عالية (بدرجة AA وما فوق) وهي تستفيد من أهلية الأصول السائلة عالية الجودة بموجب نسبة تغطية السيولة في اتفاقية بازل 3. ومع الدور الكبير الذي ستؤدية مؤسسات الإقراض متعددة الاطراف العاليمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ونظراً لتوافق بعض من عملياتها مع مبادئ الصيرفة الإسلامية، نتوقع بأن نشهد تدريجياً المزيد من إصدارات الصكوك من قبل مؤسسات الإقراض متعدة الأطراف العالمية في السنوات القليلة القادمة.

الصيرفة الإسلامية قد تساعد لكن مساهمتها ستكون متواضعة
نعتقد بأن مساهمة قطاع الصيرفة الإسلامية في تمويل بعض أهداف التنمية المستدامة ستظل على الأرجح متواضعة. ويعود ذلك بشكل رئيسي لصغر حجم القطاع مقارنةً بالحجم الكلي للنظام المالي، حتى في اقتصادات الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي.

بلغت أصول الصيرفة الإسلامية في نهاية العام 2015 بحسب تقديراتنا 2.1 تريليون دولار أمريكي، مقارنةً مع ما يزيد عن 7 تريليون دولار أمريكي لمجموع الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات دول منظمة المؤتمر الإسلامي في نفس الفترة.
ونتوقع بأن يصل حجم إصدار الصكوك إلى ما بين 50 و55 مليار دولار أمريكي في العام 2016، مُمثلةً جزءاً صغيراً من الإصدارات العالمية. وعلى افتراض أن القطاع واصل جهوده لتعزيز توحيد المواصفات وتقليص الإطار الزمني الاعتيادي لإصدار الصكوك، فإن الصيرفة الإسلامية قد تجذب مُصْدرين جدد مثل مؤسسات الإقراض متعددة الأطراف أو الحكومات التي قد تنظر إلى القطاع كطريقة لتمويل أهداف خطة التنمية المستدامة.

محمد دمق، الرئيس العالمي للتمويل الإسلامي، وكالة إس آند بي جلوبال للتصنيفات الإئتمانية

@ arabianbusiness 2016

الجمعة, 11 تشرين2/نوفمبر 2016 14:31

توقيت الوقف بمدة محددة

في كتابه الموسوم "بالمعاملات المالية أصالة ومعاصرة", أشار فضيلة الشيخ دبيان بن محمد الدبيان المستشار الشرعي في فرع وزارة الشؤون الإسلامية بالقصيم إلى اختلاف الفقهاء في هذه المسألة, وهل يُشترط في صيغة الوقف التأبيد أو لا يشترط؟ وعلى القول باشتراطه، هل يُشترط أن يُنصّ عليه صراحة، أو يُكتفى بخلوِّ الصيغة من التوقيت؟

حيث استهل الكلام في المسألة بذِكْر الأقوال فيها مع الأدلة, وما نوقش به كل دليل, وهذا بيان الأقوال مع ذكر أهم الأدلة وما اعتُرض به عليها.

القول الأول: التأبيد شرط لصحة الوقف، ويكفي فيه أن تخلو صيغة الوقف من التوقيت.

وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وقول أبي يوسف من الحنفية[1].

القول الثاني:التأبيد شرط، ولابد أن يُنصّ صراحة عليه، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية[2].

القول الثالث: لا يشترط التأبيد، بل يصح أن تكون الصيغة مؤقتةً، وهو مذهب المالكية[3].

وأهم ما استدل به أصحاب القول الأول ما يلي:

أولا: بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب س أنه أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم- يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أُصِب مالًا قَطّ أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها, وتصدقت بها، فتصدق بها عمر أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث"[4].

ووجه الاستدلال منه: قوله: "حبست أصلها"، وقوله "فتصدَّق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث", كل ذلك لا يُفهم منه إلا التأبيد، ولو صح الوقف مؤقتًا لصحّ أن يُباع بعد ذلك وأن يوهب وأن يورث.

ثانيا: وبما رواه مسلم عن أبي هريرة س أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"[5].

ووجه الاستدلال منه: أن الوقف إذا لم يرد به التأبيد لم يكن صدقة جارية[6].

ثالثا: الإجماع الفعلي للصحابة ش، فقد وقف أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وابن الزبير، وجابر ش، وغيرهم[7]، ولم ينقل عن أحد منهم أنه رجع عن وقفه أو تصرف فيه.

ولم تسلم أدلتهم من مناقشة, حيث نوقش دليلهم الأول:

بأن قوله - صلى الله عليه وسلم-: "لا يباع ولا يوهب ولا يورث" يحتمل أمرين:

أحدهما: أن يقال: إن هذه اللفظة لا تدل على التأبيد، وإنما تدل على أن هذا هو حكم الوقف ما دام وقفًا، فإذا انتهى الوقف رجع إلى جواز بيعه وهبته وإرثه، كالوقف المنقطع، والتأبيد يستفاد إما لفظًا، بأن يقول: هذا وقف مؤبد، وإما معنًى كما لو وقف على جهة لا تنقطع.

الثاني: أن هذه الصيغة تستلزم التأبيد، لكنه في الوقف المطلق، فإذا قيّدها بوقت معين كان له ذلك؛ لأنه تبرع مشروط بشرط، فوجب العمل بشرط المتبرع؛ فالوقف تبرع بالمنفعة أو بالغلة، وإذا جاز مؤبدًا جاز مؤقتًا؛ لأنه عمل من أعمال الخير، غاية ما فيه أن المؤبد أفضل، وأكثر أجرًا، وهذا لا يُبطل الوقف.

ونوقش دليلهم الثاني: بأن الوقف يكون صدقة جارية إذا كان على سبيل الدوام، وهذا ليس محلًا للنزاع، وإنما النزاع في اشتراط أن يكون الوقف صدقة دائمة، وهذا ليس مفهومًا من الحديث.

وقد يكون المقصود بـ"صدقة جارية" جَرَيان الأجر بعد الموت، ولو لم يكن على سبيل الدوام.

ونوقش دليلهم الثالث: بأنّ ما نُقل إلينا من أوقاف الصحابة ش إنما هو حكايةُ وقائعَ صَدَر الوقف فيها مؤبدًا، ولم تَرِد في معرض بيانِ أنّ التأبيد شرطٌ لصحة الوقف، ولا دليل فيها على عدم جواز التوقيت، فالوقف من عمل الخير، يجوز مؤبدًا ومؤقتًا، والمؤبد أفضلُ من المؤقت، والأمر راجع إلى شرط المتبرع.

ومن أهم ما استدل به أصحاب القول الثاني القائلين باشتراط النص على التأبيد:

أولا: بما رواه الدارقطني عن عمر بن الخطاب س أنه قال: يا رسول الله، ما من مالي شيء أَحَبّ إليَّ من المائة وَسقٍ التي أطْعَمْتَنِيها مِن خيبر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "فاحبِس أصلها واجعل ثمرها صدقة"، قال: فكتب عمر هذا الكتاب: مِن عمر بن الخطاب في ثَمْغٍ، والمائة الوسق التي أطعمنيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من أرض خيبر, إني حبستُ أصلها وجعلت ثمرتها صدقة..", وفيه: "لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ما قامت السموات والأرض، جعل ذلك إلى ابنته حفصة، فإذا ماتت فإلى ذي الرأي من أهلها"[8].

ووجه الاستدلال منه: أنّ في قوله: "لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ما قامت السموات والأرض" نصٌّ على التأبيد.

ثانيا: أن الوقف صدقة بالمنفعة أو بالغلة، وهذا يكون مؤبدًا ومؤقتًا، فمطلقه لا ينصرف إلى التأبيد، لهذا كان لا بد من التنصيص على التأبيد.

وقد نوقش دليلهم الأول: من وجهين:

أحدهما: أن زيادة "ما قامت السموات والأرض" زيادة منكرة، لم يروها عن عبيد الله بن عمر إلا صدقة، تفرد بها رواد، وكل من صدقة ورواد ضعيفان، وقد رواه سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن عمر، ولم يذكر هذه الزيادة، كما رواه جماعة عن نافع، ولم يذكروها[9].

ثانيهما: على فرض أن تكون الزيادة محفوظة، فإن فعل عمر س لا يدل على الشرطية. غاية ما يدل عليه أنّ الوقف يصح مؤبدًا، وهذا ليس محلًا للنزاع، بل إن التأبيد هو الأصل حتى لو كانت صيغة الوقف مطلقة حملت على التأبيد، وإنما النزاع هو في جعل التأبيد شرطًا في الوقف، وهذا ما لا يدل عليه قول عمر س، هذا على التسليم بصحة الزيادة.

ونوقش دليلهم الثاني: بأن الوقف ليس صدقة مطلقة، ولو كان كذلك لم يكن هناك فرق بين الصدقة والوقف، فالوقف يعني تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، ومطلقه يدل على التأبيد دون حاجة إلى التنصيص عليه، وأهمّ ما في ذلك أن تكون الصيغة خالية عن التوقيت المنافي للتأبيد.

ومن أهم ما استدل به أصحاب القول الثالث القائلين بجواز أن تكون الصيغة مؤقتة ما يلي:

أولا: أن الوقف صدقة من الصدقات، لكن فارَقَ الصدقةَ باختصاصهِ بالصدقةِ بالمنفعة دون الأصل، وهذا الفارق لا يوجب اشتراط التأبيد، فالصدقة تجوز أن تكون مؤبدة ومؤقتة، ولا يوجد دليل من كتاب أو سنة أو إجماع يوجب أن تكون الصدقة مؤبدة، ولأنه إذا جاز للإنسان أن يتقرب بكل ماله وببعضه، جاز له أن يتقرب به في كل الزمان وفي بعضه.

ثانيا: قياس جواز توقيت الوقف على جواز اشتراطِ الواقفِ توقيتَ انتفاع الموقوف عليه بالعين الموقوفة، فإذا جاز للواقف أن يقيِّد بالشرط مدة انتفاع الموقوف عليه بالغلة، جاز بالضرورة تقييد الوقف بمدة.

ونوقش دليلهم الأول: بأن هناك فرقا بين أن يقِفَ بعض ماله فيجوز، وبَيْنَ أن يقِفَ في بعض الزمان فلا يجوز؛ لأنه ليس في وَقْف بعض ماله رجوع في الوقف، وفي وقفه في بعض الزمان رجوع في الوقف.

ورُدّ هذا: بأن الوقف المؤقت ليس رجوعًا في الوقف، وإنما هو إمضاء للوقف مدة معينة بالشرط، نعم يصدق عليه أنه رجوع في الوقف لو أنه وقفه لمدة شهر، وبعد مُضيّ عشرة أيام أراد الرجوع، وفَرْقٌ بين الرجوع في الصدقة، وبين إمضاء الصدقة مدة معينة بالشرط.

ونوقش دليلهم الثاني هذا: بأن تقييد انتفاع الموقوف عليه بالعين الموقوفة لا يُخلّ باشتراط التأبيد في الوقف، بخلاف توقيت الوقف.

وبعد هذه عرض الأدلة والمناقشات خلص الشيخ إلى ترجيح القول:

بجواز توقيت الوقف بمدة معينة؛ لأنه بر وإحسان، ولا ينبغي أن يتشدد في شروطه؛ إذ لا مفسدة في عدم تأبيده، وكل ما لا مفسدة فيه يجب التوسعة فيه, خاصة إذا كان من أعمال الخير كالوقف. والله أعلم.

المصدر: المعاملات المالية أَصالة ومُعَاصَرَة

للشيخ: دبيان بن محمد الدبيان ط2/1432.

المراجع

[1] الاختيار لتعليل المختار 3/42، المبسوط 12/41، البحر الرائق 5/214، الهداية شرح البداية 3/15، الفتاوى الهندية 2/ 356، روضة الطالبين 5/ 325، الحاوي الكبير 7/521، مغني المحتاج 2/ 383، المهذب 1/441، المبدع 5/328، الشرح الكبير على المقنع 6/206.

[2] الاختيار لتعليل المختار 3/42، الهداية شرح البداية 3/15، تبيين الحقائق 3/326، حاشية ابن عابدين 4/349.

[3] الخرشي 7/ 91، الشرح الكبير 4/ 87، منح الجليل 8/ 145.

[4] صحيح البخاري 2737.

[5] صحيح مسلم 1631.

[6]انظر: المبدع 5/ 327.

[7] تفسير القرطبي 3/ 339.

[8] سنن الدارقطني 4/ 192.

[9] رواه النسائي 3603، وابن ماجه 2486, والدارقطني في سننه 4/ 193، وغيرهم من حديث سفيان ابن عيينة عن عبيد الله بن عمر, وليس فيه ما ذكره صدقة.

ورواه جماعة عن نافع ولم يذكروا ما ذكره صدقة، كما في رواية البخاري 2737و2764، ومسلم 1633, والدارقطني 4/ 186، 192، والبيهقي 6/ 162.

@ fiqh.islammessage 2016

الجمعة, 04 تشرين2/نوفمبر 2016 05:07

الوقف في المجتمع الغربي

مما لا شك فيه: أنَّ العمل الخيري في الغرب بشكل عام، والوقف بشكل خاصٍّ ينتشر على نطاق واسع، وبحجم كبير، ويؤدِّي دورًا كبيرًا في الحياة، وهذا ما تدلُّ عليه الشَّواهد التَّالية [1]:
أ- توجد في الغرب العديد من المنظَّمات غير الحكوميَّة، أو المنظَّمات غير الهادفة للرِّبح، والَّتي تنقسم بحسب تكوينها، والمستفيدين منها إلى:
المنظَّمات الخيريَّة، وهى الَّتي تقدِّم خدماتها إلى الجماهير، إمَّا مباشرة، أو من خلال الجمعيَّات الأهليَّة من أجل تحقيق الرَّفاهية، والرِّعاية الاجتماعيَّة للطَّبقات الفقيرة، وتنقسم بحسب تكوين مواردها إلى:
• منظَّمات خيريَّة عامَّة: وهي الَّتي تعتمد في تمويلها على مساهمات الجماهير وتقدِّم المنح إلى الأفراد عادة، ومنظَّمات (مؤسَّسات) خيريَّة خاصَّة، وهى الَّتي تعتمد في تمويلها على الأثرياء فرد، أو أسرة، أو شركة، وتقدِّم المنح عادة إلى منظَّمات، وجمعيَّات خيريَّة.
• المنظَّمات الاجتماعيَّة لخدمة أعضائها مثل النَّوادي، والنِّقابات، والغرف التِّجاريَّة، وتعتمد في مواردها على مساهمات الأعضاء فيها، والَّذين يستفيدون من خدماتها.
• مؤسَّسات تعليميَّة، أو صحِّيَّة تقدِّم خدماتها بأجر، وتعتمد في مواردها بجانب ما تحصِّله مقابل خدماتها على المساهمات التَّطوُّعيَّة من المواطنين، وأشهر هذه المؤسَّسات الجامعات والمستشفيات.

وتعتمد هذه المنظَّمات في مواردها اللَّازمة للتَّشغيل على كل من: الوقف، والتَّبرُّعات، والجهود التَّطوُّعيَّة، ولذا؛ فإنَّه يمكن بالتَّعرُّف على حجمها بيان أهمِّيَّة الوقف في العالم الغربيِّ، فعلى سبيل المثال:
فإنَّ عدد هذه المنظَّمات في الولايات المتَّحدة حوالي (1427455 منظمة) منها: (850455 منظمة خيرية عامة)، و (463714 منظمة خيريَّة خاصة)، و (104276 منظمة فئوية)، وفى انجلترا يوجد حوالي (200000 منظمة خيريَّة) (عام 2005)، وفى كندا يوجد (80000 منظَّمة).

ب- للتَّدليل على أهمِّيَّة الوقف، وواقعه الكبير في العالم الغربي نورد بعض الأرقام التَّالية [2]:
1- في قائمة أغنى المؤسَّسات الخيريَّة الخاصَّة في العالم الَّتي تقوم من الأصل على وقف أحد الأثرياء ماله، وإنشاء مؤسَّسة خيريَّة باسمه نجد أنَّ حجم الوقف فيها عام 2005م، بلغ حوالي 177.7 مليار دولار منها 17.8 مليار دولار لمؤسَّستين من الدَّنمارك، 31.3 مليار دولار لمؤسَّستين من السُّويد، 16 مليار دولار لمؤسَّسة من انجلترا، 112.4 لأربع عشرة مؤسَّسة من الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة على رأسها مؤسَّسة بيل جيتس الخيريَّة الَّتي تبلغ أموالها 26.8 مليار دولار.
2- يعتبر الوقف أحد الموارد الهامَّة لكثير من الجامعات في الغرب، وبالنَّظر في حجم الوقف في بعض الجامعات الأمريكيَّة، وعددها 50 جامعة؛ نجد أنَّ مال الوقف فيها يبلغ عام 2004م 132 مليار دولار -، وهو بالقطع أكبر من مال الوقف في جميع البلاد الإسلاميَّة، -ويأتي على رأسها جامعة هارفارد (أول جامعة في العالم من حيث التَّرتيب) بوقف قدره 22.6 مليار دولار وأقل وقف في جامعة ميشجان يبلغ 1.049 مليار دولار.
3- يزداد الوعي لدى المواطنين في الغرب بأهمِّيَّة الإسهام في العمل الخيرى إذ تدل الإحصاءات في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة على أنَّ مساهمة الأفراد في التَّبرُّعات الخيريَّة تبلغ عام 2004م بلغ 190 مليار دولار من إجمالي التَّبرُّعات البالغة هذا العام 250 مليار دولار بنسبة 76% كما أنَّ هذه التَّبرُّعات زادت بنسبة 4.1% عن ما كانت عليه عام 2003م، ويظهر مدى انتشار الوعي في أنَّ حوالي 70% إلى 80% من الأمريكيِّين يساهمون في الأعمال الخيريَّة، ويبلغ متوسِّط تبرع المواطن الواحد 2.3% من دخله حيث يدفع المواطن ذو الدَّخل المرتفع 3.1% والمواطن ذو الدَّخل المنخفض 1% من دخولهم للأعمال الخيريَّة.
4- يتميَّز الصَّرف في المؤسَّسات الخيريَّة الغربيَّة بأنَّه منظَّم، ويتمُّ بشكل يعطى أثره بشكل جيِّد في تحقيق الرَّفاهية، وإعانة الفقراء، والمحرومين، نظرًا لكبر حجم العطاء من ناحية، وللعطاء في الدَّاخل والخارج دون تفرقة، ويتم الصَّرف على جميع الأغراض مع تفاوت نسبتها بحسب أهمِّيَّتها، فمن التَّبرُّعات الجارية حصلت المنظَّمات الدِّينيَّة على أكبر نسبة من التَّبرُّعات الخيريَّة الجارية 35.5%، تأتى بعدها المؤسَّسات التَّعليميَّة بنسبة 13.6%، والمنظَّمات الَّتي تعمل في مجال الخدمات الإنسانيَّة 77%، أمَّا من المؤسَّسات المانحة؛ فحاز التَّعليم على أكبر نسبة 24.5% والخدمات الإنسانيَّة 25.6%.
ويتمُّ الصَّرف إمَّا إلى الأفراد مباشرة في حالة المنظَّمات الخيريَّة العامَّة، أو بإعطاء منح بمبالغ كبيرة من المؤسَّسات الخيريَّة الخاصَّة إلى منظمات، وجمعيَّات خيريَّة أخرى.

ممَّا سبق يتبيَّن: أنَّ واقع الوقف الإسلاميِّ في التَّطبيق المعاصر يعانى من وجوه ضعف عديدة بسبب التَّدخُّل الحكوميِّ المركزيِّ في إدارته، ونقص الوعي لدى المواطنين، والخروج به أحيانًا عن الأحكام الفقهيَّة، وحسن الإدارة.
بينما واقع الوقف في التَّطبيق المعاصر في العالم الغربي يتميَّز بالقوَّة، والانتشار، وبحسن التَّنظيم، والإدارة، وتنامي الوعي.

وحتَّى يتمَّ تصحيح مسيرة الوقف في العالم الإسلاميِّ يستلزم الأمر بداية التَّقيُّد بالأحكام الفقهيَّة، ثُمَّ الاسترشاد بالوقف في الغرب، وعلى الأخصِّ في مجالات التَّنظيم الماليِّ، والإداريِّ، والمحاسبيِّ، وكيفيَّة الصَّرف، وأساليب التَّوعية، والشَّفافية.

[1] انظر: نظام الوقف الإسلامي، والنُّظم المشابهة في العالم الغربي، ص32-34 بتصرف.
[2] انظر في بيان هذه الأرقام: نظام الوقف الإسلامي، والنظم المشابهة في العالم الغربي ص33.

@ alukah 2016

الجمعة, 04 تشرين2/نوفمبر 2016 05:06

مرتب مطاط

حيرةٌ تلفُّ العقول؛ مطالبنا في ازدياد وكأنها حُمى أو وباء، والأسعار نارٌ في اشتعال!
نسير في الشوارع، أو نأْوي إلى مجالس، أو ندخل في عيادة أو زيارة، أينما حللت ومع مَن جلست - لا تسمع إلا: جنون الأسعار، الدولار، الدولة في غياب، مطالب الأولاد، مصاريف المدارس، اللحوم، الشُّقق، المصايف!

نقول ونحلل، ونتهم الدولة، ونلوم الحكومة، ونبرأ من القضية، ونتصوَّر أننا ضحية، وتطول مناقشاتنا وتنفض، وتقام بعد الفض، وتسفر بعد الطول عن: "لا حلول"، فتدور الرؤوس وتمطط الشفاه، وقليلٌ فينا الصامتون، ويندر فينا الراضون، وما أقل الفاهمين!

وفي كلِّ شهرٍ يأتينا المرتب (حبيبٌ جاء على فاقة)، ومِن قبله حلَّت علينا قائمة الطلبات، فتدور العيون نحو اليسار، ثم تعود لذات اليمين، وبعد التداول والصراع، والنقاش وبعض الجدال، ولا يضر شيء من شجار وبعض الخصام، تخرج النتيجة: (المرتب لا يلين! والمطالب لا تكفُّ ولا تستكين)!
والقضية ساخنةٌ، أطرافها واقفون قائلون صائحون: "لا مساس بالمطالب، ولا مساس بالمطالب"!

ولو فحصنا المطالب، لوجدنا فيها العجائب:
(كروت الشحن، حجز المصايف، الدايت، العدسات اللواصق، اشتراك النت، تابلت لكل طفل - وأعجبُ ما سمعتُ لتلميذ في المرحلة الابتدائية دروسٌ في الرسم - اشتراك بالنوادي، البلاي ستيشن، سائر وسائل الترف، فضلًا عن أنواع المطاعم والمشارب، وعجائب الدروس الخاصة، وكم الملابس)، وبعدها نشكو من العَوَز، وتدني المعيشة، وعجز الرواتب.

والأمر في وضوح:
لو وضع الإنسان الدنيا بين عينيه، فلن يسلم من العَوَز، ولن يرويَه ملءُ اليم، ولو كان له وادٍ من ذهب لتمنَّى ثانيًا وثالثًا حتى يوسَّد في التراب، والمطالب في ازدياد، وقد أراحنا الله من هذا السباق، وحطَّ عنا الأحمال والأثقال، قائلًا في جلال: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]، موضحًا للقضية: (النفقات وَفْق الإمكانات، تتسع معها، وتضيق بضيقها)، ونحن نريد العكس، أن يتكلف الإنسان ما لا يجد، فهذا ظلمٌ للنفوس، وضيق في العقول، وبعد:
فقد وعَد الله بجعل بعد كل عسرٍ يسرًا، فأين تعليق القلوب به، والرضا، وانتظار الفرج، وترك الشكاية؟

وبعد الحوار والجدال، والهجوم والدفاع، وحبس الأنفاس، والجهد الجهيد، يُعرِض الكثيرون عن الحل، ويلتمسون قلب الأمور وعكس الأصول، فلا بد وَفْق نظامهم أن تمطَّ وتتسع رواتبهم حسب نفقاتهم، عكس ما أمر الله، ولا يُلبِّي هذه الرغبات سوى اختراع بسيط، ونحن في عصر العلم والريبوت، والتاتش، والآي فون، فلا شيء مستحيلٌ، فاختراعٌ يسيرٌ (المرتب المطاط)، يشده الجميع من أطرافه، فيتمدد ويتمدد، فيغطي بعد الشد والمط المطالب كافَّةً، وتنتهي القضية، ويستريح الجميع، وعندها يذكرون في الفكاهة: "كان ياما كان، في التاريخ القديم وسالف الزمان، كانت الحلول يا للعجب، تقليل المطالب؛ لتناسب مستوى الرواتب"، وكأنها إحدى النوادر والغرائب، أليس فينا من راشدين؟!

@ alukah 2016

مُقدِّمةٌ:

تُعتبَرُ الرقابةُ الذاتية على العملِ في التصوُّرِ الإسلامي أهمَّ صُوَرِ الرقابة الشرعية التي (ثبتتْ قيمتُها وأهمِّيَّتُها بِالنَّصِّ الشّرعيّ والواقع الميدانيّ) في مَيدانِ العمل بأنواعِه فَضْلاً عن غَيرِ ذلكَ مِن الميادينِ؛ من حيث أنّها (آليّةٌ فعّالة لترقيةِ أداء العمل، وضمانِ تحسينه وسَيرِه على الوجْهِ الأكمل والأحسن)، وأيضاً من حيث الدورُ الذي تقومُ بهِ في هذا الإطارِ في (ترقيةِ العنصر البشريّ المُضطلعِ بتأدية العمل محلّ المتابعة والمراقبة)؛ أعني (دورَها في تنمية المواردِ البشرية أو الطاقَم البشري المُكلف بإنجاز ما أُسند إليه من أعمال)؛ هذا الدَّورُ الذي يُعتبَرُ مِن أهمِّ ما تضطلِعُ الرقابةُ الذاتية بتحقيقه من الأدوارِ المسنَدة إليها.

والإسلامُ الحنيفُ في تعاليمِه الرَّبَّانيَّةِ العامَّةِ يدعو إلى دَوامِ تَذكُّرِ وتَدبُّرِ الإنسانِ-فرداً كان أو جماعةً- (أقوالِه وأفعاله وأحواله)؛ حتّى (يتجنّبَ عثراتِ نفْسِه اللّقِسَةِ، ويتلافى زلّاتِها، ويُصلِحَ عُيوبَها واعتسافَها)؛ ليس في إطارِ ما يُسنَدُ إليهِ من (أعمالٍ ومَهامٍّ ووظائفَ مختلفةٍ) فحسب؛ بل في خاصَّةِ نفْسِه في (سِرِّه وعَلنِه وخَلوتِه وجَلوتِه) أيضاً، في علاقاتِه الاجتماعية مع (رَحِمِهِ وجِيرانِه) وسائرِ إخوانه؛ وهذا باستِشعاره الدائِم والمستمرِّ أنّ له (ربّاً رَقيباً حَسيباً) لا يخفَى عليهِ شيءٌ مِن ذلك أبداً؛ فتنصلِحَ أحوالُه وتستقيمَ، وهذا بغضِّ النظرِ عن النِّطاقِ الذي تقع فيه (الأقوالُ والأفعال) الإنسانية- سواءٌ كان نِطاقاً (دوليّاً أو داخليّاً)، ودون اعتبارٍ لطبيعةِ العمل الذي ترتبطُ به -سواءٌ كان عَملاً (إداريّاً أو اقتصاديّاً أو تجاريّاً أو تعليميّاً أو سياسيّاً أو اجتماعيّاً..).

إنَّنا نَجِدُ- في هذا السِّياقِ- أنّ الشريعةَ الإسلامية تُشجِّعُ الفردَ العامل المرتبط بعملٍ مُعيَّن -في إطارٍ فرديّ (شخصٍ طبيعيّ) أو في إطارٍ جَماعي (شخصٍ معنويّ)- على تعزيزِ جانبِ الذاتية في الرقابةِ على (تصرُّفاتِه وأعمالِه وما يصدُر عنه من أقوالٍ ويجري عليه من أحوالٍ)؛ بل حتّى على الصعيدِ الدوليّ نجدُ أنَّ التصرُّفاتِ التي (تَتّخِذُها أو تُمضيها) الأشخاصُ الدولية -وأعني بها المجتمعَ الدوليَّ (الدولَ والمنظَّماتِ الدولية) بخُصوصِ أيِّ شأنٍ دوليٍّ تخضعُ أيضاً لهذا النوعِ من الرقابةِ الشرعية من منطلَقِ فلسفةِ تعاليم الإسلامِ المتناهية في (الدِّقَّةِ والانضباط) والتي تربطُ هذه التصرُّفاتِ وغيرَها باللهِ تعالى الذي وَسِعَ كُلَّ شيءٍ رَحمةً وعِلماً- بما فيها تلكَ التي تجري على (العقلِ أو القلبِ) مجرى الخواطِر الخفِيّة التي لا تكون مَحلّاً للثواب أو العقاب؛ فإنها (لا تعزُبُ أو تنفلِتُ) عن رَقابَتِه جَلَّ وعَلا.

يتَّضِحُ يقيناً (أنّ رقابةَ اللهِ عزَّ و جلَّ هي أصلٌ لأيّةٍ رقابةٍ أُخرى)، وأنّ هذه الرقابةَ (مُحيطةٌ بالتصرُّفاتِ الإنسانية التي تَصدُرُ عن الإنسانِ) أساسِ المواردِ البشرية وركيزَتِها، وأنّ إخضاعَ التصرُّفِ أو السُّلوك الإنسانيّ للرقابةِ الذاتية يفتقِرُ إلى رقابةِ الله تعالى، كُلُّ ذلكَ يُظهِرُ قيمةَ الرقابةِ الذاتية وموقِعَها من الرقابةِ الإلهيّة.

مِن ثَمَّ يُمكِنُني القولُ: أنّ الرقابةَ الذاتية هي أشبَهُ ما تكونُ بالمتابَعةِ الذاتية (الضميريّة)؛ التي يستحضِرُ فيها (الإنسانُ الفرد أو الإنسانُ في الجماعة) الرقابةَ الإلهية المحيطةَ بِكُلِّ شيءٍ، والتي تُتِيحُ له الالتزامَ بالأخلاقيَّاتِ (القِيَمِ الأخلاقيّة) التي قرّرتْها الشريعةُ الإسلاميةُ الغرَّاءُ في إطارِ ما يبدرُ مِنه مِن (أقوالٍ وأفعالٍ، أو يَصدُرُ عنه من (تصرُّفاتٍ وأفعالٍ أو يجري عليه من أحوالٍ).

ومُنتهى الكلامِ ممّا تقدَّمَ: أنّ الرقابةَ الذاتية من منظورِ التصوُّرِ الإسلاميّ معناها: أن يُراقِبَ الإنسانُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، يستوي في ذلك أن يكونَ مُختلياً عن (أنظارٍ تَرَاهُ، أو آذانٍ تَسْمَعُهُ، أو أجْهِزَةٍ تُراقِبُهُ)، ومن بابِ أولى أن يكونَ مُختلطاً بغَيرِه (يَرَونَه ويَسمَعُونَه ويُشاهِدُونَه ويُراقِبُونَه)، وأن يستحضِرَ رقابةَ مَن يعلَمُ السِّرَّ والنَّجْوى وما هو أخْفَى حالَ (الخَلْوةِ والجَلْوةِ)، وأنَّ (اللهَ سُبحانَه وتعالى لا يَعزبُ عن عِلْمِه واطّلاعِه مِثقالُ ذَرَّةٍ) في السَّمواتِ والأرضينِ؛ فيَحْرِصَ على أنْ لا يبدُرَ مِنه (قَولٌ أو فِعلٌ أو تَصرّفٌ) إلّا إذا كان (مَشرُوعاً) يُطابِقُ (مبدأَ الشرعيةِ الإسلامية)؛ أيّ: أصولَ ومَصادِرَ أحكامِ الشريعة الإسلامية على اختلافِ أنواعها (القُرآنِ الكريم، السُّنَّةِ النبوية، الإجماعِ والاجتهادِ بأشكالِه الصحيحةِ المنضبطةِ)، لا تُخالِطُه (شُبْهَةٌ أو شَهْوةٌ). والإنسانُ هُنا على إحدى احتِمالَينِ؛ إمّا أن يَحْرِصَ تمامَ الحِرصِ على (اجتِنابِ الخطأِ والزّلَلِ قبلَ وُقوعِه)، وإمّا أن يَحْرِصَ على (إصلاحِ أخطائِه وتقويمِ الاعتِساف-الانحراف- بعدَ وُقوعِه).

والسُّؤالُ الرئيسُ الذي يُحاوِلُ الباحثُ الإجابةَ عليه من خلالِ هذا المقالِ يتمحورُ حولَ التأثيراتِ الإيجابيّة للرقابةِ الذاتية في مَيدانِ العملِ من وجْهةِ نَظَرٍ إسلامية ؟

وفي سياقٍ مُتَّصِلٍ: ما دَورُ الرقابةِ الذاتية في تنميةِ الإنسان (العنصر البشريّ) والارتقاءِ به باعتبارِه أساساً للمواردِ البشرية ؟

للإجابةِ على التساؤلِ المعروضِ قَسَمَ الباحثُ المقالَ إلى سِتَّةِ محاورَ (مطالِبَ) هيَ كالآتي:

المطلبُ الأوّلُ: التحفيزُ على حُبِّ العملِ واستِشعارِ قيمتِه لدى الإنسانِ المسلِم.

المطلبُ الثاني: إتقانُ العملِ وتحسينُ أدائِه.

المطلبُ الثالث: استِشعارُ المسؤوليةِ إزاءَ العملِ.

المطلبُ الرابعُ: تعزيزُ مفهومِ الضميرِ المهنيِّ.

المطلبُ الخامِسُ: أخلاقياتُ العَملِ الإسلاميّ.

المطلبُ السادِسُ: ترسيخُ مفهومِ الرِّساليَّة في العملِ.

المطلبُ الأوَّل: التحفيزُ على حُبِّ العَملِ واستِشعارِ قيمتِه لدى الإنسانِ المُسلِم:

الإسلامُ الحنيفُ (دِينٌ لا يُؤمِنُ بالتكاسُلِ والتواكُلِ والرُّكونِ إلى البَطالةِ والدَّعَةِ) غيرِ المفيدةِ؛ بلْ هُوَ دِينٌ يُشجِّعُ على (الحَيويّةِ والدِّيناميّةِ والحَركيَّة) الإيجابيةِ التي تُسهِمُ في ترسيخِ ثقافةِ (العملِ والكسبِ والعطاءِ) وذلك بـ(الاجتهادِ، وبَذْلِ الجهدِ، والتشميرِ عن ساعدِ الجِدِّ)، وفي هذا الإطارِ نَجِدُ أنّ فلسفةَ الإسلامِ في العملِ تُستثمَرُ في العنصرِ البشريِّ؛ فتحرصَ على (إيقاظِ حِسِّ العملِ) في نفْسه، وتحبيبِه إليه، وتشجيعِه على (العطاءِ والبذل).

لقد عدَّ الإسلامُ العظيمُ العملَ واجِباً كما جاءَ في قَولِه تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: الآية 115)، وقولِه سُبحانهُ وتعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (المُلك: الآية 15)، وقولِه جلَّ جَلالُهُ: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ (الجمعة، الآية 9)،وقولِه عزَّ و جلَّ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله﴾ (الجُمعة: الآية 10).

وَجْهُ الاستِدلالِ مِن هذه الآياتِ البيِّناتِ الكريماتِ: أنّ الأمرَ الوارِدَ فيها بـ(العَملِ، والمشي في مناكِب الأرض، والسعي) والانتشارِ فيها طلباً لِلرِّزقِ؛ جاء مُطلقاً ومُجرَّداً عن أيّةٍ قَرينَةٍ صارِفةٍ؛ فهُو على ظاهِره يُفيدُ الوُجوبَ كما هو مُقرَّرٌ عندَ عُلماءِ أُصولِ الفِقه الإسلاميِّ.

وقال النبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ؛ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (صحيح البُخاريِّ، كتاب البيوع: بابُ كَسْبِ الرَّجُلِ وعَمَلِه بِيَدِه، رقْم الحديث 2072)، وقال عليهِ الصلاةُ والسلامُ أيضاً:«لأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنِ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَسْألَ رَجُلًا، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» (صحيحُ مُسلِمٌ، كتابُ الزكاةِ: بابُ كَراهةِ المسألة للناسِ، رقْم الحديث 1042).

وَجْهُ الاستِدلالِ من هذينِ الحديثَينِ وشَبَهِهِما: أنّ فيهما تحفيزاً واضحاً على (تَحرِّي العملِ، وتَرْكِ البَطالةِ) وما يتصّلُ بها مِن تواكُلٍ. وعلى العُمومِ فإنَّ الآياتِ الكريمةَ والأحاديثَ النبويّةَ الشريفةَ في هذا البابِ كثيرةٌ ومُستفِيضةٌ يطولُ بِالباحثِ المقامُ لِسَردِها وعَرضِها جميعاً فحَسْبُهُ ما ذَكَرَ.

وضِمْنَ هذا السِّياقِ وتحفيزاً للإنسانِ على العَمل وتشجيعِه على تَرْكِ البَطالَةِ؛ فقَد جعلَ الإسلامُ من العملِ المشروعِ بأنواعِه كافّةً مَرتعاً خِصباً لِلتنافُسِ البَنّاءِ المثْمرِ؛ من خلالِ رَبْطِه بالثوابِ والجزاءِ الأُخرويِّ الحَسَنِ، وهي (فَلسَفةٌ تشريعيةٌ غايةٌ في الأهميَّةِ والتميّزِ والحِكْمَةِ)؛ قالَ اللهُ تعالى:﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: الآية 26)، وقال عزَّ و جلَّ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحجّ: الآية 77)، وقالَ سُبحانَه وتعالى أيضاً: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: الآية 48)، وقال تباركَ وتعالى كذلك: ﴿فمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: الآية 97).

إنَّ الإنسانَ العاقِلَ مَعنيٌّ لِزاماً بتحصيلِ هذا (الثَّوابِ الأُخرويِّ السَّرمديِّ) الذي أعدّهُ اللهُ تعالى لأناسِيّهِ العامِلينَ؛ بمُراقبةِ نَفْسِه -في حياتِه عُموماً- فيَسْعَى لِشُغْلِها بما ينفعُها من (أعمالٍ ومِهَنٍ ونَشاطاتٍ) يبتغي منها ثوابَ رَبِّهِ الحيِّ القيُّومِ، ويَحرِصَ من خلالِ (مُتابَعةِ ومُراقَبةِ) وَضْعِه ووُجُودِه في هذه الحياةِ على (الالتحاقِ بِركْبِ المؤمِنينَ العالِمينَ العامِلينَ الرَّبَّانِيِّينَ المتنافِسينَ) في الأعمالِ المشروعةِ، و(مُنابَذةِ الفاشِلينَ الرّاكِنينَ للبَطالة والرّاغبين في الدَّعَةِ والراحةِ) الَّذينَ أخلَدُوا إلى الأرضِ.

إنّ الإنسانِ العامِلَ- وفي مَيدانِ العملِ تحديداً-يَحرِصُ على الالتزامِ بأخلاقيَّاتِ العملِ التي لا يُمكِنُه مُراعاتُها مالمْ يكُنْ له (وازعٌ داخليٌّ، وضميرٌ ذاتيٌّ، ورادعٌ أخلاقيٌّ) مُنطلَقُه مُراقَبةُ نفْسِه في بيئةِ العَملِ، واستدامةِ استِحضارِ مُراقَبةِ ربِّه عزَّ و جلَّ، ومالم يَكُنْ له (حُبٌّ لِعَملِه، وتعلُّقٌ بهِ، ورَغبَةٌ في القيامِ به وتأديتِه بِكُلِّ أريحيَّةٍ) على الوجْهِ الأكملِ والسَّبيلِ الأقومِ.

المطلبُ الثاني: إتقانُ العَملِ وتحسينُ أدائِه:

الإتقانُ والإحسانُ في العملِ بمعنىً واحدٍ مَعناهُ: "أن يُؤدَّى العملُ دُونَ خَلَلٍ أو نَقْصٍ، والالتزامُ فيه بالمواصفاتِ والمقاييسِ والضّوابطِ والتِّقنياتِ المعمولِ بها في مثلِه، وأداؤه في وقتِه المحدَّدِ دونَ تأخيرٍ، وهوَ ما يُعبَّرُ عنه في الإسلامِ الحنيفِ بالإحسانِ" ([1]).

وقَد نَصَّتْ عليه أدلّةٌ كثيرةٌ منها: قولُه تعالى: ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: الآية 195)، وقولُه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ...- وفيه قولُه في موضِعَينِ -فَأحْسِنُوا...» (صَحيحُ مُسلمٍ، كتابُ الصَّيدِ والذبائحِ، بابُ الأمرِ بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة، رقْم الحديث 1955).

"والإحسانُ هُنا بمعنى: الإحكامِ والإكمالِ والتحسينِ في الأمورِ المشروعة" ([2]). ومعنى: كتبَ في الحديثِ: "أي أمرَ بهِ وحَضَّ عليه" ([3])، فلا مَناصَ إذنْ مِن فِعلِه؛ لأنّ الأمرَ به جاءَ مُطلقاً مِن غَيرِ قرينة تَصرفُه عن الوُجوبِ كما في الآيةِ معاً، ويُؤيّدُ ذلك أنّ الإحسانَ أعلى مراتبِ الطاعةِ كما ذَكَرَ "ابنُ كثيرٍ" في تفسيره ([4]). ومِن ثَمَّ يتعيّنُ على المسلمِ تحصيلُه وعدمُ التفريطِ فيه؛ وقد حُكِي عن النبيِّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إنَّ الله عَزّ وَ جَلَّ يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحدُكُمْ عَمَلاً أنْ يُتْقِنَهُ» (مُعجم الطبرانيِّ الأوسط، رقْم الحديث 897، مُسندُ أبي يعلى الموصلي، مُسنَدُ عائشةَ، رقْم 4386، شُعَبُ الإيمان للبيهقيّ، الباب الخامسُ والثلاثونَ في الأماناتِ ووُجوبِ أدائها إلى أهلِها، رقْم الحديث 5312 – 5315، وسَند الحديث: حَسنٌ لِغَيره).

وقولُ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إنَّ الله يُحِبُّ»؛ فيه تحبيبٌ للإتقانِ والإحسانِ بمعناهُ المتقدِّم، وتحفيزٌ على إجادةِ الأداءِ في العَمل؛ وفَلسفةُ الإسلامِ في (التحبيبِ والتحفيز على الإتقان) ربطَها دائماً بعنصرِ الثوابِ (الجزاءِ الإيجابيِّ) في حقِّ مَن يسعى للعملِ ويتحرَّى أداءَه وفقَ مُتطلّباتِه؛ ولا ينالُ هذا الثوابَ إلّا مَن راقبَ نفْسَه أثناءَ العملِ واستحضَر رقابةَ ربِّه عزَّ و جلَّ.

إنَّ الإنسانَ أثناءَ أداءِ العملِ مُلزمٌ شرعاً برعايةِ نَفْسِه ورقابتِها؛ فلا يأتي العملُ المنوطُ به حتّى يُتقنَه ويُتمَّهُ على الوجْهِ المأمولِ مِنه؛ طِبقاَ لِـ(لتعليماتِ الرّبانيّةِ والتوجيهاتِ النبويَّة) التي تدعوانِ إلى إتقانِ العمل، وعَملاً بمضامينِ العَهدِ (العَقدِ) الذي بينَه وبينَ رئيسِه ومُديرِه-إن كان العاملُ مَرؤوساً-؛ الذي يُلزمُه بأداء العملِ وفقَ (الشروطِ والقيودِ والأوضاعِ والمُقتضياتِ والإجراءاتِ) المتَّفَقِ عليها، كذا -إنْ كان رئيساً ومُديراً ومَسؤولاً- فهُو معنيّ مِن باب أولى بـ(إتقانِ عَملِه وتجويدِه وتحسينِه) ليكونَ نِعْمَ القُدوةَ لِمَرْؤوسيهِ.

ويَستوعِبُ الإتقانُ أيضاً: *(الالتحاقَ) بالعملِ في الوقتِ المحدَّد، *و(إتمامَ) حَجمِه الساعيِّ -دَوامِ العَمل- كامِلاً، *و(عَدمَ الخروجِ) من مكانِ العملِ إلّا لحاجةٍ لا بُدَّ لهُ مِنها، أو في أوقاتِ الاستراحةِ بين فَتَرَاتِ العمل، أو في آخرِ دوامِ العمل، كذلك يشملُ التفانيَ في الإنتاجِ- سواءٌ كان الإنتاجُ (فِكريَّاً -معنويَّاً- أو مادِّيّاً)، كذا يشملُ (التنبيهَ للنقائصِ والتجاوزاتِ والاختلالاتِ) التي قد تقعُ أثناءَ العملِ وتُؤثِّرُ على مَردوديته وجَودته، و(الحرصَ على الإبداعِ) ما أمكنَه ذلك.

ويبقى: "الإخلاص هو الباعث الّذي يُحفِّز العامل على إتقان أعماله، ويدفعه إلى الإجادَة فيه، ويُعِينه على تحمُّل المتاعب فيه، وبذْل الكثيرٍ من جهده في إنجازه. كما أنّ توافرَ هذا الخُلقِ الكريم في العامل من العوامل الرئيسة الّتي تَحُول دون وقوع الخَلَل والانحِراف عن الطريقِ الصّحيح في أداءِ العمل، فهو بمثابةِ صِمامِ الأمانِ ضِدَّ الفَسادِ بكلِّ صُورَه وأشكالِه.

ومِن معاني الإخلاصِ وصُورهِ المتعدِّدة (وُجودُ الرّقابةِ الذاتيَّة في العامِل)، ومَبْعَثُ هذه الرّقابةِ إحساسُ العامِل واستِشعارُه بأنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يَرَى سُلوكُه وكُلَّ تصرُّفاتِه في أداءِ عَملِه، وأنَّه سائِلُه عنها ومُجازِيه عليها يومَ القيامةِ؛ يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: الآيتان 13 - 14)، ويقولُ سُبحانَه وتعالى كذلك: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: الآيتان 7 - 8)، ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ (الأحزاب: 52)" ([5]).

المطلَبُ الثالثُ: استِشعارُ المُسؤوليَّةِ إزاءَ العَملِ:

ما مِن عاملٍ في أيِّ مَيدانٍ من مَيادينِالعملِ المشروعةِ على (تنوّعِها واختلافها)؛ إلّا ومَعنيٌّ شرعاً بـ(استشعارِ قيمةِ العملِ المُكلَّفِ بإنجازهِ وإتمامِه وإتقانِه على وَجْههِ الأحسنِ والأكملِ، والإحساسِ بالمسؤوليةِ المُلقاة على عاتقِه؛ إذ عليهِ يقعُ عِبءُ إنجازِ العملِ ومُتابَعتُه إلى غايةِ الانتهاءِ منه، وهُوَ مَسؤولٌ عن ذلك كُلِّه أمامَ رئيسِه.

إذن: استِشعارُ المسؤوليةِ من الإنسانِ العامِل منبعُها استحضارُه لِرقابةِ ربِّه جلَّ وعلا التي تدفعُه نحوَ مُراقَبةِ (سُلوكيّاتِه وتصرُّفاتِه وأقوالِه وأحوالِه) خلالَ فَتْرَةِ العَمل.

والتصوُّرُ الإسلاميّ للمسؤوليةِ عُموماً ومسؤوليةُ العامِل إزاءَ العَملِ المنوطِ به تحديداً على ضَربينِ:

* مسؤوليةِ العاملِ المرؤوسِ تُجاهَ مديرِه الرئيسِ، والمسؤوليّةُ الأهمُّ والأخطَر: *مَسؤوليَّتُه تُجاهَ ربِّه عزَّ و جلّ (المسؤوليةِ الشرعيةِ الدَّنيويّة والأُخرويّة)؛ إذْ (لا قِيمةَ للمُسؤوليةِ الرّئاسيَّةِ أمامَ المسؤوليةِ الرّبانيِّةِ النابعةِ من مِن رقابةِ رَبِّه جلَّ في عُلاهُ وما يتَّصِلُ بها من رقابةِ العامِل لنفسِه أثناءِ العمل، و(إحساسِه العميقِ المرتبط بِضَميرِه المهنيِّ اليقظِ بأهمِّيَّةِ إنجازِ عملِه وإتمامِه وإكمالِه على الصُّورةِ المطلوبةِ والمأمولةِ).

لهذا وجَدْنا أنّ الإسلامَ يربطُ الإنسانَ المسلِمَ بالآخرة، وما يكونُ فيها من ثوابٍ سَرمديٍّ في جِنانِ النَّعيمِ المُقيم، وعِقابٍ أبديٍّ في نيرانِ الجحيم الأليم، وأنّه مَسؤولٌ مَسؤوليةً كامِلةً عمَّا يَبدُرُ مِنه في الدُّنيا دارِ العَملِ والبِدارَ فيما يُرضِي اللهَ عزَّ و جلَّ؛ فإنْ التزمَ العامِلُ بتأديةِ عَملِه وراقَبَ نفْسَه في ذلك وحاسَبها، وذكَّرها بأنّ الإنسانَ ليس له في الآخرةِ إلّا ما سعَى به في الدُّنيا من إتقانِ للعملِ أو إخلالِ به؛ فالجزاءُ الوِفاقُ يكونُ من جِنْسِ عَملِه: بالثوابِ إنْ حَسُنَ عملُه، أو بالعقابِ إنْ ساءَ عملُه؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: الآيتان 7 - 8)، وقد تقدّمَت هذه الآيةُ الكريمةُ، وقولُه أيضاً تباركَ وتعالى:﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ (النجم: الآيات 39 - 40). وقد تقدّمَ ذِكْرُ طَرَفٍ من الأدلّةِ الشرعيةِ على ذلك.

المطلبُ الرابعُ: تعزيزُ مفهومِ الضميرِ المهنيّ:

وهو مصطلحٌ قانونيٌّ شائع يُقابِلُه في التصوُّرِ الإسلاميِّ: "وظيفةُ التقوى" وما يتَّصلُ بها من (إخلاصٍ وتزكيةٍ)، أو ما اصطلحَ الباحِثونَ المسلِمونَ على تسمِيتها: "الرقابة الذاتية"؛ وهي بِدَورِها مصطلحٌ قانونيٌّ ارتبطَ بالعملِ الإداريِّ بعناوينِه وأبعادِه المختلِفة.

إنّ وُجودَ هذا النوعِ من الرقابةِ الشرعيةِ يُعزِّزُ مِن مفهومِ (الضميرِ المهنيِّ كـ"وازعٍ داخليٍّ" يحملُ الإنسانَ على تحرِّي الأفضل والأحسن من الأعمالِ طلباً لِمَرضاةِ ربِّه سُبحانَه وتعالى).

المطلبُ الخامِسُ: أخلاقياتُ العملِ الإسلاميِّ:

أو تعزيزُ مفهومِ أخلاقيَّاتِ العملِ الإسلاميِّ وهو مرتبطٌ بما تقدّمَ؛ حيث أنّ الإسلامَ يُعزِّزُ مِن مفهومِ أخلاقيَّاتِ العملِ بـ(صُورِه وأشكالِه)؛ من خلال (التعليماتِ والتوجيهاتِ والأوامرِ والنواهي) التي يسترشِد بها الإنسانُ المكرَّمُ في مَيدانِ العملِ نحو: (خُلُقُ الأمانةِ) وما يتعلّقُ بها من إتقانِ العمل؛ ذلك أنّ إتقانَ العملِ هو بابٌ من أبوابِ "أداءِ الأمانةِ على أحسنِ وَجْهٍ، وهي من الأخلاقِ المهمّةِ الّتي يجبُ أنْ يتَّصِفَ بها العاملُ، يقولُ نبيُّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُؤَكِّدًا على أهميَّةِ الأمانةِ: «لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» (مُسنَدُ أحمد، رقْم الحديث 12324، مجمعُ الزوائدِ ومنبعُ الفوائد للهيثمي، كتاب الإيمان، باب في كمال الإيمان، رقْم الحديث 187، مَوارِدُ الظَّمآنِ لابنِ حِبَّان، كتاب الإيمان، باب فيما يُخالِفُ كمالَ الإيمان، رقْم الحديث 47، والحديثُ سَنَدُه صحيحٌ، والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في صحيحِ الجامع برقْم7179 وصحيحِ الترغيب والترهيب 3004، وحَسَّنَه في مشكاةِ المصابيح برقم 35)، ويقول كذلك: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»(سُنَن التِّرمذي: كتاب البيوع، باب 38، رقْم الحديث 1264، سُنَن أبي داود، كتاب البيوع والإجارات، باب في الرَّجُلِ يأخذُ حقَّه مِن تحتِ يَدِه، رقْم الحديث 3535، مُستَدْرَكُ الحاكِم، كتاب، باب، رقم الحديث 2351 – 23522، وسَندُ الحديثِ: صحيحٌ لِغَيره)". ([6]).

المطلبُ السادِسُ: ترسيخُ مفهومِ الرِّساليَّةِ في العَملِ:

وبها أختمُ كلامي عن دَورِ الرقابةِ الذاتيةِ وفقَ التصوُّرِ الإسلاميِّ؛ وأعني بالرّساليَّة: أن يرتبطَ عملُ الإنسانِ في محيطِ العمل وبيئتِه بـ(مقاصدِ الشريعة الإسلامية وغايتِها التي جاءتْ لإصلاحِ أحوال الناس، وتحقيقِ انتظام معايشهِم بِما يُرضي اللهَ عزَّ و جلَّ). أن تكونَ للإنسانِ (غايةٌ نبيلةٌ وهَدفٌ مشروعٌ) يسعى لتجسيدِه من وراء العملِ الذي يُمارسُه؛ يستوي في ذلك أن يكونَ عملاً رسميَّاً أو غيرَ رسميٍّ، عملاً (فرديّاً أو جَماعيّاً أو مؤسساتيّاً).

هذا (الهدفُ أو الغايةُ) هو ما يُعطي الطابَع الرّساليَّ للعملِ في الإسلام الحنيفِ، ويَمِيِّزُ فيه بين العاملِ الرِّساليِّ مِن غَيرِه ممَّن (يَرَونَ العملَ مَيداناً للرِّبحِ والمضارَبة)، وربَّما مَرتعاً لتحقيقِ المصالِح الشخصيةِ الضيِّقةِ. وهذا إشكالٌ حقيقيٌّ يُعْرَضُ في العديدِ منَ (الأعمالِ والوظائفِ والمِهَن)؛ بسببِ (غيابِ الهدفِ الحقيقيِّ مِن وراءِ ممارَسةِ الإنسانِ العامل لِعَملِه ووظيفتِه ومهنتِه).

إنَّ الإسلامَ الحنيفَ يربطُ حياةَ الإنسانِ بميادينِها ومجالاتِها المتعدّدةِ بمقصدٍ شرعيٍّ كلِّيٍّ غايةٌ في الأهمِّيَّة يختصرُ مَقصِدَ الشارعِ الحكيمِ عزَّ و جلَّ من خَلْقِ الخَلْقِ: وهو عِبادته جلَّ وعلا؛ فيكونَ العملُ طريقاً لتكريسِ هذا المطلبِ الشرعيِّ المقاصديِّ المهمِّ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: الآية 86).

خاتِمةٌ (نَسألُ اللهَ تعالى حُسْنَها):

كنتيجةٍ لما تقدَّمَ يتَّضِحُ لنا أنّ التصوُّرَ الإسلاميَّ حولَ الرقابةِ الذاتيةِ من جهةٍ، وتأثيراتِها الإيجابيةِ في ميدانِ العمل، وما يرتبطُ به من تنميةٍ للمواردِ البشرية؛ يقومُ في الأساسِ على مبدأِ رَبْطِ الإنسانِ بالجانبِ (العَقَديِّ والأخلاقيِّ) لِلدِّينِ الإسلاميِّ؛ الذي يجعلُه في ارتباطٍ دائمٍ مع تعاليمِ الدِّينِ الإسلاميّ، و(ضَرورةِ استحضارِها في سُلوكيَّاته في نطاقِ العملِ وبيئتِه) فَضلاً عن سائرِ حياتِه بمشاهِدها المختلِفة.

هذا المنطلقُ (العَقَديُّ والأخلاقيُّ) هو الذي يصنعُ التميُّزَ في الجانبِ (المعاملاتيِّ والسُّلُوكيِّ والعَمليِّ) للفردِ المسلم المرتبطِ بعملٍ مُعيَّنٍ، مَهما كانت (طبيعةُ ونوعُ) عَملِه، ومَهما كان (مجالُه ونِطاقُه). والارتقاءُ بالفردِ المسلم في سُلوكِه (العمليِّ والمهنيِّ والوظيفيِّ) يبتدأُ قبلَ أيِّ شيءٍ بـ(تشجيعِه وتحفيزِه على التعامُلِ الإيجابيِّ والفعّالِ مع العمل وتحبيبه إليهِ)؛ حتّى لا يكونَ من أهلِ البطالةِ النابِذينَ للكسبِ الحلالِ والعملِ المشروعِ، الراغبينَ في القعودِ والكسلِ.

إذا دَخَلَ الفردُ المسلمُ مجالَ عَملٍ مُحدَّدٍ يتناسبُ مع مُؤهِّلاتِه وقُدراتِه (العِلمية والفِكرية والبَدنية)؛ يتعيّنُ عليه لِزاماً أن يلتزمَ تعاليمَ الإسلامِ الداعيةِ إلى الإتقانِ والإحسانِ والتحلِّي بأخلاقيَّاتِ العملِ ورِسالِيَّته، وأن يُراقِبَ في ذلكَ سُلوكَه أثناءَ العملِ مُستحضِراً أنّ اللهَ تعالى (يَرْقُبُه ويُراقِبُه) ويَرَاه وهو تعالى به عَليمٌ؛ حتّى يستشعِرَ أنّ عملَه عبادةٌ مأجورٌ عليها- لا ينالُ أجْرَها وثوابَها إلّا مَن سَعى فيها سَعيَها بِما يُرضِي اللهَ تعالى- فلا تكونُ بالنسبةِ إليه فُرصَةً لإضاعةِ الوقتِ، أو التكسُّبِ بها على وَجْهِ الخيانةِ والفساد.

إنَّ الرقابةَ الذاتيةَ وفقَ التصوُّرِ الإسلاميِّ تركِزُ على تجويدِ أداء العملِ و(تحسينهِ وإتقانهِ) من جهةِ المكلَّفِ به مَهما كان مركزُه الشرعيُّ والقانونيُّ -مديراً أم موظَّفاً، رئيساً أم مَرؤوساً، عامِلاً أم مُستخدماً..-، وإحداثِ (شُعورٍ داخليٍّ وإحساسٍ عميقٍ) تُجاهَ العملِ المنوطِ به وبالمسؤوليةِ الملقاةِ على عاتقِه.

إذاً: الغايةُ المهمَّةُ والهدفُ الأهمُّ من الرقابةِ الذاتيةِ -حسبَ التصوُرِ الإسلاميِّ- هو (تحقيقُ الجَودةِ المطلوبةِ في العملِ)؛ بِتَرْقِيةِ مستوى الأداءِ في ممارستِه وفقَ مُتطلَّباتِه الزمنيةِ-احترامِ ساعاتِ العملِ- ومُتطلَّباتِه المكانيَّة -احترامِ خُصوصيةِ محيطِ العملِ وطبيعتِه واختصاصِه بأداءِ عملٍ مُعيَّنٍ-. والمرجعُ والمستندُ في ذلكَ كُلِّهِ تعاليمُ الشريعةِ الإسلامية وأحكامُها.

ويبقى أنّ الرقابةَ الذاتيةَ مَشروطٌ نجاحُها وتحصيلُ ثمارِها باستحضارِ رقابةِ اللهِ تعالى بكلِّ (صِدقٍ وإخلاصٍ ووَرعٍ)؛ لأنها (الأصلُ والأُسُّ) الذي تُرَدُّ إليهِ ولا تنفكُّ عنهُ، وأنّها مطلوبةٌ في ميدانِ العملِ الإسلاميِّ بأنواعِه من أجلِ تنميةِ الإنسانِ والارتقاءِ به على نحوٍ يسمحُ بتنميةِ المواردِ البشريةِ، والارتقاءِ بالعنصرِ البشريِّ العاملِ.

وآخرُ دَعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِينَ، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا مُحمَّدٍ وعلى آلِه وصَحبِه وتابعيه وسلَّمَ وعَلَينا مَعهُمْ بِرَحمتِكَ يا أرحمَ الرَّاحِمينَ. أللهُمَّ آمينَ.

[1]- يُنظر: د: عبد الحقِّ حميش: إتقان العمل في الإسلام، موقع جريدة الخبر اليوميّ على الإنترنت: (www.elkhabar.com /ar/islamiyat/378099.html).

[2]- يُنظر: المرجِع نفسُه.

[3]- يُنظر: أبو العباس أحمد القرطبي: المُفهِم لِما أشكلَ مِن تلخيصِ كتابِ مُسلم، حقّقه وعلّق عليه وقدّم له: يُوسف علي بديوي وآخرون، دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع، دار الكَلِم الطيب للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، بيروت، ط 1، 1417 هـ - 1996 م، 5/ 240.

[4]- يُنظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، حققه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: د: أبو آلاء كمال علي علي الجمل، دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، ط 1، 1419 هـ - 1998 م، 1/ 315.

[5]- يُنظر: د:عبد الحق حميش: المرجع السابق، موقع جريدة الخبر اليومي (www.alkhabar.com /ar/islamiyat/378099.html).

[6]- يُنظر: د: عبد الحق حميش: المرجع السابق، موقع جريدة الخبر اليومي (www.alkhabar.com /ar/islamiyat/378099.html).

@ giem.kantakji 2016

المَبحثُ الثالثُ: الأهدافُ التي تحكمُ تدفُّقَ الاستثماراتِ الأجنبية:

إنَّ الدِّينَ الإسلاميّ دينٌ مُتكامِل لم يَتْرُكْ شيئاً إلّا وأعطاهُ حقَّه؛ فمِن ناحيةِ (الاستثمارات الأجنبية، وتنمية المال) فإنَّها محكومةٌ في الإسلامِ الحنيفِ وفقَ أهدافٍ مُحدَّدةٍ، يجبُ أن تَصحبَ مَعها الاستثماراتِ؛ ليكونَ وفقَ المنهجِ الإسلاميّ القويم، ومِن هذه الأهدافِ ما هو (شَرعيٌّ)، ومِنها ما هو (اقتصاديٌّ)، ومِنها ما هو (اجتماعيٌّ) وسيُوردُ الباحثُ كُلّاً على حِدَةٍ بالتفصِيل.

١. الأهدافُ الشرعيَّة:

وهي مِن أهمِّ الأهداف على الإطلاقِ وهي بمثابَةِ (الضابِط أو الحاسِم) على تدفُّقِ الاستثمارات؛ فهيَ أوَّلُ ما يُنْظَرُ إليه في الاستثماراتِ الأجنبية المتدفِّقة، وهي أهدافٌ معنويَّةٌ بشيءٍ ما، لها صِيغةٌ خاصَّة؛ فهي تكونُ (داخِلَ التكوينِ الأخلاقيّ للفردِ وضِمْنِ مُوجِّهاتِه للاستثمار)، وهي:

١- عدمُ الفصلِ بين ما هو مادِّيٌّ وما هو رُوحيٌّ:

إنّ الشِّعارَ الذي يُهيمِنُ على المجتمعِ كُلِّه ويربطُه بالقوَّة العُليا هو قولُه تعالى: " ورَحمَة رَبِّكَ خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعُونَ "(الزُّخرف: الآية ٣٢)؛ أيّ: أنّ المالَ ليس هدفَ الحياةِ، ولا ينبغي أن يشغلَ الإنسانَ عن رَبِّه؛ لأنَّهُ "ليسَ لك مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ"، أمّا ما زاد على ذلكَ فأنتَ مسؤولٌ عنهُ مِن أينَ اكْتَسَبْتَهُ ؟ وفِيما أنْفَقْتَهُ ؟ وأينَ وَضَعْتَهُ؟([1])؛ أيّ: أنَّ الإسلامَ الحنيف يجمعُ بين الجانبَينِ (الرُّوحيِّ والماديِّ) للفردِ والمجتمع؛ إلّا أنّ التنميةَ في الإسلامِ مرتبطةٌ ب(قِيَمِ وخُلُقِ وعَقائِد) الإسلامِ، وعلى أهدافٍ ترنو إلى تحقيقِها؛ لإحداثِ أقصَى دَرجةٍ من التقدُّمِ يعودُ بالنفعِ على المجتمعِ والجنس البشريِّ كُلِّه([2])؛ أيّ: أنّ تنميةَ المالِ واستثمارَه يجب أن لا يَستهدِفَ رُقِيَ الإنسانِ مادِّيّاً فحسبْ؛ وإنّما رُوحيَّاً بصفةٍ أساسيّةٍ.

والروحانيةُ في الإسلامِ الحنيفِ -ليس كما يتصوَّرُ البعضُ مسألةً ميتافيزيقيَّةً أو غيبيّةً)؛ إنّما هيَ العملُ الصالِح إيماناً باللهِ واعتِباراً أو مُراعاةً له تعالى؛ فالإسلامُ لا يَعرِفُ الفصلَ بين ما هو (مادِّيٌّ) وما هو (رُوحيٌّ)؛ فالعملُ الدُّنيويّ الذي يُباشِرُه الإنسانُ هو عملٌ أُخرويّ في نظرِ الإسلامِ طالَما أنَّه (مَشرُوعٌ)، وأنَّه يتَّجِه إلى المولى عزَّ وجلَّ قال تعالى: "وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعَبُدُونَ"( الذاريات: الآية ٥٦)؛ فالإسلامُ الحنيف باعِثُه في التنميةِ ليس الربح، ولا إهداءَ القائِمينَ، أو حاكِميه إلا (عُبوديّةَ وحاكميّةَ) اللهِ وَحدَهُ؛ فغايةُ التنميةِ الإسلامية هو الإسلامُ نَفْسُه لا تَسْتَبْعِدُه المادَّةُ- كما في الرأسماليةِ، ولا يستزِلُّهُ الغَيرُ كما في الاشتراكيةِ-؛ وإنَّما مُحرِّراً مُلْزِماً يَعْمُرُ الدُّنيا ويُحْيِيها بالعملِ الصالِح؛ ليكونَ بحقٍّ خليفتَه في أرضِه([3]).

٢- سلامةُ المعامَلاتِ شَرعيّاً:

إنَّ الخدماتِ وعناصرَ الإنتاجِ الداخلة في المشروع الاستثماريِّ يجبُ أن تكونَ (مشروعةً إسلاميّاً)؛ أيّ: (واقعةً في دائرةِ الحلال)، كذلك فإنَّ السِّلَعَ والخدماتِ التي يُنتِجُها أو يتعامَلُ فيها المشروعُ الاستثماريّ يَلْزَمُ أنْ تقعَ في دائرةِ الحلالِ، ليس هذا فقط؛ بلْ أنَّ العملياتِ (التشغيليةَ والتصنيفية والمعالجية) التي تتوسَّطُ (المدخلاتِ والمخْرَجاتِ)، ينبغي أن تكونَ هي الأُخْرَى حلالاً؛ فأساليبُ العملِ وطُرُقُ المعالَجةِ والتشغيلِ والإنتاج ينبغي أن تكونَ مَشْرُوعةً، وبذا فإنَّه يَحْرُمُ؛ وبالتالي لا يَقبلَ شَرْعاً أيّ مَشرُوعٍ استثماريٍّ (ينتجُ أو يتعاملُ) في السِّلَعِ المحرَّمة كـ(الخَمْرِ، ولحمِ الخِنْزير)، أو يُقَدِّمُ خَدماتٍ مُحَرَّمةً؛ كــ(الميْسرِ والقِمار)، أو يَستخدِمُ هذه السِّلَعَ والخَدماتِ المحرَّمةَ ليستْ من الطيِّباتِ التي أمرَ اللهُ تباركَ وتعالى بـ(تناولِها أو تداولِها)؛ وإنَّما هيَ مِن الخبائِث، قال اللهُ تعالى: " كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزْقَناكُمْ"(البقرة: الآية ٥٧)([4])، والإسلامُ الحنيفُ بتحريمِه لهذه المعامَلاتِ، ومنعِ الناس التعامُل بها ينظرُ إليها على أنَّها أعمالٌ ليستْ مُنتَجةً اقتِصادياً؛ لِذا لا يَصِحُّ للمُحتَكِرِ مَثلاً أنْ يحصلَ على دَخْلٍ؛ لأنَّه لم يُؤدِّ للمُجتَمعِ أيَّ نشاطٍ مَنتَجٍ وكذلك الغاشُّ والرَّاشي، ومعنى هذا أنّ الإسلامَ الحنيفَ (يَلْزِمُ ويُوجِّهُ) أن يكونَ الاستثمارُ في معنى أن يستغلَّ المالَ في نشاطٍ اقتصاديٍّ مُنتجٍ، فإذا ما مارسَ أحدٌ هذه المعامَلاتِ يكون مالُه حَراماً وهُو إثمٌّ وعلى ولي الأمرِ مُعاقَبتُه، أمَّا المعامَلاتِ التي أباحَها اللهُ للناسِ التعامُلَ بها؛ فهِيَ من الناحيةِ الاقتصادية تهدفُ إلى (ترشيدِ المعاملاتِ، واستِهدافِ الإنتاج)([5]).

٣- الحِفاظُ على تعميرِ الأرضِ خِطابٌ للفَردِ ولِولي الأمْر:

يسعَى الإسلامُ الحنيفُ إلى تعميرِ الأرضِ، ويكونُ ذلك بواسطةِ (التكامُلِ بين القُدراتِ الذاتية للأفراد والثروات الطبيعية المتنوعة)؛ بما يؤدِّي إلى (استخدامِ هذه النِّعَمِ، وإعمارِ الأرضِ) بأفضلِ الطُّرُق.

أيّ: أنَّ واجبَ عمارةِ الأرض وتثميرَ طيِّباتها عبارةٌ عن تكليفٍ قاصرٍ بأصحابِ القُدراتِ والمواهِب لِقَولِه تعالى:

"اللهُ أعْلَمُ حيثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ"(الأنعام: الآية ٢٤)، وما يَملِكُه الفردُ من مَواهِبَ وقُدُراتِ على العملِ والإنتاج تحكمُه على استثمارِ الموارد الطبيعية والثرواتِ الطبيعية، واللهُ مكَّنَ الأفرادَ مِن هذه الثرواتِ قال اللهُ تعالى: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ"(الأعراف: الآية ١٠)، والتمكينُ هو إقامةُ الأفرادِ في الأرضِ وسَيطرتِهم على مَوارِدها وقُدراتِهم على استِثمارها والأرضِ للبَشرِ جميعاً دونَ تضيقٍ واحتكارٍ مادامَ العملُ قائِماً؛ حيث جعلَ اللهُ لهُم فيها مَعايِشَ؛ أيّ: مكاسبَ وأسبابَ يَكسَبُونَ فيها ويَتَّجِرُون فيها([6]).

كما أنَّهُ أيضاً على ولي الأمْرِ في الدولةِ أن يقومَ بعمليَّاتِ الاستثمار اللازمة للمجتمع، قالَ اللهُ تعالى: " ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمْ التي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وارْزُقُوهُمْ فِيها واكْسُوهُمْ وقُولُوا لَهُمْ قَولاً مَعْرُوفاً "(النِّساء: الآية ٥)، فالإسلامُ الحنيفُ وَجَّهَ وليَ الأمرِ بأن يمنعَ السفيهَ مِن التصرُّفِ في استثمارِ مالهِ، وجعلَه مسؤولاً عن ذلكَ؛ فالخطابُ الموجَّهُ إلى الأُمَّةِ الإسلامِيَّة مُمثَّلَةً في ولي الأمْرِ بِخُصوصِ المالِ الخاصِّ لبعضِ أفراد المجتمع، نَجِدُ أنَّ الإسلامَ الحنيفَ يُضِيفُ المالَ الخاصَّ إلي الجماعةِ وهي تَبعثُ الحِسَّ وتنمِّي الشعورَ لدى المسلِم لدى الدولةِ الإسلامية بالمسؤولية المشتركة عن استثمارِ المال واستغلالِه والمحافَظةِ عليه؛ أيّ: أنَّ للدولةِ الحقَّ في (التوجيهِ أو التخطيطِ) لاستثمارِ المال، كما أنَّ مسؤوليةَ ولي الأمرِ تنبعُ من قولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "مَنْ ولَّاهُ اللهُ شَيئاً مِنْ أمْرِ المسْلِمِينَ فأحْتَجَبَ دُونَ حاجَتهِم وخلَّتِهِم وفَقْرِهِمْ احتجَبَ اللهُ دونُ حاجَتهِ وخلَّتِه وفَقْرِهِ يومَ القيامَة " (رواهُ أبو داودَ في سُنَنِه، كتابُ الخَراج والأمارة والفيء، بابٌ: فيما يلزمُ الإمامَ مِن أمْرِ الرعيَّةِ والحَجبَةِ عنهُ، ٨/٢٩٤٦، ص ١١٧)([7])،يُنقَلُ عن سيِّدِنا عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ "أنَّ اللهَ اسْتَخْلَفَنا على عِبادِه؛ لِنَسُدَّ جُوعَهُمْ، ونَسْتُرَ عَوْرَتَهُمْ، ونُوَفِّرَ لَهُمْ حِرْفَتَهُمْ"، كما يُنقَلُ عن سيِّدِنا عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجْهَهُ: "لِيَكُنْ نَظَرُكَ في عمارةِ الأرضِ أبلَغُ مِنْ نَظَرِكَ في استِجلابِ الخَراجِ"، ويُنقَلُ عن الإمامِ الماورديِّ: " أنَّ مسؤوليَّةَ الحاكِم عمارةُ البُلدانِ؛ باعتمادِ مَصالحِها، وتهذيبِ سُبُلِها ومَسالِكِها"([8]).

٢.الأهدافُ الاقتِصادِيَّةُ:

إنَّ الأهدافَ الاقتصادية هي التي تهدفُ إلى تنميةِ المال وزيادة أرباحِه وتحقيقِ أكبَرِ قَدْرٍ مِن العوائدِ؛ ولكنَّ ذلكَ لا يكونُ إلّا (وفْقَ الشروطِ الشرعية ودائرةِ الحلال والحرام ووفقَ توجيهاتِ الإسلام).

١- العدالةُ الاقتصادية: فقَد وضعَ الإسلامُ منهجَه لعمليةِ الاستثمار والذي يقومُ على ركائزَ مَتِينةٍ منها (العَدالة)؛ والعدالةُ- بِصُورتِها العامَّةِ- لا تخصُّ مُسْلِماً وتَستبِعدُ غيرَ مُسْلِمٍ؛ وإنّما هيَ كما قالَ اللهُ تعالى: " يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمُ شَنآنُ قَومٍ على ألا تَعْدِلُوا؛ اعدِلُوا هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى "

(المائدة: الآية ٨) فإنَّ كرامةَ المؤمِنينَ لقَومٍ ووجودَ حالةِ عِداءٍ معهُم لا يَحمِلهُم على الظُّلْمِ لَهُم والإضْرارِ بهِم؛ وإنّما يجبُ أن تكونَ العدالةُ التي استظلَّ بها كُلٌّ مِن (المسلِم والذِّمِّيِ)؛ فهُو هدفُ الإسلامِ السامي، تعاملُ المسلمِ مع غيرِ المسلِم في شتَّى أنواعِ المعامَلاتِ الاقتصادية وغَيرِ الاقتصادية، يقولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "ألَا مَنْ ظَلَمَ مُعاهِداً، أو كَلَّفَهُ فوقَ طاقَتهِ، أو انْتَقَصَهُ، أو أخَذَ مِنْهُ شَيئاً بِغَيرِ طِيبِ نَفْسِه؛ فأنا حَجِيجُه يومَ القِيامَةِ "

( أخْرَجَهُ أبو داودَ في سُنَنِه، كتابُ الخَراجِ والإمارةِ والفيءِ، بابٌ: في تعشيرِ أهلِ الذِّمَّة إذا اختلَفُوا بالتِّجاراتِ، ٨/٢١١).

٢- أهدافٌ اقتصاديَّةٌ عامَّةٌ:

وهيَ المفاهِيمُ العامَّةُ التي يجبُ أن تكونَ في عَقْلِ كُلِّ فَرْدٍ مُسْلِمٍ وغَيرِه؛ حتَّى يُحقِّقَ هَدَفَ الإسلامِ مِن وراءِ الاستثمارِ، وهذه الأهدافُ يُمكِنُ ذِكْرُها في:

أوّلاً: كفُّ الإنسانِ نَفْسَه وعِيالَه عن الاحتياجِ إلى غَيْرِه؛ فـ(اليدُ العُليا خَيْرٌ مِن اليدِ السُّفلَى) وقَد نهَى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن السُّؤالِ والتَّسَوُّلِ.

ثانياً: نَفْعُ عِبادِ اللهِ؛ وهو هدفٌ إنسانيٌّ نبيلٌ، قالَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "الخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيالُ اللهِ؛ وأحبُّهُمْ إليهِ أنْفَعُهُمِ لِعِيالِهِ".

وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "ما مِنْ مُسْلِمْ يَزْرَعُ زَرْعاً، أو يَغْرِسُ غَرْساً؛ فيأكُلُ مِنْهُ إنسانٌ، أو دابَّةٌ، أو طَيْرٌ إلّا كانَ لهُ بهِ صَدَقةٌ".

ثالِثاً: التَّمَتُّعُ بما أباحَ اللهُ التمتُّعَ بهِ مِن الخَيراتِ والثَّمراتِ، الطيبات الزائدة المشروعة، قال اللهُ تعالى: "يا أيُّها النَّاسُ كُلُوا مِمَّا في الأرْضِ حَلالاً طَيِّباً "(البقرة: الآية ١٦٧)، وقال للهُ تعالى:" يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ واشْكُرُوا للهِ إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ "(البقرة: الآية ١٧١)، وقولهُ تعالى: "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَةَ اللهِ التي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ الطَّيِّباتِ مِن الرِّزْقِ"(الأعراف: الآية ٣١) (١١–ص ٢٨)،وهُنا نَرَى أنَّ صَراحةَ الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الشريفةِ الدالَّةِ على الانتِفاعِ بِخَيراتِ اللهِ تباركَ وتعالى للفردِ والمجتمعِ في الوُجوهِ المشروعةِ، وعَدمِ الاتِّكالِ على غَير النفْسِ من الوسائلِ المذْمُومةِ مِثْلِ السُّؤالِ مِن أهمِّ الأهدافِ العامَّةِ التي يدعُو إليها الإسلامُ الحنيفُ، ويجعلُها مَناراً للطريقِ القويم في الاستِثمارِ ومَنهجاً واضِحاً يسلَمُ به الفردُ من الصِّفاتِ القبيحة (الاجتماعية والاقتصادية) كافَّةً؛ بلْ إنَّ هذه الأهدافَ العامَّة تدلُّ في عُمومِها أنَّها ليستْ (خاصَّةً أو مُخْتَصَرَةً) على الفردِ فحَسبْ؛ فإنَّ غيرَ المسلِم إذا وَضَعَها نُصْبَ عَينَيه ستكونُ له (الملاذَ والملجأَ) مِن كلِّ قبيحٍ؛ بلْ وسِراجاً يُنيرُ له الطريقَ الصحيحَ للاستِثمار، والأنفعَ (له ولِعيالِه ولمجتمعِه)،

إذنْ: هذهِ هي (سَماحةُ الإسلامِ الحنيفِ في مَنْهَجِه ودَيْدَنِه في ما يَرنُو إليه مِن أهدافٍ ساميةٍ).

٢-٣ أهداف اقتصادية أخرى:

وهي أهداف كثيرة نذكر منها:

أولاً: توجيهُ الاستثمارِ الى الضّرُوريات: يهدفُ الإسلامُ الحنيفُ إلى (توجيهِ الموارد الاقتصادية والبشرية) على مستوى الاقتصادِ القوميِّ والقطاعاتِ الأُخرى؛ لإنتاجِ السِّلَع والخدَمات ذاتِ الأُوْلَويَّةِ القُصوى للإنسانِ؛ حتّى لا يكونُ المالُ دُولةً بينَ الأغنياءِ([9])، والإسلامُ يَعتبِرُ شمولَ الاستثمارِ للنشاطاتِ الاقتصاديةِ الضرورية للمجتمع (فرضَ كفايةٍ)، يجبُ القيامُ بها لحاجةِ المجتمعِ إليها، وضَرورتِها في عمليةِ التنميَّة، ولِذا تُعطَى الأَوْلَويَّةُ في خَطِّ الاستِثمار هذه النشاطاتِ دونَ المشروعاتِ الثانوية التي يتحقَّقُ مِن جرَّاءها أرباحٌ كبيرة([10]).

ويكونُ الاستثمارُ أعلى ربحيةً مِن وُجْهَةِ النظرِ الإسلامية حين يُوجَّهُ إلى النشاطِ الاقتصاديِّ الأكثر ضرورةً على النقيضِ ِة تن عمَّا هُو عليهِ في النُّظُمِ الوضعيَّة التي تعتبرُ مِعيارَ الرِّبْحِ بمعناه المادِّيِّ والأنانيِّ في الاقتِصاد([11]).

ثانياً: الاستثمارُ يكونُ فِيما أحلَّ اللهُ: يلزمُ قيامُ النشاطِ الاقتصاديِّ على المستويَينِ (الفرديِّ والجَماعيِّ) على قاعدةِ الحلالِ؛ أيّ: أنْ تكونَ السِّلَعُ المنتجةُ والخدمات ممَّا تَسمَحُ الشريعةُ بإنتاجِها، وأن تكونَ المشاركةُ على أساسِ المشاركة في (الربح والخَسارة)؛ وليس على أساسِ الفوائد الرِّبوية الثابتة التي يُحرِّمُها القرآنُ الكريمُ وفقَ قاعدةِ "الغُنْمُ بِالغُرْم"([12])؛ فرأسُ المالِ يجبُ أن يُستخْدَمَ للمشاركةِ في الإنتاجِ الحقيقيِّ وفْقاً لِلصِّيغِ الإسلامية الشرعية للاستثمار، وعدمِ استخدامِه -كما سبَقَ ذِكْرُه- لمجرَّدِ العائد من المعاملاتِ المحرَّمةِ شَرعاً بأيِّ طريقةٍ من الطُّرُقِ كانت؛ فالإسلامُ الحنيفُ حرَّمَ بعضَ المعاملاتِ، وأباح التعامُلَ مع الأُخْرى([13]).

ثالثاً: التشغيلُ الكامِل لِرأسِ المال: ويكونُ ذلكَ بتوجيهِ كُلِّ المدْخَلاتِ للإنتاجِ والاستثمارِ؛ وقد كَفَلَ الإسلامُ الحنيفُ تحقيقَ هذا الهدفِ بـ(تحريمِ الاكتناز، وفَرْضِ الزكاة)، قالَ اللهُ تعالى: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيراً مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيأكُلُونَ أموالَ الناسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ ألِيمٍ*يَومَ يُحْمَى عَلَيها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وجُنُوبُهْمْ وظُهُورُهُمْ هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ"(التوبة: الآية ٣٤–٣٥)؛ حيث قرنَ بينَ الاكتِنازِ وأكْلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ في الآيةِ الكريمة، وما يتضمَّنُه مِن حُقوقٍ للجَماعةِ على المالِ الخاصِّ.

فهذا السياقُ يضع أساساً عقائدياً للتشغيل الكامل للعمل؛ حيث أنَّه (وفقَ المنهجِ الإسلاميِّ لا تُوجدُ رؤوسُ أموالٍ مُكْتَنَزَةٍ)؛ أي معطَّلةٍ، و(الاكتِناز هو جزءٌ من الادِّخارِ الذي لم يُوجَّهْ إلى الاستثمارِ)؛ إذنْ: إنَّ التزامَ المسلمِ يُوجِّهُ المالَ الذي يفيضُ عن الاستهلاكِ إلى الاستِثمار([14]).

رابعاً رفع كفاءة الأفراد: إن هدف تنمية العنصر البشريِّ لأهمِّيَّتِه في عمليةِ التنميةِ ضروريٌّ، ويتحقَّقُ ذلك مِن خلالِ تراكُمِ رأسِ المال الاجتماعيِّ الذي يشملُ كلَّ ما يُساهِمُ في تنميةِ الإنسان وقُدراتِه ورَفْعِ كفاءتِه الإنتاجية، وضمان حقِّ الكفاية من الدخل لِكُلِّ فردٍ من المجتمع وتوفير مشروعاتِ البِنية الأساسية في الدولة؛ مِن طرق مواصلاتٍ ومصادرَ طاقةٍ وشبكاتٍ وغيرِها من المشروعاتِ اللازمة للقِطاعاتِ الإنتاجية كافّةً([15]).

٣. الأهدافُ الاجتماعيةُ:

وهي الأهدافُ الرامية إلى تحقيقِ مصلحة المجتمع، وتجعلُ من مصلحةِ المجتمع أولَويّةً قبلَ مصلحةِ الأفراد؛ ممَّا يجعلُها المصلحةَ الأساسية قبلَ العائدِ والمصلحةِ الاقتصادية؛ فالمجتمعُ يُعتبَرُ هو الأساسَ والدافعَ لعمليةِ التنمية.

١- التعاونُ:

لا شكَّ أنَّ الإسلامَ الحنيفَ بمنهجِه المتكامِل الخاصِّ بالتعامُل بينِ أفراد المجتمعِ؛ والذي يُعَدُّ مِن (المبادئِ والأهداف) الإسلامية لكلِّ فَرْدٍ طالَما أنَّها في سبيلِ (الخير والحقِّ والعدالةِ)؛ فهُو خِطابُ اللهِ تعالى إلى المؤمِنينَ في علاقاتِهم مع بَني الإنسانِ قاطبةً في كلِّ ما (ينفعُ الناسَ، ويجلبُ الخيرَ، ويعودُ بالفائدةِ) على الأفرادِ والمجتمعات، قال اللهُ تعالى: "وتَعانُوا على البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعانُوا على الإثْمِ والعُدْوانِ"(المائدة: الآية 2)، ولا شكَّ أنّ التعاونَ لمصلحةِ التنمية هو تعاونٌ على البِرِّ وعلى الأمرِ المحمود الذي يأمرُ به الإسلامُ([16]).

٢- الاستثمارُ التنمويّ الشامِل

إنّ الهدفَ الأساسَ لأيِّ مُستَثمِرٍ هو تحقيقُ أكبرِ عائدٍ مُمكِنٍ أو ما يُسمَّى بـ(تعظيمِ الربحِ)؛ ولكنْ يهدفُ المنهجُ الإسلاميّ إلى تحقيقِ مكاسبَ للمجتمَع المسلِم وليسَ مجرَّدَ مكاسِبَ مادِّيَّةٍ قصيرةِ الأجلِ للمُستثمِر، فلا يُمكِنُ أن يكونَ الهدفُ الوحيد للمؤسَّساتِ الاستثمارية هو الربحُ المادِّيِّ فقط، فلا بُدَّ أن يكونَ الاستثمارُ استثماراً تنموياً يتصدَّى لقضيةِ التنمية بأبعادِها المختلفة،

ومِن هذه النظرةِ لا يكونُ هدفُ تنميةِ المجتمع مُتعارِضةً مع الربحِ المادِّيِّ للمُستثمِر؛ فـ(نَماءُ المالِ مطلوبٌ في المنهجِ الإسلاميّ للاستثمارِ)؛ لأنَّه يعكسُ مدى سلامةِ التخطيط والتنفيذ وهو ما يُعبَّرُ عنه بـ(الإتقانِ)، فيُمْكِنُ للمستثمِر أن يُوائِمَ بين تحقيقِ عائدٍ مُجْزٍ من استِثماراتِه، وتقديمِ خدماتٍ للمجتمعِ؛ بل وفي ظلِّ المنهجِ الإسلاميّ يجبُ التضحيةُ بجُزء ٍ من العائدِ حتَّى يُمكِنَ تقديمُ هذه الخدماتِ؛ فالمنهجُ الإسلاميّ للاستثمارِ يستهدفُ تعظيمَ الربحِ؛ باعتبارِه هدَفاً مَشرُوِعاً لأصحابِ رؤوس الأموال وباعتبارِه مِقياساً لنجاحِ المؤسَّسات الاستثمارية في أدائِها لوظيفتِها الاستثمارية، ويُنظِّمُ السعيَ نحوَ تحقيقِ الربح في المنهجِ الإسلاميِّ للاستثمار([17])؛ فالاستثمارُ في الإسلامِ له صِفةٌ عَقَدِيّةٌ مُستمَدَّةٌ من أحكامِ الشريعة الإسلامية وهي القُرآن الكريم والسُّنَّةِ المطهَّرةِ، ولا تستطيعُ أن تُخالِفَ ما جاء بهما من (تعليماتٍ وإرشاداتٍ)؛ إذنْ: فالتنميةُ الاقتصادية في الإسلامِ الحنيفِ جُزءٌ مِن مشكلةِ تنميةِ وبناءِ الإنسانِ فهي تسيرُ جَنباً إلى جَنْبٍ مع التنميةِ الاجتماعية؛ فهيَ تشملُ الجوانبَ (المادِّيَّة والرُّوحيَّة والخُلقيَّة)([18]).

٣- الفائدة الجَماعِيَّة:

يهدفُ الإسلامُ الحنيفُ مِن وراءِ الاستثماراتِ الأجنبية إلى (ضرورةِ تحرِّي مصلحةِ ومنفعةِ المسلمينَ العامَّة)، ويستشهدُ لذلكَ بما رواهُ أبو عُبيدةَ وغيرُه مِن أنَّ رَجُلاً بالبَصرةِ يُقالُ له نافعُ أبو عَبْدِ اللهِ- وكان أوَّلَ مَن افْتلَى الفَلا بالبَصرةِ- أتى سيِّدَنا عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنهُ فقال: "إنَّ بالبَصرةِ أرْضاً لَيْسَتْ بأرضِ الخَراجِ، ولا تضرُّ بأحدٍ مِن المسلمينَ"، وكتبَ أبو مُوسَى الأشعريُّ رضيَ اللهُ عنهُ: "إنْ كانتْ لا تضرُّ بأحدٍ مِن المسلِمينَ، وليستْ مِن أرضِ الخَراجِ فأقْطِعْها إيَّاه"([19])

إذنْ: فالإسلامُ الحنيفُ يهدفُ من وراء الاستثمار إلى العائدِ الاجتماعيِّ بصورةٍ عامَّة؛ أيّ: لا يكونُ الاستثمارُ هدفُه الأوَّل والأخيرُ هو الربحَ والفائدةَ؛ أيّ: لا يكونُ محكُوماً ببعضِ المتغيِّراتِ الضيِّقةِ ولا بالمكاسبِ الخاصَّةِ؛ بل يجبُ أن يهدفَ إلى الفائدةِ الجَماعيةِ للمجتمع([20]).

النتائجُ والتوصِياتُ

أوّلاً: النتائجُ:

استخْلَصَ الباحثُ مِن خلالِ البحثِ عِدَّةَ نتائجَ أهمّها:

١. أنّ استثمارَ المالِ في الاقتصاد الإسلاميّ يُعتبَرُ أمراً واجِباً أمرَ به القرآنُ الكريم والسُّنَّةُ المطهَّرة.

٢. إنّ التعاملَ مع غَيرِ المسلمينَ في مجالِ الاستثمار هو أمرٌ مُباحٌ شرعاً -وِفْقَ الضوابط الإسلامية-؛ والتي تُمكِّنُ الأجنبيَّ من استثمارِ أمواله في أرضِ المسلمين لينتفِعَ بها هُو والمجتمعُ الإسلاميّ.

٣. إنّ الإسلامَ وضعَ منهجاً واضحاً وطريقاً مضبوطاً للمستثمِر والمجتمع يُوصِلُ إلى التنميةِ الشاملة للطرَفينِ كليهِما.

٤. إنّ للاستثمارِ الأجنبي في الإسلام معاييرَ تحكمُ تدفُّقَ تلك الاستثماراتِ في أرضِ المسلمين؛ مِنها ما هو (شرعيٌّ واقتصاديٌّ واجتماعيٌّ) تُوصِلُ إلى تنميةٍ ورفاهٍ للجميع.

ثانياً: التوصياتُ:

يقترحُ الباحثُ عَدداً من التوصياتِ تتمثَّلُ في الآتي:

١. يجبُ على الحكوماتِ الإسلامية العملُ على تسهيلِ الخُطوات الإجرائية للاستثمار؛ حتّى تتماشى مع منهجِ الإسلامِ في ذلك.

٢. العملُ على توسيعِ التعامُل مع مَن يجلبُ الخيرَ والتنميةَ للبلادِ الإسلامية، ويجعلُ هذه البلادَ قويَّةً بنمائِها ورخائِها-؛ بشرط عدمِ المساسِ بمعتقَدات الأُمَّة ومناهجِها الأصيلةِ-.

٣. العملُ على توجيهِ الاستثمار إلى ضروريَّاتِ المجتمعِ؛ والتي مِن شأنها سدّ حاجةِ المسلمين منها.

٤. ضبطُ التعاملِ التجاريّ بالمنهجِ الإسلاميّ؛ حيث يكونُ التعاملُ في ما هو حلالٌ وبِطُرقٍ حلالٍ.

([1])عبد السميع المصري، مقومات الاقتصاد الإسلامي، ط 4، (مكتبة وهبة، القاهرة، 1990م)، ص12-13.

([2])صبحي عبده سعيد، التنظيم الاقتصادي الإسلامي،( دار النهضة العربية، 1997م )، ص163

([3])محمد شوقي الفنجري: المذهب الاقتصادي في الإسلام، ط 1، (شركة مكتبات عكاظ، الرياض، 1981م)، ص99.

([4])سامي عبد الرحمن قابل: (تقييم مشروعات الاستثمار من منظور إسلامي والمستثمر المسلم لا يتعامل في السلع المُحرَّمة، ويرفض سيادةَ المستهلك)، مجلة الاقتصاد الإسلامي، الحلقة الثانية، العدد 142، ص56.

([5])رفعت السيد العوض: في الاقتصاد الإسلامي المرتكزات التوزيع الاستثمار النظام المالي، ط 1، (رئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية، قطر، شعبان 1310هـ، ص97-106.

([6])أميرة عبد اللطيف مشهور: الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي، ط 1، (مكتبة مدبولي، القاهرة، مصر، 1991م،ص49).

([7]) رفعت السيد العوض: مصدر سابق، ص107-111.

([8]) شوقي دنيا: الإسلام والتنمية الاقتصادية، دار الفكر العربي، ص230-232.

([9])آدم حبيب: (المبادئ الأساسية لإدارة المال في الإسلام)، مجلة المصارف، العدد الأول، 2002م، ص29-30.

([10]) أميرة عبد اللطيف مشهور: مصدر سابق، ص47-49.

([11]) رفعت السيد العوض: مصدر سابق، ص97-106.

([12]) آدم حبيب: مصدر سابق، ص29-30.

([13])أميرة عبد اللطيف مشهور: مصدر سابق،ص47.

([14])رفعت السيد العوض: مصدر سابق، ص97-106.

([15])أميرة عبد اللطيف مشهور: مصدر سابق، ص49.

([16])محمد الشحات الجندي: قواعد التنمية الاقتصادية في القانون الدولي والفقه الإسلامي، (دار النهضة العربية، القاهرة، 1985)، ص70-71

([17])أحمد محي الدين أحمد حسن: عمل شركات الاستثمار الإسلامية في السوق العالمية، ط 1، (بنك البركة الإسلامي للاستثمار، البحرين، 1986م )، ص59-63.

([18])على حافظ منصور: مبادئ الاقتصاد الوضعي ومن منظور إسلامي، 1992م، ص255-257.

([19])محمد محمد سيد أحمد عامر: البديل الشرعي لمصادر التمويل الدولي المعاصر في العلم الإسلامي،ط 1، (ظافر للطباعة، القاهرة، 1999م )،ص211.

([20])محمد عمر شابرا: نحو نظام نقدي عادل، دراسة للنقود والمصارف والسياسة النقدية في ضوء الإسلام، ترجمة سيد محمد سكر، مراجعة رفيق المصري، (دار التبشير للنشر والتوزيع، 1990م )،

@ giem.kantakji 2016

الصفحة 1 من 50

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy