مجلة الصيرفة الإسلامية- بين عضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء الدكتور زيد بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن الشثري في بحث فقهي؛ أهم المسائل المتعلقة بزكاة التمر والعنب وما يماثلهما، وطرق إخراج الزكاة، والنصاب في كل منهما.

وقال الشثري: "فرض الله زكاة الخارج من الأرض، وأهمها الزروع والثمار، وفي هذه الأيام يُخرِج أهل المزارع زكاة التمر، ويكثر السؤال عن أحكام زكاته، فرأيت مناسبة جمع ما يتعلق بهذه المسألة من أحكام، مشيراً إلى الكلام على زكاة العنب والتين؛ لأنهما يتفقان مع التمر في الوقت وفي بعض الأحكام.

وأضاف أنه سيكون الحديث عن هذا الموضوع في المسائل الآتية:

أولاً: بيان وجوب زكاة التمر والزبيب وغيرهما:

قال الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ..." ﴿٢٦٧﴾ سورة البقرة.

وهذا يشمل الزكاة المفروضة وصدقة التطوع.

ويقول عز وجل "وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِۖ وَلَا تُسْرِفُواۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " (١٤١). سورة الأنعام.

جاء عن أنس بن مالك، وابن عباس، أنهما قالا في قوله تعالى: "وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ": إنها الزكاة المفروضة.

وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة"، والمقصود بالصدقة: الزكاة، ودل الحديث على وجوب الزكاة في التمر إذا بلغ خمسة أوسق.

ثانياً: نوع الثمر الذي تجب فيه الزكاة:

تجب الزكاة في الحبوب والثمار بشرطين:

1- أن يكون مما يكال، ويحصل الكيل بالصاع ونحوه.

2- أن يكون مما يدخر، فلا تجب الزكاة في الفواكه التي يتسارع إليها الفساد.

وهذا على الراجح من أقوال أهل العلم، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

ثالثاً: زكاة الرطب والعنب والتين:

الأصل إخراج زكاة التمر من التمر والزبيب من الزبيب؛ لما جاء في حديث عتاب بن أسيد، أن رسول الله، بعثه وأمره أن يخرص العنب كما يخرص النخل وأن يأخذ زكاة العنب زبيباً كما يأخذ زكاة النخل تمراً. أخرجه أبو داود والنسائي وحسنه الترمذي والألباني.

وأما الرطب فالأصل إخراج زكاته تمراً ومثله العنب تُخرَج زكاته زبيباً، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وقيل: يجوز إخراج زكاة الرطب منه وزكاة العنب منه، ورجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، خاصة إذا علمنا أن بعض التمور جرت العادة على أكلها قبل أن تكون تمراً وهو اللون، مثل البرحي، فتخرج زكاته منه ولا يجب إبقاء نصيب الزكاة حتى يكون تمراً.

واختلف في التين، فقيل لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه ليس مما يكال ويدخر، وهو رأي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وقيل: تجب فيه الزكاة؛ لأنه يجفف ويدخر، وهو رأي العلامة ابن عثيمين رحمه الله، وقد جرت العادة على تجفيفه وادخاره دون تسارع الفساد إليه.

واختلف في زكاة العسل، والراجح أنه ليس فيه زكاة؛ لعدم ثبوت النص مع وروده، ولعدم تقدير نصاب زكاته، وإن زكى فهو أفضل كما قال الشيخان ابن وابن عثيمين رحمهما الله، وأما إذا اتخذ العسل للتجارة، فيجب عليه زكاته زكاةَ عروض التجارة.

رابعاً: شرطا وجوب زكاة التمر وغيره:

تجب زكاة التمر ونحوه بشرطين:

1- بلوغ النصاب: وهو خمسة أوسق، والوَسْق ستون صاعاً فالنصاب هو ثلاثمائة صاع، ولمعرفة النصاب بالصاع، يتم كيل بر جيد بالصاع ثم وزنه بالموازين الحديثة، ولذلك اختلف في تقدير الصاع بالموازين الحديثة، وأقرب ما قدر به هو أن الصاع يساوي "2035" جراماً، "كيلوين وخمسة وثلاثين جراماً"، "300×2035=610,5" كيلو، فمن ملك ستمائة وعشرة ونصف كيلو من التمر أو الزبيب ونحوهما، فيجب عليه أن يخرج زكاته.

وإذا كان عنده نخل في بيته وعنده نخل في مزرعته أو في بيت له آخر فيجمعه معه لتكميل النصاب، ويخرج زكاتهما جميعاً، وإذا لم يكن عنده سوى النخل الذي في البيت، فإن بلغ نصاباً أخرج زكاته.

ويَضُم أنواع التمر بعضها إلى بعض لتكميل النصاب، ولا يجمع التمرَ إلى الزبيب أو الأجناس المختلفة الأخرى بالاتفاق.

2- أن يكون النصاب مملوكاً له وقت الوجوب: ووقت الوجوب بالنسبة للتمر عند احمراره أو اصفراره، فإذا باع مالك النخل التمرَ بعد احمراره أو اصفراره، فإن الزكاة تجب على البائع وليس على المشتري، وتجب الزكاة حتى وإن كان مالك المزرعة أو مستأجرها مديناً؛ لأن الحق ثابت في الثمر، والله يقول: "وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ"، وإذا حصلت جائحة بعد ذلك للتمر وهو على رؤوس النخل، فلا يلزمه إخراج زكاته؛ لأن الحق إنما يثبت عند سلامته، أَمَا وقد أصابت ماله جائحةٌ ولم ينتفع به، فليس عليه زكاة.

خامساً: مقدار الزكاة، له ثلاثة أحوال:

الحال الأولى: أن يكون الاعتماد في السقي على الأمطار ومياه الأنهار، دون استعمال الآلات في ذلك، فيجب إخراج العشر من تمر ونحوه، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بـ: "ما سقي بلا مُؤْنة".

الحال الثانية: أن يكون الاعتماد في السقي على ما يخرج من مياه الآبار عن طريق الآلات والمعدات، فيجب إخراج نصف العشر، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بـ: "ما سقي بمُؤْنة".

ودليل هاتين الحالتين ما جاء في صحيح البخاري عن سالم بن عبداالله عن أبيه، عن النبي، قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر".

الحال الثالثة: أن يكون نصف السنة كالحالة الأولى ونصف السنة كالحالة الثانية "نصف السنة بمؤنة ونصفها بغير مؤنة"، فيجب إخراج ثلاثة أرباع العشر، قال ابن قدامة رحمه الله: لا نعلم فيه خلافاً.

وقد يكون الاعتماد في غالب السنة على السقي بمؤنة لكن تأتي أمطار وسيول في أوقات متفرقة كأوقات الشتاء، فإن العبرة بغالب السنة، إلا لو قدر أنه بلغ ما يُسقى بمياه الأمطار خمسة أشهر مثلاً، فما قارب الشيء يعطى حكمه.

سادساً: نوع التمر الذي تُخرَج منه الزكاة:

لا يجوز أن يُخْرَج في الصدقة الرديء، كما قال الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ" ﴿٢٦٧﴾ سورة البقرة.

والأصل إخراج الزكاة من كل صنف من التمور على حدة، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، كما حكاه في الإنصاف، لكن هذا الأمر يشق على المزكي أحياناً، فيخرج من التمر المتوسط، فإذا كان عنده تمر طيب وتمر متوسط وتمر رديء، فيخرج من المتوسط، ولا يجوز أن يخرج من الرديء، ولو أخرج من الجيد، فهذا أفضل؛ اتباعاً للتوجيه الرباني في الآية السابقة. وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، فلا بأس به، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله رجحها أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، وفي الوقت الحاضر أصبح عمل بعض الناس على هذا الأمر، وقد يكون هو الأنسب للفقراء.

سابعاً: طرق إخراج الزكاة:

1- أن يتم خرص التمر بعد بدو صلاحه على رؤوس النخل، ثم يحدد المزكي عدداً من النخلات للزكاة تساوي القدر الواجب.

2- أن يتم جذ التمر "الصرام"، ثم يقوم بكيل التمر وإخراج القدر الواجب.

3- أن يتم بيع التمر على رؤوس النخل بعد بدو صلاحه، ثم يخرج القدر الواجب من الثمن.

4- أن يقوم المالك أو المستأجر ببيع التمر بعد جذه "الصرام"، ثم يقوم بكيل التمر "وزنه" وإخراج القدر الواجب منه.

وإذا قدرت لجنة الجباية الزكاةَ بناء على الخرص، ثم بعد جني الثمرة تبين أنه أكثر فيجب أن يخرج زكاة الزائد، وإذا تبين أنه أقل فلا يخرج إلا على قدر ما ثبت عنده.

@ fiqh.islammessage 2017

مجلة الصيرفة الإسلامية- وقع مصدر مطلع اكتمال آلية عمل الهيئة العليا الشرعية للأنشطة المالية والمصرفية، والبدء في ممارسة مهامها خلال الربع الأخير من العام الجاري.

وقال المصدر إنه تم أخيراً، اختيار أعضاء «الهيئة»، المنبثقة عن «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي»، الذي تم تشكيله بقرار من مجلس الوزراء بنهاية مايو الماضي. وأضاف المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن من مهام أعضاء «الهيئة» وضع آلية عمل تنفيذية، تطبق على جميع اللجان الشرعية بالمصارف الاسلامية والبنوك التي تمتلك نوافذ تقدم خدمات تتوافق مع الشريعة، متضمنة معايير موحدة وأسساً معيارية للمنتجات والعقود الإسلامية. وأشار إلى أن «الهيئة» تلقت مسودة من لجنة الصيرفة الإسلامية، التابعة لاتحاد مصارف الامارات، تتضمن معايير موحدة استرشادية يمكن اعتمادها ضمن آلية العمل أو الإضافة عليها أو أخذ بعض منها، وذلك في إطار التعاون مع الأطراف كافة. وأوضح أن مسودة قانون المصرف المركزي الجديد، الجاري العمل عليها حالياً، تتضمن باباً مفصلاً عن الهيئة الشرعية العليا ومهامها الشرعية والرقابية بشكل عام، وبعد صدور القانون سيكون هناك إطار عمل شامل لها.

وبيّن أن من شأن وجود هيئة عليا شرعية للأنشطة المالية والمصرفية، تنظيم العمل وتوحيد المعايير المستخدمة والقضاء على الفروقات بين لجان الفتوى الشرعية التابعة للبنوك، وبالتالي ردم أية فجوات في تطبيق الشريعة، والتي تخلق إشكاليات عدة، إضافة إلى تعزيز تنافسية الإمارات في مجال الصيرفة الإسلامية.

يشار إلى أن المادة (5) من القانون رقم (6) لسنة 1985 بشأن المصارف والمؤسسات المالية والشركات الاستثمارية الإسلامية، تنص على أن تشكل بقرار من مجلس الوزراء هيئة عليا شرعية، تضم عناصر شرعية وقانونية ومصرفية، تتولى الرقابة العليا على المصارف والمؤسسات المالية والشركات الاستثمارية الإسلامية، للتحقق من مشروعية معاملاتها وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، كذلك إبداء الرأي في ما يعرض على هذه الجهات من مسائل أثناء ممارستها نشاطها. كما نصت على أن يكون رأي «الهيئة العليا» ملزماً للجهات المذكورة، وتلحق هذه الهيئة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف.

إلا أنه على مدار أكثر من 30 عاماً، لم تفعّل هذه المادة ولم يتم تشكيل «الهيئة» حتى برزت خلال السنوات الخمس الماضية، أهمية وجود هيئة عليا للفتوى تنظم عمل المصارف الاسلامية للقضاء على الخلافات الفقهية والفروقات المنهجية في بيع وتسويق المنتجات والخدمات المصرفية الإسلامية.

مجلة الصيرفة الإسلامية- انطلقت أعمال مؤتمر 'أيوفي' الشرعي الدولي الخامس عشر الذي تنظمه هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية 'ايوفي' تحت رعاية مصرف البحرين المركزي بمشاركة عدد كبير من الخبراء والمصرفيين والفقهاء.
وشهد حفل افتتاح المؤتمر إطلاق ثلاث مبادرات جديدة تشمل تدشين الترجمة الروسية للمعايير الشرعية، والتي تضمنت 75 معياراً شرعيا للصيرفة الإسلامية، وتدشين الترجمة الفرنسية للمعايير الشرعية، والبدء بترجمة المعايير الشرعية لايوفي إلى اللغات الأوردية والتركية، ومن ثم سيتم العمل على البدء بالترجمة الى اللغات الصينية والبنغالية والبوسنية.
ويعدّ المؤتمر الحدث الأهم سنويًا في مناقشة الجوانب الشرعية المتعلقة بالصناعة المالية الإسلامية، ويشهد المؤتمر 8 جلسات على مدار يومين يتحدث فيها قرابة 40 عالما وخبيرا، فيما يشارك في المؤتمر مجموعة من أهم قيادات الصناعة المالية الإسلامية من علماء وفقهاء ومصرفيين وخبراء ومحامين ومحاسبين وكبار مسؤولي البنوك المركزية والسلطات الرقابية والإشرافية والأكاديميين والإعلاميين.
اشتراطات 'بازل 3'
وقال رشيد المعراج محافظ مصرف البحرين المركزي في تصريحات للصحفيين على هامش المؤتمر ان جميع البنوك البحرينية ملزمة بتطبيق اشتراطات اتفاقية 'بازل 3' وفقا للجدول الزمني الموضوع لتطبيقها والمعلن سلفا، مبينا أن البنوك ذات الرأسمال الصغير ليس أمامها إلا الدخول في عمليات اندماج واستحواذ مع بنوك أخرى، أو التحويل الى شركة استثمارية كبديل للبنوك، وبالتالي سيتقلص عدد المؤسسات المالية العاملة مع الوقت.
وقال المعراج إن هناك بعض الطلبات المحدودة لدى المصرف المركزي من قبل بعض البنوك، لكنه رفض أن يفصح عن عددها أو أسمائها.
وأوضح أن المؤتمر السنوي للأيوفي يعتبر حدثاً مميزاً لنوعية المواضيع التي يتم مناقشتها، ومشاركة واسعة لكبار علماء الشريعة، مشيرا إلى أن دور المصرف المركزي هو مساعدتهم على مواكبة التطورات الحاصلة في القطاع المالي وكذلك إلزام البنوك والمصارف الإسلامية بالاقتراحات المهمة التي تخرج عن هذه المؤتمرات بما في صالح القطاع.
وأضاف 'لا يخفى على أحد أن قطاع الصيرفة الإسلامية يحتاج على الدوام الى استمرار جهود البحث والتطوير لمعالجة مختلف المسائل التي تواجه تطور القطاع. ولهذا فإن هذا اللقاء السنوي يوفر منصة مهمة لتبادل الأفكار والآراء حول المواضيع التي تشغل العاملين في هذه الصناعة'.
40 عاما من الصيرفة الإسلامية
وفي كلمته التي ألقاها بالمؤتمر قال المعراج 'سرّني أن علمت بأن من المواضيع المطروحة للنقاش في هذا المؤتمر هي حول 'مقاصد الشريعة الإسلامية ودورها في إصدار الفتاوى للمنتجات والمعاملات المالية الإسلامية'. وأود هنا أن أشير الى الفترة الماضية والممتدة لأكثر من أربعين عاما من بدء الممارسة العملية للصيرفة الإسلامية حيث تم بفضل الجهود الحثيثة من الرواد وضع الأسس والقواعد السليمة لعمل المالية الإسلامية.. وقد حان الوقت الآن للانتقال الى المستوى التالي لمقابلة التطورات المستمرة في عالم التمويل والاحتياجات المتزايدة من قبل المقترضين والمستثمرين وزبائن المؤسسات المالية والمتطلبات الرقابية، إذ يجب أن يتم النظر بشكل علمي لمقاصد الشريعة الإسلامية في تقديم الفتاوى بشأن المنتجات المالية، والارتقاء بالمنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية الى مستوى يتواءم مع المعاني الجوهرية لاهداف الصيرفة الإسلامية التي تسهم في خلق تنمية اقتصادية ومنافع تعود على الإنسان والمجتمع.
ويجب على مجالس الشريعة الإسلامية المركزية المتوافرة في العديد من الدول أن تلعب دوراً محورياً في هذا الشأن.. إذ يجب أن يكون المنطلق في هذا العمل من قبل علماء الشريعة أنفسهم، وبدعم من الجهات الرقابية. إنني أدرك أن هذا الموضوع يثير الكثير من الحوار بين علماء الشريعة، إلا أن عدم الإجماع على الرأي لا يعني أن علينا تجاهله إلى الأبد. في الواقع، إن أهمية هذا الموضوع تتطلب منا أن نتعامل معه بشكل مباشر، إذ إن مقاصد الشريعة الإسلامية يمكن أن تكون بمثابة المرساة لهذا القطاع الذي سيحدد نجاح عملية ابتكار المنتجات.
التكيف مع المعايير العالمية
وأكد المعراج ان القطاع بحاجة إلى مثل هذه الأداة التوجيهية وإلا فإنه مهدد بالتراجع أسوة بما حدث لبعض المنتجات في قطاع التمويل التقليدي والتي تسببت في بروز مخاطر كبيرة أسهمت في تفاقم الخسائر المترتبة على الأزمة المالية العالمية.
وأضاف: 'أما الأمر الثاني الذي أود الحديث عنه هو اعتماد معايير الأيوفي، لقد تم إعداد معايير المحاسبة الصادرة عن الأيوفي خلال السنوات الـ25 الماضية بهدف تهيئة المعايير المحاسبية لتتوافق مع طبيعة المعاملات المصرفية الإسلامية الامر الذي سيؤمن لهذه المؤسسات التكيف التام مع متطلبات المعايير المحاسبية العالمية وبدون الاخلال بالأسس المتعارف عليها دولياً'.
وقد قام المصرف باعتماد هذه المعايير المحاسبية بشكل إلزامي لكل المؤسسات المالية التي تعمل وفق الشريعة الإسلامية، وبالتالي أصبحت جزءا من منظومة المعايير الرقابية والمحاسبية المعتمدة.
التنسيق مع السلطات الرقابية
وأعرب المعراج عن أمله في ان تبادر كافة السلطات الرقابية التي تسمح بالصيرفة الإسلامية الى بتبني واعتماد هذه المعايير لتحقيق مظلة مشتركة لعمل تلك المؤسسات في المجال المحاسبي. وأعرب عن أمله في ان تقوم إدارة الأيوفي ببذل المزيد من الجهود في سبيل الاتصال بتلك السلطات الرقابية من اجل التوضيح وحثها على تبني تلك المعايير المحاسبية المعتمدة من الأيوفي.
وتقدم المعراج بالشكر الجزيل لمجلس وإدارة هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (الأيوفي) على الجهد الكبير الذي يبذلونه، وعبر عن أمله ان تتواصل هذه الجهود في السنوات القادمة، مؤكداً حرص مصرف البحرين المركزي على دعم هذه الجهود ومواصلة العمل والتنسيق مع الأيوفي وكافة المؤسسات المتخصصة لدعم تطور الصيرفة الإسلامية.
لا مساس بالخطوط الحمراء
من جانبه ألقى رئيس مجلس أمناء 'أيوفي' الشيخ إبراهيم بن خليفة آل خليفة كلمة نقل فيها تحيات القيادة الرشيدة إلى المشاركين في أعمال المؤتمر.. كما تطرق إلى أهمية المؤتمر من خلال المواضيع التي سيتم تناولها، وعلى رأسها الإطار الرقابي والإشرافي على صناعة العمل المصرفي الإسلامي، والجوانب الفنية والقانونية للصناعة، والتحرير القانوني للفرق بين مجموعة من مصطلحات الصناعة والتي لها اثر جوهري بالغ على الحكم الشرعي للمنتجات والعقود.
وأكد الشيخ إبراهيم بن خليفة أهمية الالتزام بالقواعد الشرعية في العمل المصرفي الإسلامي، وقال: 'لا يمكن ان تمس الخطوط الحمراء في الصناعة، ولذلك فمن المهم تناول قضايا مهمة ومفصلية تتعلق في مقاصد الشريعة ومنهجية التعامل مع المقاصد والتوازن بين الإفراط والتفريط'.
وأشار رئيس مجلس الأمناء إلى أن المعايير الشرعية التي أصدرتها 'أيوفي' ساعدت العديد من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في تطوير منتجاتها وخدماتها وتحسين مستوى الكفاءات التشغيلية، مشيراً إلى ان المعايير الشرعية تسهم أيضا في تعزيز ثقة المستهلك بالمؤسسة والمنتجات التي تقدمها.
3 مبادرات جديدة
وألقى الأمين العام لـ'أيوفي' الدكتور حامد ميرة كلمة أعلن فيها إطلاق ثلاث مبادرات جديدة لـ'أيوفي'، وهي تدشين الترجمة الروسية للمعايير الشرعية، والتي تضمنت 75 معياراً شرعيا للصيرفة الإسلامية، وتدشين الترجمة الفرنسية للمعايير الشرعية، والبدء بترجمة المعايير الشرعية لايوفي إلى اللغات الأوردية والتركية، ومن ثم سيتم العمل على البدء بالترجمة الى اللغات الصينية والبنغالية والبوسنية.
كما أعلن ميرة إعادة إطلاق شهادة المحاسبة الإسلامية المعتمدة (CIPA) بصورتها الجديدة بدعم من صندوق الوقف البحريني ومصرف البحرين المركزي، مشيراً إلى أن هذه الشهادة قد تم إطلاقها قبل 11 عاما، وحصل عليها ما يزيد على ألف متخصص في الصيرفة الإسلامية حول العالم.
أبرز الموضوعات والقضايا
وناقش المؤتمر مجموعة من أهم الموضوعات الفقهية والقانونية المتعلقة بالحوكمة بمشاركة نخبة مِن أبرز الأسماء المتخصصين بشكل دقيق في هذه الموضوعات تأصيلا وتطبيقا.
ومن الموضوعات التي تم مناقشتها أمس الإطار الرقابي والإشرافي على الصناعة المالية الإسلامية ومدى خصوصيته عن نظيره التقليدي، والتحرير الفقهي والقانوني للاتفاقية والعقد ومذكرة التفاهم والوعد والمواعدة والالتزام والتعهد من منظور المدارس القانونية الدولية المختلفة ومن وجهة النظر الشرعية.
كما سيناقش المؤتمر في يومه الثاني محاور محددة ودقيقة في 'المقاصد' ودورها في الاجتهاد الفقهي المعاصر في فقه المعاملات المالية، كذلك مناقشة وتجلية الجوانب الجدلية في علاقة الفقه بالعلوم المعاصرة كالقانون والمحاسبة والاقتصاد والتمويل وأثر ذلك في الاجتهاد في المعاملات المالية المعاصرة.
وسيناقش كذلك مستجدات المنتجات المتعلقة بإعادة التمويل في المصارف ورؤية فقهية متأملة في صورها ومستجداتها، ومناقشة إحدى أهم مستجدات حوكمة الصناعة المالية الإسلامية والمتمثلة في التدقيق الشرعي الخارجي وأبرز الممارسات الدولية في ذلك وتقويمها وآفاق معيار أيوفي المتعلق بها، وأخيرا: معالجة منهجية التعامل مع 'الإجماع' في مستجدات الصناعة المالية ومسائلها بين الجرأة والجمود وتطبيقات ذلك.
@iinanews2017

مجلة الصيرفة الإسلامية-قال خبراء في صناعة الصيرفة الإسلامية الآخذة في النمو عالمياً، إن أكبر تحدٍّ يواجه الصيرفة الإسلامية هو إيجاد إطار قانوني ورقابي، وهذا التحدي تحدث عنه صندوق النقد الدولي.

وقال الأمين العام للأمانة العامة للمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية عبدالإله بلعتيق: «إن صندوق النقد الدولي دعا إلى إيجاد إطار قانوني ورقابي للصيرفة الإسلامية»، مشيراً إلى أن هناك عدة منظمات لإصدار المعايير والتشريعات، ولكن هناك حاجة لجهة تعطي إطاراً قانونياً.

وأكد أهمية مناقشة الإطار القانوني وأثره على تطوير صناعة الخدمات المالية الإسلامية والنظر في الحالات العملية لعدد من الدول.

وقال: «إن الاستبيان العالمي للمصرفيين الإسلاميين للعام 2016 والذي يمثل آراء 86 من رؤساء البنوك الإسلامية من 29 دولة كشف أن تطوير البنية التحتية والأطر القانونية والتنظيمية أمر بالغ الأهمية وخاصة في الأسواق الناشئة في الصناعة المالية الإسلامية، على سبيل المثال، يتزايد الطلب على التمويل الإسلامي في بعض المناطق مثل إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى وآسيا الوسطى، وأشارت البنوك إلى أن عدم وجود قوانين وأنظمة سليمة لتسيير المعاملات المالية الإسلامية يعتبر عائقاً قوياً أمام نموها في المستقبل».

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لبنك البركة عدنان أحمد يوسف: «التشريعات مهمة لأنها يجب أن تكون في أية دولة تحتضن البنوك الإسلامية، وخصوصاً أن الصيرفة الإسلامية في نمو، ووصلت إلى حجم كبير، يفرض الحاجة إلى تطوير البيئة التشريعية».

وأضاف ان «البحرين في 1985، تبنت البنوك الإسلامية، ولو لا هذا التبني لما وجدنا البنوك الإسلامية بهذه القوة الآن... ونرجو من المصرف البحرين المركزي أخذ موضوع التشريعات، لأن البحرين قادرة على وضع التشريعات ومن ثم نقل التجربة للدول الأخر... والبحرين قادرة، ونجحت سابقاً عندما أطلقت الصكوك أول مرة، ومن ثم جميع الدول تعاملت مع تجربة البحرين في عملية إصدار الصكوك».

ونظم المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية اجتماع طاولة مستديرة تحت عنوان: «تحديات الإطار القانوني لتطوير الصيرفة الإسلامية - دراسات عملية»، في المقر الرئيسي للمجموعة البركة المصرفية، أمس (الأحد).

وفي مستهل الاجتماعات، أوضح عدنان أحمد يوسف أن مجموعة البركة المصرفية وفي إطار دورها الرائد والتزامها الراسخ نحو دعم وتطوير صناعة التمويل الإسلامي أطلقت هذه المبادرة البحثية الأولى من نوعها نحو إيجاد حلول واقعية لتحديات النظام القانوني الداعم لصناعة التمويل الإسلامي. وذلك باعتبار أن وجود مثل هذا النظام سيسهم بصورة مباشرة في توفير بيئة مواتية للمصارف الإسلامية للإسهام في تحقيق أهداف النمو والتنمية في المجتمعات التي تعمل فيها.

وقد جمع هذا الاجتماع 40 مشاركاً من الأوساط الأكاديمية والمهنيين في المؤسسات المالية الإسلامية من مختلف الدول، لمناقشة أهمية الإطار القانوني وأثره على تطوير صناعة الخدمات المالية الإسلامية والنظر في الحالات العملية لعدد من الدول.

وشهد الاجتماع عرض أوراق بحثية من تجارب 6 دول، والتي تم فيها تقييم وفهم أثر الإطار القانوني على تطوير صناعة الخدمات المالية الإسلامية، وتم عرض حالات عملية خاصة بتجارب الدول الآتية: البحرين وماليزيا والمملكة العربية السعودية والسودان وتونس والمملكة المتحدة.

وقدم المشاركون في الاجتماع مداخلاتهم وتعليقاتهم على أهمية الأطر القانونية في تطوير صناعة الخدمات المالية الإسلامية، حيث سيتم إدراج مخرجات الاجتماع في بحث تفصيلي وتوصيات لعرضها على الجهات النظامية لاحقاً.

وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة البركة المصرفية عدنان يوسف: «يسر مجموعة البركة المصرفية استضافة اجتماع الطاولة المستديرة، وقد عملت المجموعة بشكل وثيق مع المجلس العام في تحضير جدول أعمال الاجتماع الذي صمم بعناية لإجراء مناقشات مثمرة وبناءة تهدف إلى معالجة القضايا الرئيسة التي تواجه صناعة الخدمات المالية الإسلامية، والجدير بالذكر أن مجموعة البركة المصرفية أحد المؤسسات المالية الإسلامية الرائدة في تعزيز وتطوير صناعة الخدمات المالية الإسلامية مع الأخذ بعين الاعتبار الخبرات الدولية عبر الحدود، والتي قد تساعدنا على تعميم الخبرات الدولية حيث نواصل التوسع الاستراتيجي خارج السوق الحالية».

وتندرج هذه المبادرة ضمن الهدف الاستراتيجي الثالث للمجلس العام في نشر الوعي والتواصل وتبادل المعلومات من خلال التعاون مع أعضاء المجلس العام وأصحاب المصلحة في الصناعة لإنشاء منصة حوار والتنسيق لعقد اجتماعات حوارية مغلقة مع أصحاب الخبرة والتخصص.
@ alwasatnews 2017

تعد مسألة البيع بالتقسيط من المسائل القديمة الحديثة المتجددة التي تفرض نفسها على ساحات النقاش والبحث الفقهي مابين الحين والآخر، لما تمثله من أهمية كبرى في حياة العديد من المسلمين ممن يتعاملون في البيع والشراء بنظام التقسيط والبيع الآجل.

في البداية أشار فضيلة الشيخ حسين رضوان، من علماء الأزهر الشريف، أن بيع سلعة أو شرائها بالتقسيط – إلى أجل معلوم – جائز شرعًا بإجماع الفقهاء ولا خلاف في ذلك، ملفتًا أن إضافة ثمن إضافي فوق الثمن الأصلي للسلعة حين بيعها بالتقسيط لا حرج فيه كما يظن البعض، استنادًا إلى القاعدة التي تشير أن للزمن حصة في ميزان البيع والشراء، وفق ما تقتضيه مصالح العباد.

رضوان لـ"الملتقى الفقهي" أشار إلى أن البيع بالتقسيط بثمن أعلى من الثمن الأصلي للسلعة يستوجب عدة شروط أقرها الفقهاء في مسألة البيع، مثل اتفاق الطرفين على طريقة الدفع - قبل إبرام العقد - هل هي بالتقسيط، أو بالدفع حالاً - لأن عدم الجزم بأحدهما مع تخيير المشتري بين الطريقين هو من باب بيعين في بيعة واحدة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا" (الترمذي وأبوداود) وأن تكون العين المباعة مباحة ، وأن تكون من مالكها أو وكيله ، وأن تكون الأقساط معلومة والأجل مسمى ،

وفي سياق متصل، أشار الدكتور علي الصبًان، أستاذ الفقه، أن اشتراط زيادة ثمن السلعة في مقابل الأجل، جائز شرعًا إذ أنه يأتي في باب "المرابحة" شرط حصول التراضي بين الطرفين، ملفتًا أن القول بجواز الزيادة في الثمن نظير الأجل هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.

وهذا هو ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة في جلسته المنعقدة في دورة المؤتمر السادس من 17 إلى 23 شعبان 1410هـ الموافق تاريخ: 14 إلى 20 مارس 1990م؛ حيث جاء في القرار رقم: (53/ 2/ 6) ما نصه: [تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحالِّ، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقدًا وثمنه بالأقساط لمُدَدٍ معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل، فإنْ وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل؛ بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثَمَنٍ واحدٍ مُحَدَّدٍ فهو غير جائز شرعًا] اهـ.

وفيما يتعلق بنسبة الربح المقررة في السلعة المباعة بالأجل، أشار الصيًاد لـ "الملتقى الفقهي" أن الشرع لم يذكر تحديدًا النسبة المحددة لهذا الربح، فقد يشتري الإنسان السلعة برخص، ثم يرتفع سعرها بعد ذلك، فيربح المشتري فيها ربحًا كثيرًا، وقد يحدث العكس، فيشتري السلعة بثمن كبير، ثم يهبط سعرها، فيخسر فيها خسارة كبيرة لو أراد بيعها، والأمر في ذلك يدور على التراضي بين طرفي العقد، فمتى حصل التراضي صحت المعاملة؛ وقد قال الله تعالى }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ{ [النساء: 29]، وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ" (ابن ماجة).

@ fiqh.islammessage.2017

تعاني بعض الأقليات المسلمة في دول أوروبا من القوانين الوضعية التي يتم التعامل بها في هذه الدول، والتي تتعارض في كثير منها مع أحكام الشرع، وهو ما يوقع المسلمون في حرج شديد، مابين التمسك بالحكم الشرعي وبين النزول على هذه القوانين استمرارا لحياتهم وحياة أسرهم، وهذا ما أكد عليه فضيلة الداعية الشيخ أحمد عبدالرحيم، الإمام والخطيب بالمركز الإسلامي بمدينة لايدن بهولندا.

عبد الرحيم في تصريحاته لـ"الملتقى الفقهي" تطرق إلى مسألة لجوء بعض المسلمين إلى القرض الربوي من أجل شراء منزل أو مسكن لإيوائهم من البرد الشديد، مشيرا أن هذه القضية تشغل بال الكثير من المسلمين هناك في هولندا، إيمانا منهم بما أجمعت عليه الأمة من حرمة الربا، وأنه من السبع الموبقات، ومن الكبائر التي تؤذن بحرب من الله ورسوله، ويؤكد ما قررته المجامع الفقهية الإسلامية من أن فوائد البنوك هي الربا الحرام.

وأضاف فضيلته أن الحكم الشرعي في هذه المسألة يحتاج إلى بعض التفصيل، بدءا من مناشدة أبناء المسلمين في الغرب أن يجتهدوا في إيجاد البدائل الشرعية، التي لا شبهة فيها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وصولا إلى حالة الضرورة القصوى التي تستوجب معها جواز بعض المحظورات.

الشيخ ذهب إلى ما جاء عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في هذه المسألة، والذي لا يرى بأسًا من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو وأسرته، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكّنه من شرائه بغير هذه الوسيلة، وقد اعتمد المجلس في فتواه على مرتكزين أساسيين:

المرتكز الأول: قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات): وهي قاعدة متفق عليها، مأخوذة من نصوص القرآن في خمسة مواضع، منها قوله تعالى في سورة الأنعام: }وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه{ [الأنعام: 119]، ومنها قوله تعالى في نفس السورة بعد ذكر محرمات الأطعمة: }فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم{ [الأنعام: 145]، ومما قرره الفقهاء هنا أن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة.

والمسكن الذي يدفع عن المسلم الحرج هو المسكن المناسب له في موقعه وفي سعته وفي مرافقه، بحيث يكون سكنًا حقًا.

وإذا كان المجلس قد اعتمد على قاعدة الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فإنه لم ينس القاعدة الأخرى الضابطة والمكملة لها، هي أن (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها)، فلم يجز تملك البيوت للتجارة ونحوها.

والمسكن ولا شك ضرورة للفرد المسلم وللأسرة المسلمة، وقد امتن الله بذلك على عباده حين قال: }والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا{ [النحل: 80]، وجعل النبي – صلى الله عليه وسلم- السكن الواسع عنصراً من عناصر السعادة الأربعة أو الثلاثة، والمسكن المستأجر لا يلبي كل حاجة المسلم، ولا يشعره بالأمان، وإن كان يكلف المسلم كثيرًا بما يدفعه لغير المسلم، ويظل سنوات وسنوات يدفع أجرته ولا يملك منه حجرًا واحدًا، ومع هذا يظل المسلم عرضة للطرد من هذا المسكن إذا كثر عياله أو كثر ضيوفه، كما أنه إذا كبرت سنه أو قل دخله أو انقطع يصبح عرضة لأن يرمى به في الطريق.

المرتكز الثاني: هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني، وهو المُفْتَى به في المذهب الحنفي. وكذلك سفيان الثوري وإبراهيم النخعي، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، ورجحها ابن تيمية – فيما ذكره بعض الحنابلة-: من جواز التعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة، بين المسلمين وغيرهم في غير دار الإسلام.

ويرجح الأخذ بهذا المذهب هنا عدة اعتبارات، منها:

(1) أن المسلم غير مكلف شرعًا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلّق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام؛ لأن هذا ليس في وسعه، ولا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلّق بهوية المجتمع، وفلسفة الدولة، واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي.

(2) أن المسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود الفاسدة – ومنها عقد الربا- في دار القوم، سيؤدي ذلك بالمسلم إلى أن يكون التزامه بالإسلام سببًا لضعفه اقتصاديًا، وخسارته ماليًا، والمفروض أن الإسلام يقوي المسلم ولا يضعفه، ويزيده ولا ينقصه، وينفعه ولا يضره، وقد احتج بعض علماء السلف على جواز توريث المسلم من غير المسلم بحديث: "الإسلام يزيد ولا ينقص"(ابوداود)، أي يزيد المسلم ولا ينقصه،.

وما يقال من أن مذهب الحنفية إنما يجيز التعامل بالربا في حالة الأخذ لا الإعطاء؛ لأنه لا فائدة للمسلم في الإعطاء وهم لا يجيزون التعامل بالعقود الفاسدة إلا بشرطين: الأول: أن يكون فيها منفعة للمسلم. والثاني: ألا يكون فيها غدر ولا خيانة لغير المسلم، وهنا لم تتحقق المنفعة للمسلم، فالجواب: أن هذا غير مسلّم، كما يدل عليه قول محمد بن الحسن الشيباني في "السير الكبير"، وإطلاق المتقدمين من علماء المذهب، كما أن المسلم وإن كان يعطي الفائدة هنا فهو المستفيد، إذ به يتملك المنزل في النهاية.

وقد أكد المسلمون الذين يعيشون في هذه الديار بالسماع المباشر منهم وبالمراسلة: أن الأقساط التي يدفعونها للبنك بقدر الأجرة التي يدفعونها للمالك، بل أحيانًا تكون أقل.

ومعنى هذا أننا إذا حرّمنا التعامل هنا بالفائدة مع البنك حرَمنا المسلم من امتلاك مسكن له ولأسرته، وهو من الحاجات الأصلية للإنسان كما يعبر الفقهاء، وربما يظل عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، يدفع إيجارًا شهرياً أو سنويًا، ولا يملك شيئاً، على حين كان يمكنه في خلال عشرين سنة – وربما أقل- أن يملك البيت.

فلو لم يكن هذا التعامل جائزًا على مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، لكان جائزًا عند الجميع للحاجة التي تنزل أحيانًا منزلة الضرورة، في إباحة المحظور بها.

@ fiqh.islammessage 2016

الصفحة 1 من 27

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy