جدبد
الثلاثاء, 17 كانون2/يناير 2017 17:12

رحيل رائد الصيرفة الإسلامية ... محمد الفيصل

بوفاة الأمير محمد بن فيصل بن عبدالعزيز السبت الماضي، تنطوي صفحة مهمة في تاريخ الصيرفة الإسلامية، التي شهدت ولا تزال تشهد تنامياً وتوسعاً كبيرين في العالم، بعد أن كسبت ثقة العملاء والمستثمرين. ففي الوقت الذي كانت فيه التجربة غير مشجعة، ومحفوفة بالمخاطر، لمح الفيصل الفرص الواسعة والواثقة من الخطو باتجاه التوسع في هذا المجال. و«بنك فيصل الإسلامي» الذي تنتشر فروعه في عدد كبير من العواصم العالمية تجسيد واضح لعقلية الفيصل، التي توسمت النجاح وكسبت الرهان في هذا المضمار.
بدأت الفكرة تتبلور منذ عام 1974، إذ ظهرت فكرة إنشاء مصرف يتوافق مع الشريعة الإسلامية، وقطع الأمير فيصل مسافات وهو يحمل حقيبة أفكاره وطموحاته لتأسيس كيان اقتصادي يعمل وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، ويكون نموذجاً جديداً للصيرفة الإسلامية.
وبالفعل انطلق العمل ببنك فيصل الإسلامي المصري، الذي يُعد أول مصرف تجارى إسلامي مصري، وافتتح أبوابه للعمل رسمياً واستقبل عملاءه في الخامس من تموز (يوليو) 1979، وكان بذلك فاتحة للصيرفة الإسلامية في العالم أجمع.
كان المصرف، ومن ورائه الفيصل وبقية شركائه في المهمة، يبحث في ما هو أبعد من مجرد الربح، عن تنمية المجتمع، وعن رفع قدرته الاقتصادية بوصفها رافعة النهضة المتكاملة، عبر عدد من التقنيات المبتكرة والمطورة من عمق التقنين الاقتصادي الإسلامي، الذي يراعي الجماعة بما لا يهضم الفرد ولا يضيمه، وبذلك يكون المصرف مؤسسة اجتماعية وتنموية أكثر منه كياناً جشعاً يميل إلى مالكيه وكانزيه على حساب مجتمعهم.
وأقر المصرف منذ تأسيسه عدداً من الخدمات الاجتماعية التي طبعت طريقة عمله ومعمار كيانه، ومنها «صندوق الزكاة» الذي يعتبر أحد الأجهزة الرئيسة ببنك فيصل الإسلامي المصري وأحد سماته الحضارية، ومنها أداء الزكاة الواجبة شرعاً على أموال المصرف (المساهمين).
وفى جانب المصارف، وكما يبذل القائمون على الصندوق الجهود لتنمية موارده عاماً بعد عام، فإن جهودهم في توجيه هذه الموارد تفوق بكثير الاهتمام بتنمية الموارد، بهدف وصول أموال الزكاة إلى مستحقيها دون سواهم.
كما استحدث المصرف «نظام الحسابات الخيرية» ليكفل لجمهور المسلمين تحقق أمرين أساسيين؛ أولهما ضمان توافر دخل مستمر يوجه لأوجه البر والخير، وثانيهما إعمال أسلوب ميسر للصدقة الجارية.
ويمنح المصرف قروضاً حسنة لذوى الحاجة والذين يعانون من ظروف طارئة، وتُرد هذه القروض دون زيادة على قيمتها. ولا تقتصر أنشطة المصرف على المجالات المصرفية والمالية والجانب الاجتماعى فقط، بل تمتد تلك الأنشطة لتشمل مجالاً حيوياً آخر، ألا وهو الأنشطة الثقافية، والمصرف يعطى عناية فائقة لدعم وإثراء ونشر الفكر الاقتصادى الإسلامي بصفة عامة، والمصرفى بصفة خاصة.
وفى سبيل تحقيق هذا الهدف قام المصرف، من خلال مكتبته التي تحوي أهم الكتب والمراجع والدوريات العلمية الحديثة في مختلف فروع العلم، بنشر المعرفة بين العاملين به، فضلاً عن تقديم كل التسهيلات للباحثين والدارسين من معظم دول العالم ومن المعاهد العلمية المختلفة وذلك في مجالات الاقتصاد والمصارف الإسلامية. وتلك هي المسؤوليات الأخلاقية التي حركت في قلب الفيصل الأشواق للمضي في التأسيس لتجربة الصيرفة الإسلامية والانطلاق بها في حقل من المترددين، قبل أن تستوي على سوقها وتعجب الزراع ويتهافت الناس من بعده على تقفي أثره وتتبع السنّة التي فاز بالسبق إليها. وألهب النجاح حماسة الأمير الفيصل، وبعد أن شق الطريق الصعب في أوله بنجاح واقتدار، شرع في توسيع الفكرة ومد أثرها في كل مكان، وترجم ذلك عبر عدد من الشركات والتجارب الاقتصاديك العملاقة، وقد حملت جميعها طابعاً إسلامياً أصيلاً يشبه ذلك الإيمان الذي يغزو صدره ويستحوذ على تفكيره بنجاعة التجربة وأنها تستحق المغامرة. إذ أسس الأمير محمد الفيصل شركة دار المال الإسلامي، وهي الشركة الأم لنحو 55 مصرفاً وشركة استثمار في مختلف أنحاء العالم، ومصرف فيصل الإسلامي في البحرين، وبنك فيصل في السودان، وبنك فيصل المحدود في باكستان، والشركة الإسلامية للاستثمار الخليجي - الذراع الاستثمارية النشطة للمجموعة - وشركة سوليديرتي للتكافل بالبحرين، ولها فروع عدة في جميع أنحاء العالم.
لم يتوقف الدور الريادي للفيصل عند هذا الحد، فهو بالترامن مع نجاحاته الاقتصادية، قدم لبلده، الذي يعيش العطش مع الوقت ويهدده الجفاف، فكرته التي أصبحت تروي ظمأ البلاد وتبدد هجيرها، إذ اقترح بعد دراسته في الولايات المتحدة، إيجاد حل لمشكلة المياه المالحة في السعودية، حيث قام بزيارة بعض محطات تحلية المياه الخاصة، وعلى إثرها استورد الفكرة لينقلها إلى الداخل من خلال لجنة كونها والده الراحل الملك فيصل بن عبدالعزيز (رحمه الله) نتج منها إقرار مشروع تحلية مياه البحر.
وبالفعل تم إقرار المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة ونصب الفيصل على رأسها وبدأت تمد المملكة بنمير الحياة، وأسهمت في توسع المدن السعودية واستيعاب حاجاتها وتنمية مواردها المائية. في حي الكنداسة بمدينة جدة - الذي نال اسمه بعد انتشال آلة تعمل بالفحم الحجري لتقطير بخار الماء من إحدى السفن المتحطمة ونصبت على شاطئ جدة وسميت «الكنداسة» اشتقاقاً من اسمها اللاتيني (condenser) وتعني المكثف.
كان يسكن الفيصل في بيت مستأجر مع والده، هناك شرب الماء أول مرة تتويجاً لفكرته وابتكاره الذي أصبح اليوم يمد المملكة يما يقارب 70 في المئة من حاجات المملكة من المياه، وتتصدّر السعودية دول العالم في موضوع تحلية المياه، إذ قامت بإنشاء 27 محطّة لتحلية المياه، وسعتها التخزينيّة وصلت الى 797 متر مكعب من الماء العذب. كما تولى الفيصل عدداً من المناصب الاستشارية والإدارية التي تصب في إطار اهتماماته واشتغالاته، ومنها رئيس الاتحاد العالمي للمدارس العربية الإسلامية الدولية، وهو منظمة عالمية تمثل المدارس التي تتولى نشر الثقافة العربية الإسلامية في داخل العالم الإسلامي وخارجه، والتي تنضم لهذا الاتحاد، لتنمية التعاون في ما بينها على أداء رسالتها السامية في نشر ثقافة الإسلام وعلومه، وتيسير أسباب تعلم اللغة العربية في جميع أنحاء العالم.
وقبل ذلك تولى عدداً من المناصب الحكومية، يعضده في ذلك تجربة عائلته التي تميز كل فرد منها في مجاله وأصبحت علامة ظاهرة في سمائه، كسعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الأقدم، وقد رحل قبل شهور ونعاه محمد الفيصل بتفاني روحه في خدمة الوطن، وتركي الفيصل الذي عمل رئيساً للاستخبارات السعودية مدة طويلة، وإلى جانب عدد من الحقائب الدبلوماسية، وأصبح صوته الآن يشكل ثقلاً في الأوساط الغربية ومراكز الدراسات وصنع القرار العالمي، وخالد الفيصل، الذي يتولى إمارة العاصمة المقدسة وصاحب تجربة وطنية محلية مبرزة.
وللفيصل ثلاثة أبناء من زوجته ابنة عبدالرحمن عزام باشا أول أمين عام لجامعة الدول العربية، وله سجل حافل من الإنجازات الاجتماعية والمبادرات الوطنية، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ التنمية الاجتماعية والنهضة الثقافية للبلاد ومواطنيها، إذ أنشأ الأمير «جائزة محمد الفيصل لدراسات الاقتصاد الإسلامي» برئاسة ابنه الأمير عمرو، في كلية الأمير سلطان للإدارة، التابعة لجامعة الفيصل، وخصصت الجائزة للطلاب في مراحل ما قبل الدكتوراه، كما رعى في نفس الكلية نادي الفيصل الثقافي.

مدارس تجمع بين التعليم والتربية
< أنشأ الأمير محمد الفيصل مدارس المنارات، التي تميزت بالجمع بين التعليم والتربية على أسس حديثة، مع المحافظة على الأصالة، وانتشرت المدارس في نسختيها العربية والأجنبية في مختلف أنحاء السعودية، حتى بلغ عدد طلابها 18 ألف طالب وطالبة.
وبعد وفاة والده الملك فيصل بن عبدالعزيز عام 1975، شارك الأمير محمد مع إخوانه في إقامة مؤسسة الملك فيصل الخيرية، التي يتبع لها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وجامعة الفيصل، وجامعة عفت، وجائزة الملك فيصل.
وللمؤسسة التي وضع لها عند تأسيسها رأس مال يقدر ببليون ريال، عدد من المشاريع الخيرية والعلمية والتعليمية داخل وخارج البلاد.

أفاد رئيس الخزانة للمجموعة في «بيت التمويل الكويتي» (بيتك) عبد الوهاب عيسى الرشود، أن حجم تداولات مجموعة «بيتك» في سوق الصكوك، بلغ نحو 11.4 مليار دولار عام 2016.

وقال إن هذا الحجم من التداولات يعتبر إنجازاً يضاف لسجلات «بيتك»، كمتداول رئيسي وصانع سوق على المستويين الإقليمي والعالمي.

وأضاف الرشود أن «بيتك» استطاع بفضل ريادته في سوق الصكوك، أن يحقق انتشاراً كبيراً وتطوراً ملحوظاً في عام 2016، بحيث تم تحفيز عدد من المؤسسات المالية الإسلامية والتقليدية لدخول السوق والمشاركة في التداول.

ولفت إلى تمكن «بيتك» في 2016 من الاستحواذ على حصة موثرة، من تداولات السوق الثانوي للصكوك قصيرة الأجل الصادرة من مؤسسة إدارة السيولة الاسلامية الدولية (IILM)، والتسويق لها على المستويين المحلي والعالمي، باعتباره متداولاً رئيسياً معتمداً من قبل المؤسسة.

ولفت إلى أن هذه التداولات تساهم في تعزيز السيولة ودعم الاسواق المالية الإسلامية، حيث ان نشاط الصكوك يتناسب طردياً مع حجم التمويل الإسلامي، ويثبت دعائمه بما يتماشى مع هوية «بيتك» وريادته.

وأفاد الرشود أن جهود «بيتك» أصبحت أكثر تركيزاً على تنسيق الأعمال على مستوى المجموعة، بما يعزز مكانته الرائدة في سوق الصكوك، وكفاءته العالية ودوره الكبير في تنشيط سوق الصكوك، خصوصاً أن مجموعة «بيتك» تنتشر على بقع جغرافية متنوعة لها وزنها في سوق الصكوك كماليزيا وتركيا والبحرين، الأمر الذي من شأنه ان يرسخ مكانته المتميزة، ويجعل منه مرجعاً يزخر بتاريخ حافل في تداولات الصكوك وصناعة الصيرفة الإسلامية بشكل عام.

ولفت إلى أن منتج الصكوك أصبح أداة تمويلية استثمارية مهمة ذات مخاطر منخفضة، تساهم بشكل فعّال في مواجهة ازمات السيولة كونها سهلة التسييل، وتتمتع بسوق ثانوي نشط وبمرونة عالية وعوائد جيدة.

وأكد أن أداة الصكوك تشكل منفذاً استثمارياً للبنوك، وأداة فعالة لإدارة السيولة المالية، بما يتماشى مع متطلبات نسب السيولة المطلوبة من قبل البنوك المركزية، بالإضافة إلى تعزيزها لنمو أرباح المساهمين والمودعين.

ولفت الرشود إلى أن الصكوك تعد قناة تمويلية مهمة، تستخدمها الحكومات والشركات والمؤسسات، لتوفير السيولة اللازمة لتمويل مشروعاتها، فضلاً عن مساهمتها بدفع عجلة النمو الاقتصادي للدول المصدرة لها.

وأشاد بتوجه العديد من الحكومات من مختلف أنحاء العالم، لإصدار صكوك سيادية لمواجهة العجز في الميزانيات.

من جانبها، أشادت مؤسسة إدارة السيولة الاسلامية الدولية (IILM)، بمساهمات «بيتك» في إصدارات المؤسسة، مثمنة الأداء القوي والحرفية في تسويق الإصدارات، ولافتة إلى أن البنك حقق العديد من الأرقام القياسية في المشاركة في إصدارات متنوعة من إصدارات المؤسسة، من حيث حجم التداول وعملية التسويق.
© Al- Rai 2017

تتخذ خطوات متلاحقة نحو تطبيق الصيرفة الإسلامية في قطاعها المالي والمصرفي، في خطوة لتنويع الاقتصاد وجذب الخليج العربي، فضلا عن تقليل الاعتماد على الغرب، إلا أن ثمة عقبات ما تزال تحول دون انتشار هذه النوعية من المعاملات المالية.
ويستعد "سبيربنك" وهو أكبر المصارف الروسية، لإجراء أول صفقة للصيرفة الإسلامية في جمهورية تتارستان ذات الأغلبية المسلمة، في الوقت الذي تتولى فيه مجموعة عمل بالمصرف وضع تصور لتقديم خدمات مصرفية إسلامية لعملائه.
وبحسب الموقع المصرفي "بانكي.رو"، ينظر "سبيربنك" للصيرفة الإسلامية كنموذج بديل للخدمات البنكية بعد أن أظهر صموداً أكبر في مواجهة تذبذبات الأسواق ونقص السيولة بأسواق المال الدولية.
ويهدف الاختبار في تتارستان إلى طرح خدمة تتطابق مع أحكام التمويل الإسلامي، دون أن تتعارض مع القانون الروسي في آن واحد.

وفي حال نجاح الاختبار، يعتزم "سبيربنك" مزاولة هذا النشاط في أقاليم أخرى في روسيا والتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية وجذب من دول الخليج العربي.
وليس "سبيربنك" أول مؤسسة مالية في يحاول ممارسة الصيرفة الإسلامية، إذ افتتح في مدينة قازان عاصمة جمهورية تتارستان في مارس/آذار الماضي، أول مركز إسلامي للخدمات المصرفية، أُطلق عليه اسم "مركز صيرفة الشراكة"، ليقدم خدمات وفقا لتقاليد بلدان منظمة المؤتمر الإسلامي للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين بصرف النظر عن ديانتهم.

ويوضح المركز في نبذة نشرها على موقعه الإلكتروني، أن "صيرفة الشراكة تقدم نوعا بديلاً من الخدمات المالية وفقا لمبادئ التمويل المستخدمة على نطاق واسع في بلدان جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط"، مشيرا إلى أن أهم خصائص هي "التخلي عن فائدة الربا وعن إجراء عمليات عالية المخاطر وصفقات غامضة".
كما يقدم بنك موسكو الصناعي، الذي يملك مستثمرون شيشانيون حصة هامة في أسهمه، خدمة إصدار نوعين من البطاقات المصرفية الإسلامية، أحدهما للاستخدام اليومي والآخر للحجاج، مع العلم أن نحو 16 ألفا من مسلمي روسيا أدوا فريضة الحج في العام الماضي 2016، وذلك مقابل 12 ألفا في عام 2015.

وقالت مصدر مسؤول في مصرف موسكو الصناعي لـ "العربي الجديد"، إن البطاقات الإسلامية تصدر للحسابات الجارية، وهي بذلك خالية تماما من الربا، كما يتعهد المصرف بعدم توظيف الودائع في معاملات عالية المخاطر، بل يخصص نسبة من قيمة مشتريات العملاء لأعمال خيرية.
وأكد المسؤول الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنه "لا يتم استثمار وديعة العميل بهدف حصول على فوائد أو تمويل أنشطة تتعارض مع الشريعة الإسلامية".

ويقدر عدد المسلمين في روسيا بنحو 20 مليون نسمة، وأظهر استطلاع للرأي أجرته الوكالة الوطنية للبحوث المالية، أن 12% من مسلمي روسيا مستعدون للجوء إلى خدمات الصيرفة الإسلامية، بينما يقول 69% إنهم ليسوا على اطلاع على هذه الخدمات ما يجعلهم لا يقبلون عليها.
وعلاوة على ذلك، لا يزال غياب قوانين تنظم نشاط الصيرفة الإسلامية، عائقا أمام تقديم خدماتها على نطاق واسع في روسيا، وذلك على عكس جمهوريات سوفييتية سابقة أخرى مثل كازاخستان وطاجيكستان وقرغيزيا وأذربيجان، حيث جرى أو يجري تبني قوانين خاصة بتنظيم الصيرفة الإسلامية.

ولعل هذا ما دفع الروسي في العام الماضي إلى اعتماد خريطة الطريق لـ"تطوير صيرفة الشراكة والخدمات المالية المتعلقة بها" لعامي 2016 و2017.
وتقتضي هذه الخطة الارتقاء بالتعاون مع الدول والمؤسسات الأجنبية في تحقيق مشاريع وبرامج تجريبية في هذا المجال، والنظر في ضرورة تعديل بعض القوانين.
وكانت نقاشات حول تأسيس نظام ، بدأت تجري في روسيا منذ فرض الدول الغربية عقوبات على موسكو بسبب الأزمة الأوكرانية في أعقاب انفصال شبه جزيرة القرم وانضمامها إلى روسيا عام 2014، ما دفع السلطات الروسية للبحث عن مصادر بديلة للحصول على تمويل.

وبحسب وسائل إعلام روسية، فإن أموال المصارف الإسلامية، قد تصبح بديلاً عن سوق رؤوس الأموال الأوروبية، في الوقت الذي يتعرض فيه قسم من سوق المال الروسية الغربية.

 

@ bwabtk 2017

الجزائر – تحاول الجزائر عبر جهازها المصرفي استعادة سيطرتها الكاملة على النقد الأجنبي في البلاد وتعزيز السيولة والاستثمارات عبر القنوات الرسمية بعيدا عن السوق السوداء التي تستحوذ على مليارات الدولارات.

ويأتي هذا التوجه في ظل أزمة اقتصادية حادة تمر بها البلاد جراء تراجع عائداتها النفطية التي تشكل أكثر من 90 بالمئة من إجمالي إيراداتها، نظرا لاستمرار تدهور أسعار النفط للعام الثالث على التوالي.

ويقول اقتصاديون إن السوق السوداء التي يلجأ إليها المتعاملون لأسباب من أهمها تقديم أسعار صرف أفضل من السوق الرسمية وعدم تعاملها بنظام الفوائد، تستحوذ على نحو 40 بالمئة من إجمالي الأموال في السوق.

لكن آخرين يقولون إن خطة الجزائر تأتي لمنافسة المغرب الذي أتاح رسميا، مع مطلع العام الجاري، العمل بالصيرفة الإسلامية في البلاد لتعزيز وتطوير وتنويع القطاع المالي، وكذلك تونس التي بدأت منذ سنوات بالعمل بهذه الخدمة.

وأعلنت الحكومة مؤخرا، أنها ستطلق منتجات للصيرفة الإسلامية دون فوائد عبر البنوك الحكومية وذلك للمرة الأولى، في خطوة تهدف إلى استقطاب أموال ضخمة متداولة حاليا في السوق الموازية.

وكشف وزير المالية الجزائري، حاجي بابا عمي، الشهر الماضي، أن التفكير جار مع البنوك لطرح منتجات مصرفية ومالية دون فوائد. وقال إن "العملية يمكن أن يرافقها أيضا إطلاق عملية اقتراض في شكل سندات خزانة لكن من دون أي فوائد".

ويرجح خبراء اقتصاد أن تستحوذ البنوك الإسلامية على حوالي 2 بالمئة من رأسمال القطاع المصرفي في الجزائر، وهي نسبة ضئيلة بالمقارنة مع دول الجوار.

وتعمل في الجزائر 29 مؤسسة مصرفية، منها 7 بنوك حكومية، وأكثر من 20 مصرفا أجنبيا من دول الخليج على وجه الخصوص، وأخرى فرنسية وواحدة بريطانية.

واقتصرت الصيرفة الإسلامية في البنوك المعتمدة في الجزائر على بنوك خليجية بالدرجة الأولى، على غرار فرع الجزائر لمجموعة "البركة" البحرينية وفرع بنك الخليج الجزائر الكويتي، وبنك السلام الإماراتي.

وتشمل خدمات الصيرفة الإسلامية في السابق تمويلات لشراء عقارات وسيارات ومواد استهلاكية، فضلا عن تمويل مشاريع استثمارية صغيرة بمبالغ محدودة.

وسبق للحكومة الجزائرية أن أطلقت في أبريل الماضي، عملية اقتراض داخلية في شكل سندات خزانة بنسب فوائد فاقت 5 بالمئة لتغطية عجز الموازنة، لكن غالبية الجزائريين تجنبوا العملية بسبب الفوائد.

ونسبت وكالة الأناضول للرئيس التنفيذي لبنك التنمية المحلية الحكومي محمد كريم، قوله إن "مسعى السلطات يستهدف جلب كتل مالية من السوق الموازية، وجعل التداول يتم في قنوات رسمية".

وأضاف أن طرح المنتجات الإسلامية يهدف إلى جلب المواطنين المتـرددين في الانخـراط فـي منتجات مـاليـة بهـا فـوائـد، مـن خـلال تـوفير بـدائل لهـم تكـون مـن دون فـوائد.

ويرى وزير الاستشراف الجزائري السابق، بشير مصيطفي، أن الهدف من توجه السلطات نحو الصيرفة الإسلامية، هو تصحيح السياسة النقدية وتوحيدها في نفس الوقت، موضحا أن هذا الإجراء يكمن في استقطاب السيولة النقدية العائمة من السوق الموازية.

وقدر قيمة السوق الموازية في الجزائر بقرابة 40 مليار دولار، معتبرا أن هذا الرقم ينافس حجم الأموال المتداولة عبر القنوات الرسمية في البنوك، التي تصل إلى 66 مليار دولار. وقال إن دخول تلك الأموال الهائلة إلى البنوك والقنوات الرسمية يمكن أن يعزز الاستثمار.

وبرر الوزير السابق تداول السيولة النقدية خارج القنوات الرسمية بوجود فوائد ربوية، وهي بذلك عائق أمام جلب هذه الكتلة المالية نحو البنوك، وكذلك أمام خروجها كقروض.

وقال إن "الفوائد عائق والناس تتهرب منها وترفض إيداع أموالها في البنوك"، مشيرا إلى أن خروج الأموال من البنوك كقروض يدفع المواطنين إلى تفادي إيداع الأموال في المصارف.

وتواجه البنوك الإسلامية في الجزائر مصاعب في العمل والتوسع نظرا لعدم اعتماد قانون القرض والنقد في تعاملاتها، إلا أن الخبير الإقتصادي الجزائري يعتقد أن إقرار نظام الصيرفة الإسلامية سيدفع إلى الأمام نشاط الادخار والاقتراض على مستوى البنوك.

وتحت ضغط الأزمة النفطية وتراجع مداخيل البلاد من النقد الأجنبي، أعلن وزير المالية في أكتوبر الماضي، أن السلطات تعتزم إطلاق عملة اقتراض داخلية ثانية بنسب فوائد مغرية، لاستقطاب الأموال من السوق الموازية.

ووافق الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، مطلع ديسمبرالماضي، على قرار للحصول على قرض من البنك الأفريقي للتنمية بقيمة مليار دولار لتمويل برامج الطاقة، وذلك للمرة الأولى منذ التسعينات.

وكشف رئيس الوزراء عبدالمالك سلال مؤخرا، أن احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي تراجع في ظرف ثلاث سنوات بنحو 76 مليار دولار، ليصل إلى 114 مليار دولار بنهاية العام الماضي.

@ alarab 2017

أصبحت الأبناك الإسلامية حقيقة واقعية في معظم البلدان الغربية والإسلامية، كما امتد نشاطها إلى معظم أنحاء العالم لأزيد من 60 بلداً، أي ما يقارب ثلث دول العالم؛ وأصبح لهذا القطاع كيانه المستقل وشخصيته المتميزة وقواعده العلمية الخاصة به، مما أهله لاحتلال مكانة متقدمة على صعيد الاقتصاد العالمي، جعلته يلعب دورا أساسيا في الحياة الاقتصادية، وذلك من خلال استقطابه للمدخرات وتوجيهها لاستثمارات تصب مباشرة في مشاريع التنمية، إضافة إلى دوره التضامني والاجتماعي التنموي وما يقدمه من خدمات بنكية حسب الفئات والحالات.

أهمية ونجاعة الأبناك الاسلامية أو "التشاركية" على المستوى العالمي

ما يؤكد على أهمية تعاملات الأبناك الإسلامية على مستوى العالم، ارتفاع عدد المؤسسات المالية الإسلامية واتساع انتشارها الجغرافي. فقد بلغ عددها أزيد من 2000 مؤسسة، فيها أبناك إسلامية، ونوافذ للخدمات البنكية الإسلامية في البنوك التقليدية، وشركات التكافل ومؤسسات مالية إسلامية أخرى، مثل شركات التمويل والاستثمار.

وما يعزز مكانة ونجاعة التمويل الاسلامي على مستوى العالم، تنامي حجم أصول واستثمارات الأبناك الاسلامية، والتي بلغت 2,4 ترليون دولار سنة 2015 وتجاوزت هذا الرقم في سنة 2016، وحسب تقرير المؤتمر العالمي الأول للمصرفية والمالية الاسلامية الذي نظمنه جامعة أم القرى في مارس 2016، يُتوقع أن يصل حجم هذه الأصول المالية إلى 3.4 تريليون دولار في نهاية العام 2018، وهو ما يمثل 1,5% من إجمالي الأصول العالمية، بمعدلات نمو تتراوح بين 15 و20% سنويا؛

علاوة على ذلك، عرفت قيمة الصكوك الإسلامية المُصدرة كأدوات دين، ارتفاعات مستمرة وثابتة لتصل إلى قيمتها إلى أزيد من 300 مليار دولار، وأيضاً تجاوز قيمة الأصول الاستثمارية، التي تديرها الصناديق الاستثمارية الإسلامية على مستوى العالم بأكثر من 75 مليار دولار، وكذلك ارتفاع حجم قطاع التأمين التعاوني مبلغ 20 مليار دولار.

الفرق بين التمويل الإسلامي والتمويل التقليدي

من بين أهم العوامل التي ساعدت على انتشار تعاملات الأبناك الإسلامية عالميا، صلابة المبادئ والركائز الأساسية التي يقوم عليها التمويل الإسلامي، والتي تتجلى في: أولا، تحريم التعامل بالفائدة أو الربا، أخدا وعطاءا. هذا التحريم اتفقت عليه جميع الأديان السماوية ومُعظم أعلام الاقتصادي، واعتبروه الخطأ الأساسي في النظام النقدي والنظام المالي الحالي. ثانيا، التشارك في المخاطر والربح والخسارة، وهذا مستند إلى قاعدة "الغُرْمُ بالغُنْم" المستمدة من قوله ص " الخراج بالضمان " أي أن المرء يستحق الربح عندما يتحمل مسؤولية مخاطر الخسارة على أساس رأس المال الموجود والجهد المبذول. ثالثا، تحريم بيع الغرر، وهو بيع غير المملوك وغير المعلوم، وبصفة عامة كل ما هو خداع أو عدم تأكد أو تظليل فهو غرر. ربعا، الوضوح والشفافية وقدسية عقود التمويل بأركانها الثلاثة الصيغة ومحل العقد والعاقدان. خامسا، ارتباط التمويل الإسلامي بحركية التجارة الحقيقية أو بصفة عامة بالنشاط الاقتصادي الحقيقي، أخذا بعين الاعتبار أولويات المجتمع الاجتماعية والاقتصادية بدءا بالضروريات والحاجيات والتحسينيات .سادسا، تحقيق التكافل والتماسك الاجتماعي لتخفيف التفاوت والهوة بين الأغنياء والفقراء، لهذا فهو يوفر خدمات للمحتاجين من الناس كالقرض الحسن بالإضافة إلى الهبات والتبرعات الخيرية. سابعا، استثمار الأموال في مشاريع تتوافق مع الشريعة وتجلب المنفعة والفائدة للمجتمع.

آفاق الأبناك التشاركية في المغرب

حسب دراسة سابقة قامت بها وكالة "تومسون رويترز" بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية، والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، حول التمويل الإسلامي بالمغرب: أعرب 98% من المغاربة عن اهتمامهم بالمنتجات المصرفية الإسلامية، 84% منهم عبروا عن أملهم في أن تكون هذه المنتجات أقل تكلفة من تلك التي تقدمها البنوك التقليدية. ورجح التقرير أن تبلغ قيمة الأصول الإسلامية في المغرب نحو 8,6 مليار دولار بحلول عام 2018، أي ما يعادل 9% من مجموع الناتج الداخلي الاجمالي. بالإضافة إلى وجود أعداد كبيرة من المغربة تصل إلى %70 تُفضل عدم التعامل مع البنوك التقليدية لاعتبارات شرعية. هذه المعطيات تؤكد الآفاق الواعدة للمالية الإسلامية في المغرب.

علاوة على ذلك، كان من فوائد تأخر المغرب في اطلاق الأبناك التشاركية، استفادته من جل التجارب الناجحة والفاشلة في هذا المجال، وتبنى أفضلها والتي تتناسب مع السياق المغربي، وجعله يضع قواعد وأسس متينة لصناعة المالية الاسلامية بشكل عام وللأبناك بشكل خاص.

أهمية الشراكة بين المؤسسات الاسلامية الاجنبية ونظيراتها التقليدية

هناك سؤال يُطرح وبشدة حول السبب وراء رفض الدولة لدخول الأبناك الإسلامية الأجنبية لوحدها إلى السوق المغربية . والجواب هو أن المغرب، أراد الحفاظ على مصالح البنوك المغربية حتى لا تنهار بسبب فقدان أعداد كبيرة من عملائها، بالإضافة إلى سعيه لتحقيق التوازن بين الأبناك المغربية والأبناك الأجنبية العاملة في المالية الإسلامية، ولهذا دفعت الدولة الأبناك المحلية إلى عقد شراكات مع المؤسسات الخارجية، وهو ما يفسر دخول القرض العقاري والسياحي في شراكة مع بنك قطر الدولي الإسلامي، والبنك المغربي للتجارة الخارجية لإفريقيا مع المجموعة السعودية البحرينية دلة البركة، والبنك الشعبي المركزي مع المجموعة السعودية غايدنس، والقرض الفلاحي للمغرب مع المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص التابعة للبنك الإسلامية للتنمية. ستمكن هذه الشراكات المغرب من استقطاب رؤوس أموال كبيرة ودائمة من الدول الخليجية، بالإضافة إلى الاستفادة من خبرة هذه الدول في مجال الصيرفة الإسلامية.

تحديات وأولويات الأبناك التشاركية في المغرب

من أهم التحديات التي يمكن أن تؤثر قليلة على انطلاقة الأبناك التشاركية، الصورة السلبية التي أُخذت عنها بسبب فشل التجربة السابقة ل"المنتجات البديلة" والتي تركت انطباعا سيئا لدى المغاربة عن المنتجات المالية الإسلامية، إضافة إلى ارتفاع كلفتها مقارنة بالأبناك التقليدية، كما أن الغالية تعتقد على أن الأبناك الإسلامية هي أبناك ربحية تجارية بامتياز، لأنها تعتمد في معاملاتها على منتج واحد هو منتج المرابحة على حساب المنتجات التمويلية الأخرى كالمشاركة والمضاربة. وعلى هذا الأساس، ولتفادي سوء الفهم هذا (سوءا المتعمد أو البريء)، وجبة مواكبة خروج الأبناك الاسلامية بحملة إعلامية واضحة ومُبسطةـ تُصَحح الصورة السيئة عن التمويل والأبناك التشاركية وتوضح قواعده ووظائفه ومنتوجاته المالية، وتشير إلى دور هيئة الرقابة الشرعية. ثانيا، ينبغي مراعاة تكلفة معقولة للخدمات التشاركية المقدمة تراعي شروط التنافسية والمنافسة مع نظيراتها التقليدية. ثالثا، من الضروري أن تعتمد هذه الأبناك التشاركية على اعتماد الصيغ التمويلية التشاركية، والتي ستساهم في تمويل المشاريع الاستثمارية وتقديم حلول مالية لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعاني من مشاكل التمويل. رابعا، التركيز على يوفر خدمات للمحتاجين من الناس كالقرض الحسن بالإضافة إلى الهبات والتبرعات الخيرية وإخراج صندوق الزكاة للوجود.

هذا ما سيربحه المغرب والمغاربة من الأبناك التشاركية؟

حسب دراسة أعدها الدكتور البشير عدي حول الأبناك التشاركية في المغرب، ستساهم هذه الأخيرة في: أولا، جذب المدخرات المحلية المعطلة والتي تقدر بملايير الدراهم، وهو ما سيرفع نسبة "الاستبناك" بنسبة تقارب ضعف النسبة الحالية. ثانيا، اجتذاب أموال المواطنين المغاربة بالخارج المتعاملين مع المؤسسات غير الربوية والمودعة بالمؤسسات المصرفية الغربية، والتي تقدر كذلك بملايير الدراهم (بلغت سنة 2011 حوالي 38 مليار درهم حسب تصريحات مدير مكتب الصرف). ثالثا، استقطاب الأموال الخليجية التي تبحث عن أسواق آمنة متعاملة للاستثمار وفق الصيغ الشرعية والتي تقدرها بعض الإحصائيات ب400 مليار دولار. رابعا، إيجاد صيغ تمويلية للقطاعات غير المهيكلة التي لا توفر لها الصيغ المعمول بها حاليا في البنوك التقليدية آليات تمويل مشاريعها، متمثلة بالإضافة للمشاركة والمضاربة والمرابحة والإجارة، في السلم والاستصناع والمغارسة والمزارعة. خامسا، المساهمة في تنويع الاستثمارات في مختلف المجالات الصناعية والحرفية والفلاحية، وتشجيع المشاريع الإنتاجية المحلية للتخفيف من آثار عجز الميزان التجاري، وتشجيع التشغيل الذاتي وبالتالي إدماج موارد وطاقات بشرية مهمة في سوق الشغل بما يخفف من أزمة البطالة. سادسا، تقديم حلول لبعض المشاكل التي تعاني منها العديد من الأسر المغربية، وعلى رأسها مشكل السكن، وذلك من خلال قروض المرابحة العقارية، مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات إيجابية على المستوى الاجتماعي.

هذه الايجابيات والمنافع المتعددة، ستنعش النشاط التجاري والاقتصادي في بلادنا، وستمكنه من تنويع تعاملاته وشركائه، وبالتالي تحريك عجلة التنمية، بالإضافة إلى تعزيز مكانة المغرب الاستراتيجية عالميا، حيث سيتحول إلى قطب مالي ووسيط استثماري مركز مالي عالمي بين الدول الأوروبية ودول الخليج والدول الافريقية (بحكم موقعه الجيواستراتيجي، وحضوره الوازن في افريقيا...)، مما سيؤثر إيجابا على التقدم الاقتصادي المغربي، وتخفيف أعباء الديون الخارجية، وفك الارتهان بالدول والمنظمات الدولية، ولا شك سيقوي الطرح المغربي بخصوص قضية وحدته الترابية.

خاتمة

بالإضافة إلى ما ذكرناه من منافع اقتصادية وديبلوماسية وسياسية للأبناك التشاركية على المغرب، فإن أهم دور لها والذي لا ينبغي أن ننساه ونُغفله في خطابنا هو مساهمتها ماديا ومعنويا في حماية المجتمع وتحقيق التكافل والتماسك الاجتماعي وعدالة توزيع الثروة، وهو لب وجوهر الاختلاف بين التمويل الإسلامي والتمويل التقليدي، وهو القيمة المضافة للنظام المالي المغربي الذي يحتاج لمثل هذا التمويل لخلق ثروة وتنمية اقتصادية شاملة مرتبطة بتنمية اجتماعية دائمة.

@ hespress 2017

(رويترز) - قالت مصادر مطلعة اليوم الأربعاء إن بنك دبي الإسلامي طلب من بنوك تقديم مقترحات بشأن ترتيب إصدار قياسي محتمل لصكوك بالدولار الأمريكي.

وقالت المصادر إن الإصدار المزمع سيكون بالحجم القياسي والذي عادة ما يعني أكثر من 500 مليون دولار مضيفة أن طلب تقديم الاقتراحات أُرسل قبل أيام قليلة. ولم يتسن الاتصال على الفور بمتحدثة باسم بنك دبي الإسلامي للحصول على تعليق.

وينضم المصرف الإسلامي بذلك لعدد من البنوك في منطقة الخليج تخطط لجمع تمويل من خلال طرح أدوات دين في الأسواق العالمية من أجل تحسين السيولة لديها بعد تضررها جراء هبوط أسعار النفط.
ومن بين تلك البنوك الخليج الدولي البحريني ووربة الكويتي اللذين عينا في الأسابيع الأخيرة الماضية بنوكا لإصدار سندات تقليدية وصكوك.

وآخر إصدار لصكوك من بنك دبي الإسلامي كان بقيمة 500 مليون دولار لأجل خمس سنوات في مارس آذار الماضي بسعر فائدة 3.6 بالمئة. وكان إصدار السندات المدرج في سوق دبي المالي وفي بورصة ايرلندا جزءا من برنامج صكوك بقيمة 2.5 مليار دولار.
كما أن هناك إصدارا للبنك بقيمة 300 مليون دولار أوشك على الاستحقاق وطرحه المصرف في 2012 من خلال وحدة "تمويل" التابعة له ومقرها دبي والمتخصصة في الرهن العقاري المتوافق مع الشريعة الإسلامية. وسعر الفائدة على ذلك الإصدار 5.15 بالمئة.

ودبي الإسلامي حاصل على تصنيف Baa1 من وكالة موديز وتصنيف A من وكالة فيتش.

(رويترز) - قال بنك قطر الدولي الإسلامي ثالث أكبر مصرف إسلامي مدرج في البلاد من حيث الأصول اليوم الخميس إنه تلقى موافقة على فتح بنك في المغرب بالاشتراك مع بنك القرض العقاري والسياحي المغربي.

وقال بنك قطر الدولي الإسلامي في بيان للبورصة إنه يعمل مع بنك القرض العقاري والسياحي المغربي "للحصول على رخصة التشغيل والموافقات من الجهات الرقابية والتنظيمية في دولة قطر والمملكة المغربية."

ووافق بنك المغرب المركزي على خمسة طلبات لفتح بنوك إسلامية في البلاد ومن بينها عرض من بنك القرض العقاري والسياحي المغربي في الثالث من يناير كانون الأول.

الجمعة, 06 كانون2/يناير 2017 09:05

نظرات حول مشكلة الفقر

الفقرُ مشكلة تتفشى في كل العالم بنسب متفاوتة، وله آثار سالبة على صحة الناس، وتعليمهم، وفكرهم، ودينهم، فضلًا عن الصحة النفسية، لا سيما إذا انعدم الوازع الديني، وقد جعله الله تعالى امتحانًا للعباد، يبلوهم به؛ إذ لو بسَط لهم الرزق لبغَوْا في الأرض، وجعل علاجه - تخفيفًا واستئصالًا - في كتابه الذي أنزله تبيانًا لكل شيء.
وقد أقرَّ الإسلام بمشكلة الفقر بحكمة الله تعالى، ثم وضَع لها علاجًا يحاصرها؛ درءًا لخطر الفقر على العقيدة والأخلاق والسلوك، وصيانةً للمجتمع، وعملًا على استقراره وتماسكه؛ فأوجب تحقيقَ الحياة اللائقة لكل فرد؛ بتوفير الحاجات المعيشية الأساسية - على أقل تقدير - من الأكل، والشرب، واللبس، وآلة الحرفة، وكتب العلم، والزواج؛ ليُعِينه ذلك على أداء فرائض الله سبحانه، ثم مجابهة أعباء الحياة، ولا يجوز أن يعيش أحد - ولو كان ذميًّا - في مجتمع مسلم جائعًا أو عاريًا أو مشردًا؛ لذا نجد أن الإسلام - من خلال نصوص القرآن والسنَّة - له تصوره المتميز لهذه القضية؛ حيث يعتبر الفقرَ مصيبةً وآفة خطيرة يجب التعوُّذ منها ومحاربتها، وأنه سبب لمصائبَ أخرى أشد وأنكى، ويُنكِر النظرة التقديسية الجبرية للفقر والحرمان، ويحث على الدعاء بطلب الغنى؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم دعاؤه: ((اللهم إني أسألك الهُدى والتُّقى، والعفاف والغنى))[1]، واعتبر الإسلامُ الغنى بعد الفقر نعمةً يمتن الله بها على عباده؛ قال تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 8]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 4]، وجعَل الرزقَ الوفير ثمرة يرغب بها مَن يأتي الصالحاتِ؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 96]، وفي الحديث يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أحبَّ أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثَرِه، فليصِلْ رحِمَه))[2]، وجعل الحرمانَ والحاجة نتيجة يرهب بها مَن اجترح السيئات؛ يقول تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وإن الرجلَ ليُحرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه))[3]، وجعل الغنيَّ المنفِق أحد اثنين تُمدَح غبطتهم؛ حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله مالًا، فسلَّطه على هلَكتِه في الحق ...))[4].

وهذا التصوُّر والعلاج ليس مجرد مبادئَ نظرية بعيدة عن صلاحيتها للواقع، بل إن المسلمين قد طبَّقوها وأقاموها في مجتمعاتهم، فحصل ما تكلم عنه التاريخ في عهد خلافة الإمام العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله.
يقول الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: "كان منادي عمرَ ينادي كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟"[5]، وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي: "قال عمر بن أسيد: والله ما مات عمرُ حتى جعل الرجلُ يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرَحُ حتى يرجع بماله كله، وقد أغنى عمرُ الناسَ"[6].
وبالتتبُّع نجد أن كلمة الفقر بتصريفاتها المختلفة وردت في ثلاثة عشر موضعًا من كتاب الله عز وجل، في سورتين مكيتين، وثماني سور مدنية، ولعل ذلك يشير إلى أن المسلمين في المدينة كانوا أشد فقرًا منهم في مكةَ؛ لأنهم لما هاجروا تركوا أموالهم تضحية من أجل اللحاق بأرض الإسلام[7].
كما أن في القرآن الكريم كلماتٍ مترادفة ذات دلالة مشتركة تفيد معنى الفقر، وبينها فروق دلالية؛ مثل: الخَصاصة، والعَيْلة، والإملاق، والبائس، والقانع، والمُعتَر، والمسكين.

إن الإسلام بمنظومته العقائدية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، يهدف للقضاء على الفقر، فكما يعاني العالم اليوم من مشكلة الفقر فإنه قد عانى قديمًا، فكان الحل النبوي لهذه المشكلة حلًّا عمليًّا متدرجًا، مبنيًّا على تعاليم الإسلام وأحكامه، وتُعَد نظرةُ الإسلام إلى مشكلة الفقر ومنهجيته في معالجتها من أنجح الطرق والأساليب في ذلك؛ حيث يدرك ذلك المطَّلِع على حقيقة الإسلام، وما جاء به من تعاليم ومبادئ لتعطي الأحكام وتبني التصورات ليس على الشكل الظاهري للأمور فحسب، بل تمتد إلى عمقها، فتعالج القضايا من جذورها بشمولية وتكامل واتزان؛ ولأجل ذلك تميز الإسلامُ عن غيره بعمق المعالجة، وشمولية النظرة وتكاملها، واتزان الطرح.

ومن الوسائل المادية التي استُخدمت في كتاب الله تعالى لعلاج مشكلة الفقر:
السعي والأخذ بالأسباب؛ قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15]؛ فالعمل يُعَدُّ السلاحَ الأول لمحاربة الفقر، والسبب الأول في جلب الثروة، والعنصر الأول في عمارة الأرض؛ لذا يحث الإسلامُ على العمل المنتج الحلال، ويعتبره خير وسيلة للكسب، فيقول الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: 10]، فضلًا عن كثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي تحثُّ على العمل، منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل مِن عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكلُ مِن عمل يده))[8]، فبدأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بتشجيع الناس على مزاولة الأعمال، وبعض المِهَن والصناعات، كما كان يفعل الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوةَ الحسنة في هذا الشأن؛ حيث كان يرعى الغنم، ويزاول التجارة بأموال خديجة رضي الله عنها قبل بعثته؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بعَث الله نبيًّا إلا رعى الغنم))، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: ((نعم، كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهلِ مكةَ))[9].

وكانت نظرتُه صلى الله عليه وسلم للعمل نظرةَ تقديرٍ واحترام، مهما كانت طبيعتُه؛ فإنه خيرٌ مِن سؤال الناس؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((لأن يأخُذَ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه: خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطَوْه أو منعُوه))[10].
وتتفرَّد النظرة النبوية للعمل كذلك بأنها تربط بين العمل وثواب الله في الآخرة، وحرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الربا؛ لِمَا له من مضارَّ على فقراء المجتمع؛ فهو يعوق التنمية، ويسبب التخلُّف، ويَزيد الفقير فقرًا؛ مما يؤدي إلى الهلاك؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجتنِبوا السبعَ الموبقات))، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله... وأكل الربا...)) [11].

وسيرةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تطبيقًا عمليًّا لهذه المبادئ والقيم، التي تعمل على حلِّ مشكلة الفقر.
التكافُلُ والتعاون:
إذا ضاقت الحال، ولم يجد الإنسان عملًا، وأصبح فقيرًا محتاجًا، فعلاج الإسلام حينئذ لهذه المشكلة هو أن يكفل الأغنياء الموسِرون أقاربهم الفقراء؛ وذلك لِما بينهم من الرحم والقرابة، وقد وصفه الله بأنه حقٌّ من الحقوق الواجبة بين الأقارب، فقال تعالى: ﴿ فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾ [الروم: 38]، وهذا ما أشار إليه الشيخ السعدي - رحمه الله - فقال: أي: فأعطِ القريب منك - على حسب قربه وحاجته - حقه الذي أوجبه الشارع أو حضَّ عليه من النفقة الواجبة، والصدقة، والهدية، والبِر، والسلام، والإكرام، والعفو عن زلَّته، والمسامحة عن هفوته، وكذلك ﴿ آتِ ﴾ المسكين الذي أسكنه الفقر والحاجة ما تُزيل به حاجته، وتدفع به ضرورته؛ من إطعامه وسَقْيِه وكسوته[12].
وقد شجَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاريعَ الاقتصادية التعاونية بين المسلمين؛ فحثَّهم على المزارعة، كما فعل الأنصار مع إخوانهم المهاجرين الفقراء، الذين قدموا على المدينة بلا مال؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، فقال: ((لا))، فقالوا: تكفونا المؤنة، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا[13].

ثم تأتي السيرة النبوية خيرَ تطبيق لهذا الحق، وترتب أولويات التكافل لدى كل مسلم؛ فعن جابر أنه قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دبرٍ[14]، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ألك مالٌ غيره؟))، فقال: لا، فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبدالله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها رسولُ الله فدفعها إليه، ثم قال: ((ابدَأْ بنفسِك فتصدق عليها، فإن فضَل شيءٌ فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيءٌ فلذي قرابتك، فإن فضَل عن ذي قرابتك شيءٌ، فهكذا وهكذا))، يقول: فبين يديك وعن يمينك وعن شِمالك[15].

الحقوق الواجبة في الأموال:
وإذا عجز الأقارب الأغنياء عن سد حاجة الفقراء جاء دور المجتمع كله، متمثلًا في بعض الحقوق المالية التي فرضها الله للفقراء من أموال الأغنياء، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها مقصورةً على الفقير الذي لا يستطيع العمل والكسب؛ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تحِلُّ الصدقة لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سويٍّ))[16]، بهذا لم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمتبطِّل كسول حقًّا في الصدقات؛ ليدفعَ القادرين إلى العمل والكسب، ومِن أهم هذه الحقوق:
الزكاة:
قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60]، ونجد أن القرآنَ الكريم استمر في العهد المكي وبداية العهد المدني يحُضُّ المسلمين بأساليب مختلفة على الإنفاق في سبيل الله وسد حاجة الفقراء، دون تحديد لنوع المال المنفَق أو المقادير، وكانت نفوسُهم تطمح إلى تحديد تلك النفقة، وبيان شروطها ونصابها؛ يقول الله عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 215].
ثم شُرعت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة؛ وفاءً بحاجة المحتاجين، وتحقيقًا لمصالح المجتمع، وهي ركنٌ من أركان الإسلام، تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، يثاب مؤديها، ويُقاتَل مانعها بخلًا، ويكفُرُ جاحدها، وهي مورد مالي ضخم، ووسيلة مِن أهمِّ وسائل علاج مشكلة الفقر.

الكفَّارات:
مِن الحقوق المالية التي فرضها الله تعالى الكفَّارات، فرَضها على المخالفين لبعض الأحكام الشرعية؛ تكفيرًا لتلك المخالفة؛ جاء في كتاب المجتمع المتكافِل في الإسلام: الكفَّارة عقوبة قدَّرها الشارع عند ارتكاب مخالفة لأوامر الله تعالى في حالات خاصة، وهي حق لله؛ تكفيرًا للذنب الذي ارتكبه المسلم، وعقوبة وزجرًا لغيره[17].
والكفَّارات بهذا وسيلة من وسائل علاج مشكلة الفقر في الشريعة الإسلامية، وهي أنواع، منها: كفارة اليمين المنعقِدة إذا حنَث الحالف، وكفارة الظِّهار، وكفارة التمتع بالعمرة إلى الحج، وكفارة قتل الصيد للمحرِم، والفِدية لمن شق عليه صوم رمضان.

الحقوق غير الواجبة في الأموال:
إذا عجَزت الزكاة فإن الخزانة العامة للدولة المسلمة بكافة مواردها تكون هي الحلَّ لمعالجة مشكلة الفقر، والموئل لكل فقير وذي حاجة، مسلمًا كان أو ذميًّا، وخير شاهد على ذلك مِن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يفعلُه مع أهل الصُّفة.
وإذا بقِيَ فقيرٌ لا يستطيع العمل، وجب على المجتمع أن يخرج الصدقات ابتغاءَ مرضاة الله وثوابه، وهذه مزيَّة تميَّز بها الإسلام عن غيره من المعالجات البشرية للمشكلة.
وبهذه القِيَم يظل المجتمع متماسكَ البنيان، ومتوازن الأركان، ولا تنهشه أمراض الحقد والحسد، والنظر إلى ما في أيدي الآخرين، فكان الإسلام ناجحًا في إيجاد الحلول العملية والواقعية لمشكلة الفقر، ولعل هذه الطريقةَ الفريدة الفذَّة في علاج مثل هذه المشكلة مِن أبلغ الأدلة على نبوته صلى الله عليه وسلم، وعلى أن المنهجَ الذي أتى به ليس منهجًا بشريًّا بحال، إنما هو من وحيِ الله العليم الخبير.

ولتحقيق هذا الهدفِ شرَع الله تعالى حقوقًا غير واجبة في الأموال، وما يزال المسلم المعتزُّ بدِينه المحقِّق لمعنى التكاتف والتعاون والتراحم يتتبع مواطن الحاجة والفقر عند إخوانه المسلمين، ليسُدَّها عبر هذه الحقوق، ومنها إجمالًا:
الصدقات غير الواجبة، والهِبات، وكفالة الأغنياء لأقاربهم الفقراء، وكفالة اليتيم، والوقف، وغير ذلك، وقد أجملت القول في هذه الأخيرة اكتفاءً بالإشارة إليها، ولدخولها في الوسائل السابقة.
وقبل هذه المعالجات المادية ينبغي على المسلم استحضارُ بعض الأمور المعنوية الإيمانية لمجابهة الفقر، منها: أن التخويف بالفقر وسيلةٌ شيطانية لإضعاف المجتمع المسلم؛ قال تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268].
فقابل اللهُ وعدَ الشيطانِ الكاذب بوعودٍ صادقة لمن قوِيَ يقينُه بالله؛ فالوعد بالفقر من الشيطان محارَبٌ ومدفوع بالوعد من الله الواسع العليم بالفضل، والدعوة إلى الفحشاء منه مقابَلةٌ بالوعد بالمغفرة لمن تعفَّف وسارع بالتوبة، وقد سبق التحذيرُ من الشيطان وكيده؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 5، 6].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].
ومنها: أن نعلَمَ يقينًا أن الله هو القابضُ الباسط؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245]، وقال عز وجل: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، والبَسْط والقَبْض لا شكَّ أنه بحكمةٍ ومقدار؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [الشورى: 27، 28].

ومنها: أن الأرزاقَ كتبها الله تعالى، ولن يفارق أحدٌ الحياةَ قبل أن يأخذ ما كتبه اللهُ له؛ فالمؤمنُ مطالَب أن يحيَا بكرامة وعزةِ نفسٍ في طلب الرزق؛ ففي حديثِ أبي أمامة رضي الله عنه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن رُوحَ القدس نفَث في رُوعي: أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فاتقوا اللهَ وأجمِلوا في الطلب، ولا يحمِلَن أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن اللهَ تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته))؛ رواه أبو نعيم في حلية الأولياء، وصححه الألباني.
قال المناوي: (أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها) الذي كتبه لها المَلَكُ وهي في بطن أمها، فلا وجهَ للوَلَهِ والتعب والحرص والنصَب إلا عن شكٍّ في الوعد، (وتستوعب رزقها) كذلك؛ فإنه سبحانه وتعالى قسم الرزق وقدره لكل أحد بحسب إرادته، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يَزيد ولا ينقص، بحسَب علمه القديم الأزلي؛ ولهذا سُئل حكيمٌ عن الرزق فقال: إن قُسِم فلا تعجَل، وإن لم يُقسَم فلا تتعب، (فاتقوا الله)؛ أي: ثِقُوا بضمانه، لكنه أمرنا تعبُّدًا بطلبه مِن حِلِّه؛ فلهذا قال: (وأجمِلوا في الطلب) بأن تطلبوه بالطُّرق الجميلة المُحلَّلة، بغير كدٍّ ولا حرص، ولا تهافت على الحرام والشبهات، (ولا يحمِلَن أحدَكم استبطاءُ الرزق)؛ أي: حصوله (أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن اللهَ تعالى لا ينال ما عنده) مِن الرزق وغيره إلا بطاعتِه[18].

وقد جمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم في استعاذته بين الفقر والذِّلة؛ لأن بعض النفوس الضعيفة يحملها الفقر على إذلال النفس؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقِّلَّة والذِّلة، وأعوذ بك مِن أن أَظلِم أو أُظلَم))[19]؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني.
قال في عون المعبود: (والذِّلة): أي من أن أكون ذليلًا في أعيُنِ الناس، بحيث يستخفُّونه ويحقِرون شأنه، والأظهر أن المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية، أو التذلل للأغنياء على وجه المسكنة، والمراد بهذه الأدعية تعليمُ الأمة[20].

[1] أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (2721).
[2] أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب أن يبسط له في الرزق (2067).
[3] أخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات (4022).
[4] أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب إنفاق المال في حقه (1409).
[5] ابن كثير، البداية والنهاية، (9 /200).
[6] السيوطي، تاريخ الخلفاء، (176).
[7] ينظر: اللوح وعنبر، علاج مشكلة الفقر، دراسة قرآنية موضوعية، (8).
[8] أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، برقم (1966).
[9] أخرجه البخاري، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط (2143).
[10] أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة (1402).
[11] أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ﴾ [النساء: 10]، (2615)، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (89).
[12] السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، (642).
[13] أخرجه البخاري كتاب المزارعة، باب إذا قال: اكفِني مؤونة النخل (2200).
[14] أعتق السيد عبده عن دبرٍ؛ أي: يصير بعد موته حرًّا؛ انظر: ابن منظور، لسان العرب، (4 /268).
[15] أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس، ثم أهله، ثم القرابة (997).
[16] أخرجه أبو داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغِنى (1634).
[17] الخياط، المجتمع المتكافل في الإسلام، (178).
[18] المناوي، فيض القدير (2 /450).
[19] رواهأحمد وأبو داود والنسائي.
[20] العظيم آبادي، عون المعبود (4 /282).

@ alukah 2016

تعاني بعض الأقليات المسلمة في دول أوروبا من القوانين الوضعية التي يتم التعامل بها في هذه الدول، والتي تتعارض في كثير منها مع أحكام الشرع، وهو ما يوقع المسلمون في حرج شديد، مابين التمسك بالحكم الشرعي وبين النزول على هذه القوانين استمرارا لحياتهم وحياة أسرهم، وهذا ما أكد عليه فضيلة الداعية الشيخ أحمد عبدالرحيم، الإمام والخطيب بالمركز الإسلامي بمدينة لايدن بهولندا.

عبد الرحيم في تصريحاته لـ"الملتقى الفقهي" تطرق إلى مسألة لجوء بعض المسلمين إلى القرض الربوي من أجل شراء منزل أو مسكن لإيوائهم من البرد الشديد، مشيرا أن هذه القضية تشغل بال الكثير من المسلمين هناك في هولندا، إيمانا منهم بما أجمعت عليه الأمة من حرمة الربا، وأنه من السبع الموبقات، ومن الكبائر التي تؤذن بحرب من الله ورسوله، ويؤكد ما قررته المجامع الفقهية الإسلامية من أن فوائد البنوك هي الربا الحرام.

وأضاف فضيلته أن الحكم الشرعي في هذه المسألة يحتاج إلى بعض التفصيل، بدءا من مناشدة أبناء المسلمين في الغرب أن يجتهدوا في إيجاد البدائل الشرعية، التي لا شبهة فيها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وصولا إلى حالة الضرورة القصوى التي تستوجب معها جواز بعض المحظورات.

الشيخ ذهب إلى ما جاء عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في هذه المسألة، والذي لا يرى بأسًا من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو وأسرته، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكّنه من شرائه بغير هذه الوسيلة، وقد اعتمد المجلس في فتواه على مرتكزين أساسيين:

المرتكز الأول: قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات): وهي قاعدة متفق عليها، مأخوذة من نصوص القرآن في خمسة مواضع، منها قوله تعالى في سورة الأنعام: }وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه{ [الأنعام: 119]، ومنها قوله تعالى في نفس السورة بعد ذكر محرمات الأطعمة: }فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم{ [الأنعام: 145]، ومما قرره الفقهاء هنا أن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة.

والمسكن الذي يدفع عن المسلم الحرج هو المسكن المناسب له في موقعه وفي سعته وفي مرافقه، بحيث يكون سكنًا حقًا.

وإذا كان المجلس قد اعتمد على قاعدة الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فإنه لم ينس القاعدة الأخرى الضابطة والمكملة لها، هي أن (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها)، فلم يجز تملك البيوت للتجارة ونحوها.

والمسكن ولا شك ضرورة للفرد المسلم وللأسرة المسلمة، وقد امتن الله بذلك على عباده حين قال: }والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا{ [النحل: 80]، وجعل النبي – صلى الله عليه وسلم- السكن الواسع عنصراً من عناصر السعادة الأربعة أو الثلاثة، والمسكن المستأجر لا يلبي كل حاجة المسلم، ولا يشعره بالأمان، وإن كان يكلف المسلم كثيرًا بما يدفعه لغير المسلم، ويظل سنوات وسنوات يدفع أجرته ولا يملك منه حجرًا واحدًا، ومع هذا يظل المسلم عرضة للطرد من هذا المسكن إذا كثر عياله أو كثر ضيوفه، كما أنه إذا كبرت سنه أو قل دخله أو انقطع يصبح عرضة لأن يرمى به في الطريق.

المرتكز الثاني: هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني، وهو المُفْتَى به في المذهب الحنفي. وكذلك سفيان الثوري وإبراهيم النخعي، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، ورجحها ابن تيمية – فيما ذكره بعض الحنابلة-: من جواز التعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة، بين المسلمين وغيرهم في غير دار الإسلام.

ويرجح الأخذ بهذا المذهب هنا عدة اعتبارات، منها:

(1) أن المسلم غير مكلف شرعًا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلّق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام؛ لأن هذا ليس في وسعه، ولا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلّق بهوية المجتمع، وفلسفة الدولة، واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي.

(2) أن المسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود الفاسدة – ومنها عقد الربا- في دار القوم، سيؤدي ذلك بالمسلم إلى أن يكون التزامه بالإسلام سببًا لضعفه اقتصاديًا، وخسارته ماليًا، والمفروض أن الإسلام يقوي المسلم ولا يضعفه، ويزيده ولا ينقصه، وينفعه ولا يضره، وقد احتج بعض علماء السلف على جواز توريث المسلم من غير المسلم بحديث: "الإسلام يزيد ولا ينقص"(ابوداود)، أي يزيد المسلم ولا ينقصه،.

وما يقال من أن مذهب الحنفية إنما يجيز التعامل بالربا في حالة الأخذ لا الإعطاء؛ لأنه لا فائدة للمسلم في الإعطاء وهم لا يجيزون التعامل بالعقود الفاسدة إلا بشرطين: الأول: أن يكون فيها منفعة للمسلم. والثاني: ألا يكون فيها غدر ولا خيانة لغير المسلم، وهنا لم تتحقق المنفعة للمسلم، فالجواب: أن هذا غير مسلّم، كما يدل عليه قول محمد بن الحسن الشيباني في "السير الكبير"، وإطلاق المتقدمين من علماء المذهب، كما أن المسلم وإن كان يعطي الفائدة هنا فهو المستفيد، إذ به يتملك المنزل في النهاية.

وقد أكد المسلمون الذين يعيشون في هذه الديار بالسماع المباشر منهم وبالمراسلة: أن الأقساط التي يدفعونها للبنك بقدر الأجرة التي يدفعونها للمالك، بل أحيانًا تكون أقل.

ومعنى هذا أننا إذا حرّمنا التعامل هنا بالفائدة مع البنك حرَمنا المسلم من امتلاك مسكن له ولأسرته، وهو من الحاجات الأصلية للإنسان كما يعبر الفقهاء، وربما يظل عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، يدفع إيجارًا شهرياً أو سنويًا، ولا يملك شيئاً، على حين كان يمكنه في خلال عشرين سنة – وربما أقل- أن يملك البيت.

فلو لم يكن هذا التعامل جائزًا على مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، لكان جائزًا عند الجميع للحاجة التي تنزل أحيانًا منزلة الضرورة، في إباحة المحظور بها.

@ fiqh.islammessage 2016

يلجأ بعض المسلمين خلال فترات الأزمات إلى محاولة تخزين العديد من السلع تحسبا لما يمكن أن يترتب على هذه الأزمات من شح لها في الأسواق، بينما يلجأ البعض الأخر إلى احتكارها حتى يرفع سعرها فيما بعد، بهدف تحقيق المكسب المادي السريع، لذا شدد الشرع عن التحذير من هذه السلوكيات التي تنافي الدين، وهو ما أراد أن يؤصله الدكتور محيي الدين عفيفي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، بجمهورية مصر العربية خلال بحثه المعنون بـ(الرؤية الإسلامية في مواجهة الاحتكار).

أستهل عفيفي بحثه بالحديث عن مفهوم الاحتكار، حيث أورد أقوال الفقهاء عن الاحتكار ومعانيه؛ منها ما قاله ابن قدامة في المغني: «.. وأن يكون الشيء المُحتكر من الأقوات التي يحتاج إليها الناس، وأن يُلحِق المُحتكر الضرر بالناس من جراء ذلك الاحتكار»، مشيرا أن هذا السلوك في باطنه يعد نوعا من الظلم، واستغلال حاجات الناس لتحقيق الكسب، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ" (ابن ماجه)، وروي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَال رسول الله: "مَنْ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ" (أحمد).

كما أشار فضيلته أن الاحتكار أحد مظاهر الأنانية وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة مما يكون سبباً في خلق الأزمات في المجتمع، وظهور الغلِّ والحقد بين فئاته وقد عمل الإسلام على محاربة ذلك من خلال الحث على توفير السلع التي يحتاجها الناس بالأسعار المناسبة، والسعي في جلبها وضمان وصولها إلى مستحقيها.

كما أشار أمين عام مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة الحياة التي نعيشها تعج بصور الأنانية والاستغلال بدءًا من الأسرة وانتهاءً بالمجتمع، فهناك فئات من الآباء والأمهات تقوم علاقاتهم بأبنائهم على الأنانية والأثرة، وعلاقة فئات من الأبناء بآبائهم وأمهاتهم على هذا الحال أيضاً، وهناك فئات من الأزواج تقوم علاقتهم بزوجاتهم على الاستغلال منذ لحظة الاختيار، إنه زواج المصلحة الذي لا يهتم بالمودة والرحمة، بل تحركه المنفعة، فهناك صور كثيرة من العلاقات القائمة على المنفعة الشخصية، مما ينعكس سلبًا على واقع الحياة.

وتابع: لا شك أن تلك الذهنية التي تنطلق من المصلحة الشخصية دون الاكتراث بمصالح الناس، تعد بمثابة البيئة الحاضنة للاحتكار مما يجعلنا بحاجة إلى التعرف على نظرة الإسلام لهذه الأزمة التي تُمنى بها المجتمعات، وكيف يكون التعاطي مع الظروف القاسية التي يمر بها الناس، هل يقنع الإنسان بدور المتفرج أم يكون له دور إيجابي يسهم من خلاله في حلّ الأزمة، بدل أن يكون من أسباب الأزمة.

أما عن كيفية التعامل مع تلك الأزمات، استشهد فضيلته بما نقله القرآن الكريم من موقف الأنصار من المهاجرين قال تعالى: }وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ (الحشر:9)، لقد سجل القرآن الكريم تلك الصورة الرائعة من الإيثار الكريم والتطوع العظيم ليكون درسًا عمليًا للناس على مرّ الأجيال.

قال الإمام البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ: دَعَا النَّبِي عليه السلام الْأَنْصَارَ إِلَى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا. قَالَ: "إِمَّا لَا، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي فَإِنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ بَعْدِي أَثَرَةٌ"(البخاري).

يقول الطاهر بن عاشور: إنك إذا أعمقت التدبر وجدت المؤاساة من مقتضيات الفطرة، فليست المؤاساة بحاجة إلى إيوائها تحت ظل الأخوة؛ لأن المؤاساة كفاية حاجة المحتاج عند الشعور بأنه محتاج، ومن الفطرة الإنسانية انفعالُ النفس برقة ورحمة عند مشاهدة الضعف والحاجة لاستشعار تألم المحتاج، ثم اندفاعٌ بذلك الانفعال إلى السعي في تخليصه من آلام تلك الحاجة، لا يتخلف هذا الإحساس إلا نادرًا، عندما يحف به عارض يعكسه إلى ضده مثل حال عدم الرأفة مما يُتقي أذاه كالعقرب والسبع.

فالمؤاساة أصل من أصول نظام الإسلام وكانت من أول ما دعا إليه الإسلام ونزل به القرآن في أوائل نزوله قال تعالى:} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16){[البلد:12-16]، ومن آي سورة المدثر وهي أول القرآن نزولاً: }مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ{ [المدثر:42-44].

لقد تسابق الأنصار إلى المواساة كل بما يجد فكانوا يواسون المهاجرين بدورهم للسكنى وبأن عرضوا على المهاجرين أن يعطوهم ثمرة نخيلهم، فقال رسول الله: "لا ولكن يكفونكم العمل ويأخذون نصف التمر" (البخاري) وبلغ السخاء ببعضهم أن عرض على بعض المهاجرين أن ينزل له عن إحدى زوجتيه ليتزوجها، ففي صحيح البخاري أن سعد بن الربيع الأنصاري وكان أخًا لعبد الرحمن بن عوف المهاجري بالمؤاخاة التي بين المهاجرين والأنصار وكانت له زوجتان وكان عبد الرحمن عزبًا فقال سعد لعبد الرحمن: انظر أي زوجتيَّ تحب أن أتنازل لك عنها وأعطيك نصف مالي. فقال له عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك ولكن دلني على السوق. وهذا المقدار من المؤاساة أريحية من هذا الأنصاري دلتنا على مبلغ تسابق الأنصار في مؤاساة المهاجرين.

وأختتم عفيفي بحثه ببيان أن هذه هي الرؤية الإسلامية في مواجهة الأزمات والإسهام في حلها بشكل عملي يُشعر المسلم بواجبه الإنساني نحو الناس جميعاً المسلم وغير المسلم، فعلى عهد رسول الله صلى الله عليم وسلم مر المسلمون بأزمات اقتصادية طاحنة في حصار قريش للمسلمين في مكة وفى الهجرة وفي غزوة تبوك وتجهيز جيش المسلمين وفي عام الرمادة سنة 18هـ في عهد عمر بن الخطاب لكن كيف تم التعامل مع هذه الأزمات؟

فمن الأمثلة الرائعة على عهد رسول الله، عثمان بن عفان كان أجود الناس بماله في كل محنة وشدة أصابت المسلمين، فعندما قدم النبي المدينة والمسلمون معه شكا المهاجرون من قِلّة الماء، وتغير طعمه، ولم يجدوا بها غير بئر واحدة ماؤها عذبة ولكنها كانت ملكاً ليهودي، كان يغالي في ثمنها ويحتكر ماءها، فقال النبي: "من يشترى بئر رومة غفر الله له" فأتى عثمان بن عفان وتفاوض مع اليهودي واشتراها ليشرب المسلمون منها، ولما ضاق مسجد الرسول بالمدينة بالمسلمين، حث الرسول المسلمين على توسعة المسجد، فقال من يشتري بقعة فلان فيزيدها في المسجد غفر الله له، فتقدم عثمان واشتراها وضمها لمسجد رسول الله.

إنه نموذج رائع للعطاء والتضحية والقدوة في مواجهة الأزمات، هذا النموذج يُشعرنا بدورنا المجتمعي في مواجهة أزمة الاحتكار وبيّن قدرة كل إنسان على حلّ تلك الأزمة ومساعدة المحتاجين، والتخفيف من معاناتهم من خلال العديد من السُبُل لكن شريطة التسامي على حظوظ النفس والمصلحة الشخصية وتغليب المصلحة العامة.

@ fiqh.islammessage 2016

الصفحة 1 من 293

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy