الاكثر قراءة...

وجهات نظر
السبت, 17 شباط/فبراير 2018 04:58

الجانب الاقتصادي في مقدمة ابن خلدون

مجلة الصيرفة الإسلامية- بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين... وبعد:
فإن مقدمةَ ابن خلدون جمَعتْ أصناف العلوم والآداب، وطرَقت أغلبَ مجالات المعرفة الإنسانية، منها المجال الاقتصادي، الذي يحاول هذا المقالُ إضاءةَ بعض جوانبه بشكل سطحي دون الغوص في أبعاد الفكر الاقتصاديِّ عند ابن خلدون، أو مقارنته بالنظريات الاقتصادية الحديثة.

وأما من أراد الغوص في الموضوع، فعليه بمراجع كثيرة؛ منها: "أبو الاقتصاد ابن خلدون"؛ لمحمد حلمي مراد، و"رائد الاقتصاد ابن خلدون"؛ لمحمد علي نشأت، و"الاقتصاد في مقدمة ابن خلدون"؛ لأحمد أبو ذروة.

يظهر الجانب الاقتصاديُّ في المقدمة من خلال مناقشة ابن خلدون لمجموعة من المسائل المرتبطة بالاقتصاد، أو المعاش بالتعبير الخلدونيِّ، وقد أفرد له الفصل الخامس من الكتاب الأول، وعنوَنَه بالمعاش ووجوهه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال، وتحدَّث في بدايته عن الكسب والرزق، فالكسب هو قيمة الأعمال البشرية، وهو تحصيل الحاجات بسعي أو بغيره، فإن كان للكسب منفعة وثمرة تعود للعبد، سمِّي رزقًا[1].

والمعاش عند ابن خلدون هو ابتغاء الرزق، ويكون بطرق عديدة؛ منها: الفلاحة، والصناعة، والتجارة، والجباية، والطرقُ الثلاثة الأُولى طبيعية، والأخيرة غير طبيعية، مثلها مثل الخدمة في أجهزة الدولة، وخدمة الأغنياء، وابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز.

1- الفلاحة: هي أقدم وجوه المعاش؛ "لأنها بسيطة وطبيعية فطرية، لا تحتاج إلى نظر ولا علم"[2]، وهي من اختصاص أهل البدو، وتنقسم إلى زراعة وتربية الحيوان الداجن، وهذا التقسيم للفلاحة ما زال قائمًا إلى اليوم، فالزراعة هي الشقُّ الأول والأهم في الفلاحة؛ لأنها سبب للشقِّ الثاني الذي قد يكون مكلِّفًا، خاصة بالنسبة لصغار الفلاحين.

2- الصناعة: هي من أساسيات العمران، ومن شروط تطوُّره وازدهاره.
أ- أقسام الصناعة: قسَّمها ابن خلدون إلى صنائعَ بسيطة تختص بالضروريات، وصنائع مركَّبة تختص بالكماليات، وقسمها من جهة أخرى حسب اختصاصها، فمنها ما يختص بالمعاش؛ كالحياكة والجزارة والنجارة والحدادة وأمثالها، ومنها ما يختص بالأفكار؛ كالوراقة والغناء والشعر وتعليم العلم، ومنها ما يختص بالسياسة؛ كالجندية وأمثالها[3].

ب‌- الصناعة والعمران: الصناعة تحتاج لازدهارها للعمران الحضري؛ فكلما اتسع العمران ظهرت الحاجة للصنائع، كما أن رسوخ الصناعة في البلدان مرتبطٌ بطول أمد الحضارة فيها، وبدرجة الطلب عليها، وكلما شارفت الدول على نهايتها انتقصت منها الصنائع[4].

ت‌- أمهات الصنائع: ميَّز فيها ابن خلدون بين الضرورية وبين الشريفة بالموضوع؛ فالأولى كالفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة، والثانية كالتوليد والكتابة والوراقة والغناء والطب، وقد فصَّل القول قليلًا في كلِّ هذه الصنائع.

3- التجارة: هي الوجه الثالث للمعاش الطبيعي، وهي "محاولة الكسب بتنمية المال بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء"[5]، وقد ذكر ابن خلدون مجموعة من المسائل المرتبطة بالتجارة، منها:
أ‌- التصدر للتجارة: التجارة بطبيعتها يكثر فيها الغش من البائع والمشتري، وعلى من يتصدَّر للتجارة أن يكون جريئًا صاحبَ منَعةٍ من جاه أو حكم، وإلا خسر تجارته.

ب‌- نقل السلع: ذكر ابن خلدون أن التاجر الحَذِق ينقل ما تعمُّ الحاجة إليه، ويكون من أوسط سلعته، ومن الأفضل أن يكون النقلُ بعيدًا ليزيد الربح؛ لقلة الناقلين، وكثرة الطالبين.

ت‌- احتكار السلع: تحدَّث ابن خلدون عن الاحتكار في عدة مواضع، وعمومًا احتكار الأقوات عنده مشؤوم يُنذر بالتلف والخسران[6]، وهو من أشد الظلم وأكثر أسباب زوال الدول إن كان من السلطان وحاشيته[7].

ث‌- الأسواق: تتأثر الأسواق بالعمران واتساعه كثرةً وقلةً، نشاطًا وكسادًا؛ لأن مع اتساع العمران اتساع الحاجات، ومنه اتساع سائر وجوه المعاش، ومنها التجارة في الأسواق التي تضم الضروريات والحاجيات والكماليات من السلع.

ج‌- الأسعار: أسعار السلع مرتبط باتساع الدولة وانبساطها، فكلما اتسعت رخُصت الضروريات وغلَت الكماليات، ولا يُفسد هذه القاعدةَ إلا القحطُ والاحتكار، هذه النظرية هي عين ما يقوله الاقتصاد الحديث، أما أسعار اليد العاملة، فترتفع في الحواضر المعمورة؛ لارتفاع دخل السكان وأنفتهم من مزاولة العمل بأيديهم بذخًا وترفًا.

ح‌- تجارة السلطان: يرى ابن خلدون أن تجارة السلطان مضرة بالرعية، مفسدة لأموال الدولة؛ وذلك لأنه يضايق صغار التجار برأسماله الكثير، فيبيع ويشتري بما يشاء ويبخس سلع غيره، ثم إن السلطان قلَّما يدفع مكوسًا فتفرغ بذلك خزينة الدولة، وإن تجارة السلطان تنغِّص على الفلاحين والتجار، فيتركون فلاحتهم وتجارتهم، وهم أكثر من يدفع الجباية ويملأ خزائن الدولة، "فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة، وقعد التجار عن التجارة، ذهبت الجباية جملةً، أو دخلها النقص المتفاحش"[8].

4- الجباية: هي الضريبة بكل أشكالها، وهي من أهم مداخيل الدولة، وقد تحدَّث ابنُ خلدون عن مجموعة من المسائل المرتبطة بها وبالأموال عمومًا، ومنها:
أ‌- ديوان الأعمال والجبايات: يقوم على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الداخل والخارج، ويحصي الموظفين ويصرف رواتبهم، والديوان يطلق على الكِتاب الذي تسجَّل فيه المعلومات، كما يطلق على مجلس الموظفين، وأول من وضع الدواوين في الإسلام هو عمر الفاروق رضي الله عنه.

ب‌- السكة: "هي النظر في النقود المتعامَل بها بين الناس وحفظها مما يداخلها من الغش أو النقص"[9]، وكانت النقود تُسك وتُختم بطابع من حديد تنقش فيه كلمات أو صور.

ت‌- النقدان: هما الذهب والفضة، وقد اتخذ العرب الدينارَ من الذهب، والدرهمَ من الفضة، وكانوا يتعاملون بهما وزنًا إلى عهد عبدالملك بن مروان حين انتشر الغش والتطفيف، وقد تحدث ابن خلدون عن الدينار والدرهم، وأشكالهما المربعة والمدورة، وأوزانهما الشرعية، وما يطبع عليهما من كلام[10].

ث‌- الجباية بين القلة والكثرة: وضع ابن خلدون قاعدة مفادها أن "الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة، وآخرها تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة"[11]، والمعنى أنه كلما ارتفعت قيمة الضرائب قلَّ من يؤديها فتقلُّ الجباية، وكلما انخفضت قيمة الضرائب كَثُرَ من يؤديها فتكثر الجباية.

ج‌- الجباية الشرعية وغير الشرعية: يفرِّق ابن خلدون بين الدولة التي تكون على سنن الدين، وبين التي لا تكون على ذلك؛ فالأُولى جبايتها من المغارم الشرعية كالزكاة والخراج والجزية، أما الثانية، فتستحدث ضرائب جديدة كما قال ابن خلدون: "يستحدثون ألقابًا ووجوهًا يوسِّعون بها الجباية"[12]، وأشهرها المكوس التي تفرض على البيع والشراء وغيرهما.

ح‌- الحسبة: جمعها ابن خلدون مع السكة؛ لذلك أدرجتها هنا، وهي - حسب رأيه - وظيفة دينية للخليفة، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنها بصبغة سلطوية ملزمة.

خ‌- ركود المال وحبسه: يرى ابن خلدون أن المال يحتاج للاستثمار والانتقال من أجل تحريك الاقتصاد وإنعاشه، فإذا حبس السلطان المال شلَّ الاقتصاد؛ لأن المال كالماء يحتاج للتجدُّد بالحركة من الرعية إلى السلطان بالجباية، ومن السلطان إلى الرعية بالمشاريع والأوراش والاستثمارات، فإذا حُبس في جهة، أصبح كالماء الراكد.

خاتمة:
إن الاقتصاد الخلدونيَّ يقوم على دراية واطلاع، وتتبُّع وتجربة طويلة، مع إدامة النظر والتفكير والتحليل، ومن أهم ملامح النظرية الاقتصادية عند ابن خلدون تقسيمه للمعاش (الاقتصاد) كما نقسِّمه اليوم إلى فلاحة وصناعة وتجارة وضرائب، وهذه الأخيرة وجه من وجوه اقتصاد الدولة، وقد ربط بين تطوُّر الدولة وزيادة الضرائب، وأكد أن تدخُّلَ الدولة في الاقتصاد يؤدي غالبًا إلى الظلم، وأشار إلى أن الانتقال من البداوة إلى الحضارة هو انتقال من الفلاحة إلى الصناعة، التي يرى ابن خلدون أنها أساس العمران؛ لأنها تدخل في باقي القطاعات: (الفلاحة والتجارة).

وقد سبق ابنُ خلدون مُنظِّرِي الاقتصاد في العصر الحديث أمثال آدم سميث وريكاردو وكيسناي وكينز - إلى مجموعة من النظريات؛ كتقسيم العمل والتعاون، ونظرية القيمة والإنتاج، والحرية الاقتصادية، ودور الدولة، والنقود والمالية، حتى إن بعضهم قال: إنه أبو الاقتصاد؛ كمحمد حلمي مراد في كتابه: "أبو الاقتصاد ابن خلدون"، ويقول عبدالعزيز الحبابي: "إذا كانت نظريات ابن خلدون عن حياة المجتمع المعقَّدة تضعه في مقدمة فلاسفة التاريخ، فإن فهمه الدور الذي يؤديه العمل والملكية والأجور يضعه في مقدمة علماء الاقتصاد المحدَثين[13]".

المراجع:
1- ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: عبدالله الدرويش، دار يعرب، 2004م.
2- عبد الحق حمِّيش، الفكر الاقتصادي عند العلامة ابن خلدون مقارنًا مع النظريات الاقتصادية الحديثة، جامعة الشارقة.

[1] مقدمة ابن خلدون، تح: عبدالله محمد الدرويش، دار يعرب، 2004، الجزء الثاني، ص65.
[2] نفسه، ص 68.
[3] نفسه، ص 90.
[4] نفسه، ص 91 وما بعدها.
[5] نفسه، ص83.
[6] نفسه، ص 87.
[7] نفسه، الجزء الأول ص 480.
[8] نفسه، ج1، ص472.
[9] نفسه، ج1، ص 408.
[10] نفسه، ج1، ص 447 وما بعدها.
[11] نفسه، ج1، ص 468.
[12] نفسه، ج1، ص 481.
[13] محمد عزيز الحبابي: ابن خلدون معاصرًا: ص١٨٤، عن الفكر الاقتصادي عند العلامة ابن خلدون مقارنًا مع النظريات الاقتصادية الحديثة؛ عبدالحق حمِّيش، جامعة الشارقة.

@ alukah 2018

مجلة الصيرفة الإسلامية- الحمدُ لله، والصَّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

أمّا بعد،

فهذا مبحثٌ ممّا تمسُّ إليه حاجةُ الفقيه وطالبُ الفقه، من الإلمام بواقع النشاط التجاريّ، وتطوّره عبر العصور، والإلمام بالظروف الواقعيّة التي أسهمت في هذا التّطوّر؛ وذلك كما قرّر العلامة ابن القيم أنّه: (لَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلَا الْحَاكِمُ مِنْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، إلَّا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الْفَهْمِ:

أَحَدُهُمَا: فَهْمُ الْوَاقِعِ وَالْفِقْهِ فِيهِ، وَاسْتِنْبَاطُ عِلْمِ حَقِيقَةِ مَا وَقَعَ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ، حَتَّى يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: فَهْمُ الْوَاجِبِ فِي الْوَاقِعِ، وَهُوَ فَهْمُ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رسوله فِي هَذَا الْوَاقِعِ، ثُمَّ يُطَبِّقُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ؛ فَمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَعْدَمْ أَجْرَيْنِ أَوْ أَجْرًا؛ فَالْعَالِمُ مَنْ يَتَوَصَّلُ بِمَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ، إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا تَوَصَّلَ شَاهِدُ يُوسُفَ بِشَقِّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ إلَى مَعْرِفَةِ بَرَاءَتِهِ وَصِدْقِهِ)[1].

مقدّمة في بيان مفهوم الوسيط التجاريّ وأهميّته:

إنّ النّشاط التّجاريّ بين البشر، إنّما يتمُّ عبر وسيطٍ ذي قيمةٍ مادّيّة نفعيّة، يتمّ على ضوئه تقييمُ ما لدى كلِّ فردٍ من السِّلع والمنافع، حتّى يتسنّى بناءً على ذلك تحقيقُ عمليّة المبادلة التي هي جوهر كلّ نشاطٍ تجاريّ.

هذا والنشاط التجاريّ، بطبيعته يرتقي من خلال تطوّر المجتمع[2]، فترتقي بارتقائه عمليّةُ المبادلة، كما يرتقي بارتقائها الوسيطُ الّذي تتمّ من خلاله هذه المبادلة.

إذن، فبإمكاننا الآن تعريف مفهوم الوسيط التجاريّ، بأنّه يدل على الأداة التي يتمُّ من خلالها تبادل السّلع والمنافع، بين الأفراد، فلولاه لمّا تمكّن الأفراد من إنجاز عمليّة التّبادل، التي هي شرطٌ لقيام أيّ نشاطٍ تجاريّ.

ويتميّز هذا الوسيطُ، بأنَّ له قيمةً ذاتيّةً، حقيقيّةً أو حُكميّة، وسيتّضح لنا معنى ذلك في السياق التّالي.

تطوُّر مفهوم الوسيط التّجاريّ:

لقد قدّر الله عزّ وجلّ، أنّ هذا الوسيط الّذي تجري وفقاً له المبادلاتُ التجارية، في عصور البشريّة الأولى، كان كامناً في السّلع والمنافع ذاتها، فكانت المبادلة تتمُّ مباشرةً بحسب حاجة كلٍّ من الطرفين إلى القيم المادِّية النفعيّة، التي تتضمّنها السّلعةُ التي يملكها الطرف الآخر، فيأخذ أحدُهما ما يحتاج إليه من الآخر، ويأخذ الآخر ما يحتاج إليه من الأول، وبهذا تتمّ المبادلة، وسُمّي هذا الوسيط الذي تمّت عبره عمليّة المبادلة بنظام المقايضة.

ثمّ قدّر الله تعالى أن يتطوّر المجتمع، ويرتقي نشاطُه التجاريّ، فلم يعد الوسيطُ القائم على المقايضة المباشرة للسّلع قادراً على مجاراة هذا التطور، فهدى الله البشريّة إلى أن تبتكر الوسيط النقديّ، ابتداءً من النّقود السّلعيّة، حيث صارت المقايضة أو حصولُ الفرد على السّلعة أو المنفعة التي يريدها، لا تتمُّ مباشرةً، بل بطريقٍ غير مباشر، وتزامن ذلك مع نشأة السوق، فصار بإمكان كلّ فردٍ أن يحصل من السّوق على ما يُريده، عبر استعمال سلعٍ خاصّة، قابلةٍ للتّداول ولا يُصيبها التّلف، ولها قيمةٌ في ذاتها، وقدّر الله أنّ هذه الشروط لم تنطبق إلا على النّقدين الذّهب والفضة، فسكُّوا منها مسكوكاتٍ ذاتِ قيمةٍ وحجمٍ أقل، ليسهل الانتقال بها لمسافاتٍ بعيدة.

ثم قدّر الله تعالى أن تطوَّرَ المجتمعُ وتعقّدت حاجاته، فلم تعد النقودُ قادرةً على الوفاء بهذه الحاجات الجديدة، خاصّةً مع ظهور الصَّفقات التجاريّة الكبيرة، التي تتمّ عبر الحدود، وتقتضي نقلَ كمّيّةٍ كبيرةٍ من النقد، وحمايته من اللُّصوص، فهدى الله البشريّة إلى استخدام وسيلةٍ أخرى قائمةٍ على الثّقة والائتمان، تلكم هي الأواق التجاريّة، التي كانت قمّة ما وصل إليه تطورُ التجارة والاقتصاد البشريّ.

إذن، فقد ارتقى النشاط التجاريّ بين البشر، من استخدام وسيلة المقايضة، إلى استخدام وسيط النّقود، إلى استخدام وسيلة الأوراق التِّجاريّة القائمة على أساس الائتمان، وينبغي التّنبيهُ إلى أنّه -كما هو واضحٌ- فإنّ هذا التطوُّرَ لم يكن بحيث يُلغي اللاحقُ السّابق، بل بقي للوسيطينِ السّابقينِ وجودُهما المعتبر في التّجارة.

متى حدثت هذه التطوّرات؟

إنّ من الصعب جدّاً: معرفة التّاريخ الّذي انتقلت فيه البشريّة أو مجتمعٌ معيّن، من مرحلة الوسيط التجاريّ القائم على المقايضة، إلى مرحلة الوسيط التجاري النقدي، إلى مرحلة الوسيط التجاري الائتماني، ففريق من الباحثين قد نسب عمليّة اكتشاف الوسيط التجاري الائتمانيّ، إلى الحضارة اليونانية القديمة، وفريقٌ آخر نسبها إلى الحضارة الرومانيّة، وفريقٌ آخر نسبها إلى الصّين القديمة، وبعضهم عاد بها إلى عصر حمورابي[3].

ولكن من المؤكد لدى كثيرٍ من الباحثين، أنّ الوسيط الائتمانيّ القائم على أساس الأوراق التجاريّة، قد شاع استعمالُه منذ القرن الثاني عشر الميلادي، في هيئة "الكمبيالة"، ومنذ القرن السابع عشر الميلادي، في هيئة "السند الإذنيّ"، ومن ثمّ ظهر بعده "الشيك" لأول مرّة بعد إنشاء مصرف إنجلترا عام 1694م[4].

تطوُّر الوسيط التجاريّ في العالم الإسلاميّ:

أمّا في العالم الإسلاميّ، فتدلّ العديدُ من الشواهد، على أنّ الوسيط التجاري القائم على أساس المقايضة، والوسيط النقدي كانا يتعايشان معاً في إطار المجتمع الجاهلي، ثم في عهد النُّبوة والخلافة الرّاشدة، وما بعدها من عصور.

يقول الدكتور جواد عليّ: (أمَّا النقود من ذهب وفضة, فقد كانت معروفة عند الجاهليِّين، ولا سيَّما فيما بعد الميلاد، إلا أنها لم تكن كثيرة في الأسواق, ولهذا كانت طريقة المقايضة هي الطريقة الغالبة في معاملات البيع والشراء)[5].

وربما يدلُّ التّدبير النّبوي الذي اتّخذه الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيّن فيه ضوابط التّعامل بستة أصنافٍ من السّلع، كما في هذا الحديث: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ, وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ, وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ, وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ, وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ, مِثْلًا بِمِثْلٍ, يَدًا بِيَدٍ, فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى, الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ))[6]، ربما يدلُّ هذا التدبير على اتّخاذ هذه الأصناف الستة، وسيطاً نقديّاً سلعيّاً في التّبادل، ولذلك ساوى بين قيمها، وجعلها عند التّبادل مثلاً بمثلٍ، يداً بيدٍ، يؤيّده ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ [أي جيّدٍ]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لاَ تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»[7]، فالمقصود أن لا يتم تبادل مباشرٌ بين أيِّ صنف من هذه الأصناف الستة وما يماثله، إلا متماثلاً ويداً بيدٍ، وذلك حفاظاً على القيمة النّقديّة الثّابتة، ومثال ذلك: الورقة فئة المائة ريال تماثل أيّ ورقةٍ أخرى فئة المائة ريال، سواءً كانت جديدةً أو قديمة، وكذلك كيلو من التمر أيّاً كانت جودته يساوي أيّ كيلو آخر من التمر.

هذا بالنسبة للوسيطين التجاري القائم على المقايضة، والقائم على النّقد، أما الوسيط التجاري الائتمانيّ، فقد عُرف كذلك منذ وقتٍ مبكرٍ وشاع استعماله منذ عصر الصحابة، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يأخذ الوَرِقَ من التجار بمكة، على أن يكتب لهم بها إلى الكوفة[8]، وقال ابن قدامة في المغني: (وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ بِهَا إلَى مُصْعَبِ بْن الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ، فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا. وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ. رَوَاهُ كُلَّهُ سَعِيدٌ)[9].

المراجع

[1] إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 69).

[2] أي تطوّراً مادّياً اقتصاديّاً، وهذه قاعدة عامّة: أنّ البشريّة فيما يتعلّق بالاقتصاد والصناعة، ترتقي ارتقاءً يمتدّ في خطٍّ يظلُّ صاعداً عبر العصور، مع ملاحظة أنّ ذلك يتفاوت من مكانٍ إلى آخر، ففي فترةٍ تاريخية معيّنة، يكون أحد المجتمعات في طورٍ متقدم اقتصاديّاً، بينما يكون مجتمع آخر في مرحلته البدائية، أمّا فيما يخصُّ القيم والأخلاق فإنّ مسار التطور البشريّ يكون في مسارٍ إهليليجيٍ متعرّج، فتارةً يرتقي صاعداً وذلك في عهود الأنبياء والصالحين، وتارةً ينحطُّ أسفل سافلين،.

[3] أحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلاميّ، ص 23.

[4] المرجع السابق.

[5] المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام (10/ 281).

[6] صحيح مسلم (1584).

[7] صحيح البخاري (2201)، وصحيح مسلم (1593).

[8] قال الدكتور سعد بن تركي الخثلان: ذكر هذا الأثر شمس الدين السرخسي في المبسوط (14م37) دار المعرفة، بيروت، ولم يعزه إلى أحد، ولم أقف على من خرجه. أحكام الأوراق التجارية: ص24، هامش رقم (3).

[9] المغني لابن قدامة (4/ 240)، عن أحكام الأوراق التجارية للخثلان ص (25).
@ fiqh.islammessage 2018

السبت, 17 شباط/فبراير 2018 04:53

المؤمن الطيب لا يأكل إلا الطيب..

مجلة الصيرفة الإسلامية- لا يخفى على كثير منا أننا في زمن فتحت فيه الدنيا على الناس، وكثرت تجاراتهم، وتعددت مكاسبهم، وكثرت صور البيوع في هذا العصر التي حيرت الناس والتبست عليهم، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بقوله: «يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام».

ولكن من يسعى الى اللحاق بركب النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه لا يتأثر بما يتأثر به الناس، ولا يتابعهم فيما يخالفون فيه هدي رسول الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أربع اذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة» رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني في «الصحيحة» (733).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال وترك الحرام» رواه ابن حبان، وصححه الألباني في «الصحيحة» (2607).

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم.. المؤمنون: 51)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم.. البقرة 172)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه الى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» رواه مسلم (1015).

تأملوا هذا الرجل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: «يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه الى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك».

لقد استجمع هذا الرجل من صفات الذل والمسكنة والحاجة والفاقة ما يدعو الى رثاء حاله، ويؤكد شدة افتقاره، تقطعت به السبل، وطال عليه المسير، وتغربت به الديار، وتربت يداه، ورأسه اشعث، مغبرة قدماه، ولكنه قد قطع صلته بربه، وحرم نفسه من مدد مولاه، فحيل بين دعائه والقبول، لأنه أكل من حرام، واكتسى من حرام، ونبت لحمه من حرام، فردت يداه خائبتين.

ان طلب الحلال وتحريه أمر واجب وحتم لازم، فلن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من اين اكتسبه وفيم انفقه، ان حقا على كل مسلم ومسلمة ان يتحرى الطيب من الكسب، ليأكل حلالا وينفق في حلال.

اولئك هم الصالحون لا يدخلون الحرام في أجوافهم حتى المشتبه به، وصار بعض الناس يعمد الى الحرام يملأ به بطنه، وبطن أهله.

فماذا يبقى للعبد اذا انقطعت صلته بربه، وحجب دعاؤه، وحيل بينه وبين الرحمة؟!

يقول الله جل وعلا وتبارك وتعالى وتقدس: (قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون.. المائدة 100)، فالطيب مفضل، الطيب في اعلى الدرجات، والخبيث في اسفل سافلين، الطيب من الأعمال يحبه الله تعالى، فإن الله طيب لا يقبل الا طيبا، ان الله جل جلاله طيب يحب الطيب من القول ويحب الطيب من العمل ويضاعفه لأصحابه، الله جل وعلا يحب الطيبين من الناس، ويبغض الخبيثين من الناس، الله جل وعلا يرفع الطيب من المال ويبارك لأصحابه فيه، ويخفض الخبيث من المال ويجعله وبالا على أصحابه.

فهذه انحاء اربعة يكون فيها الطيب والخبيث طيب في الاقوال وطيب في الافعال والاعمال، وطيب في الناس، وطيب في الاموال، وما يقابلها: خبث في الاقوال وخبث في الأعمال وخبث في الناس وخبث في الأموال.

قال الراغب الاصفهاني: «وأصل الطيب ما تستلذه الحواس وما تستلذه النفس، والطعام الطيب في الشرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز وبقدر ما يجوز ومن المكان الذي يجوز».

وان المؤمن الطيب لا يناسبه الا الطيب، ولا يرضى الا به، ولا يسكن الا اليه، ولا يطمئن قلبه الا به.

وكذلك لا يألف من الاعمال الا اطيبها، وهي الاعمال التي اجتمعت على حسنها الفطر السليمة مع الشرائع النبوية، وزكتها العقول الصحيحة، فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة، مثل ان يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبب اليه جهده وطاقته، ويحسن الى خلقه ما استطاع، واذا رأى لهم حسنا اذاعه، واذا رأى لهم سيئا كتمه، ويقيم اعتذارهم ما استطاع فيما لا يبطل شريعة، ولا يناقض لله امرا ولا نهيا.

وكذلك لا يختار من المطاعم الا اطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الذي يغذي البدن والروح احسن تغذية مع سلامة العبد من تبعته.

والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة كما ان الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة والبركة في العمر، والنماء في المال، والبركة في الذرية، والطريق الموصل لمرضات الله.

قال الناظم:

المال يذهب حله وحرامه

يوما وتبقى في غد آثامه

ليس التقي بمتق لألهه

حتى يطيب شرابه وطعامه

ويطيب ما يحوي وتكسب كفه

ويكون في حسن الحديث كلامه

نطق النبي لنا به عن ربه

فعلى النبي صلاته وسلامه

@ fiqh.islammessage 2018

مجلة الصيرفة الإسلامية- ماذا يعني عقد ملتقى خاص للمصارف الاسلامية في العراق ، ترعاه رابطة المصارف الخاصة العراقية ، وبمباركة من البنك المركزي العراقي ؟ هذا السؤال ، ظل يراودني ، منذ ان بدأت التحضيرات لهذا الملتقى حيث كانت اروقة رابطة المصارف الخاصة ، ممثلة بربانها الاستاذ وديع الحنظل ، ومديرها التنفيذي على طارق مصطاف ومعاونه النشط احمد الهاشمي ، حتى لحظة الافتتاح البهي الذي شهدته كبرى قاعات فندق بابل السبت 27 الحالي .. فوجدت الجواب من خلال كلمات الافتتاح ، حيث اعلن محافظ البنك المركزي الاستاذ علي محسن العلاق ان عدد المصارف الاسلامية في العراق بلغ 30 مصرفا ،و هذه التوسعة جاءت من أجل زيادة حجم التعاملات المصرفية وبناء الثقة بين الجهاز البنكي والمواطن مؤكدا على اهمية العمل على اعادة الاموال المكتنزة الى الجهاز المصرفي وجعلها مشاركا في الدورة الاقتصادية ومساهما في عملية التنمية المستدامة...
وجاء الجواب الآخر ، من خلال كلمة الاستاذ الحنظل الذي اكد فيها أن رأسمال المصارف الإسلامية يبلغ أكثر من 3 مليارات دولار ، وان الملتقى الذي حمل شعار (الانطلاق بقطاع مصرفي اسلامي يساهم في التنمية) يمثل خطوة جادة ومهمة باتجاه مسايرة التطورات المستجدة والمتسارعة التي يشهدها هذا النوع من النشاط المصرفي في منطقتنا وفي العالم، لاسيما انه يحظى بمشاركة واسعة من النخب والشخصيات المصرفية المتخصصة بالعمل المصرفي الاسلامي في العراق وفي الدول العربية...
اذن نحن امام فعالية مهمة ، تسهم في رعاية قطاع مصرفي اسلامي يتوافق عمله مع أحكام الشريعة الإسلامية في جميع معاملات التمويل والخدمات المصرفية والاستثمار وهو يخضع كمؤسسات مالية، لإشراف ورقابة البنك المركزي العراقي ، في جميع المعاملات والمنتجات التي توفرها لعملائها ، سواء أكانت هذه المنتجات ودائع استثمار أم صكوك استثمار إسلامية أم حسابات توفير، وهي تلبي مختلف احتياجات التمويل الخاصة بالعميل من خلال توفير العديد من الخيارات مثل: المرابحة (عقد التكلفة الإجمالية) والمشاركة (المشاريع المشتركة) والإجارة (التأجير)، فضلاً عن توافر خيارات إسلامية لخطاب الضمان وخطاب الاعتماد والبطاقات المغطاة التي يتم تغطيتها ، والملاحظ ان المصارف الحكومية والخاصة ، تأثرت في الفترات الماضية بالأزمات المالية ، إلا أن المصارف الإسلامية لم تتأثر بها بشكل جوهري... وهذا دليل ، أمن وأمان.
لقد خرجتُ بمعلومات مهمة ، وانا اتابع الجلسات التي هيأتها اللجنة المختصة في رابطة المصارف العراقية الخاصة ، لفعاليات الملتقى ، حيث سلطت الضوء على واقع القطاع المصرفي الاسلامي في العراق ، والبيئة التشريعية لعمل المصارف الاسلامية الى جانب الضوابط الشرعية لتطوير المنتجات في تلك المصارف ، وايضا اهمية توسع الصيرفة الاسلامية ودورها في التنمية ، وكذلك الرقابة والتدقيق في المصارف الاسلامية ومعايير الشمول المالي ، وغير ذلك من المعلومات التي غابت عن اذهان الكثيرين ، لأن تجربة المصارف الاسلامية حديثة العهد عندنا .. لكنها نشطت في الآونة الاخيرة .
وبالعودة الى سؤالي في بداية المقالة .. اضيف سؤالاً آخر يتعلق بفلسفة المصارف الاسلامية ، لكني لن ابحث عن جواب ، حيث سأجيب من خلال قراءاتي ومتابعاتي الشخصية ، ان فلسفة المصارف الإسلامية تعتمد على مجموعة أفكار منها الإنابة أو التفويض بين مالك المال "المودع" والمصرف الإسلامي "المستثمر" وكذلك فكرة المخاطرة بأموال المساهمين والمودعين معاً في سبيل الحصول على عائد، مع التأكيد على رفض استخدام الفائدة كتعويض للمودع واستبدالها بحصة من الربح. وتنبثق فكرة المصارف الإسلامية من حقيقة أن وظيفة التمويل (بشقيها تجميع الأموال وتوظيفها) تقوم في المنهج الإسلامي على أساس توفير السيولة النقدية للمشروعات الاستثمارية التي تحتاجها وذلك على أن تكون نتائج هذا النشاط شراكه بين المصرف وأصحاب العمل من جهة وبين المصرف وأصحاب المال من الجهة الأخرى.
بقيت كلمة ، لابد من تأكيدها ، وهي إن استقرار الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية، عامل أساسي في نجاح أداء المصارف عموما والمصارف الإسلامية خصوصاً. غير أن هذا العامل ليس من قدرة المصارف التحكم فيه، لذلك وجب على المصارف محاولة التأقلم مع هذا الظرف رغم صعوبته ، ومن الانصاف القول ان البنك المركزي العراقي يسعى من خلال اجراءاته الايجابية ، الى إنجاح دور المصارف الإسلامية لما لها من أثر كبير في تجميع المدخرات وإيجاد البديل المحلي لتمويل عملية التنمية الاقتصادية ..
@ alwatanvoice 2018

السبت, 23 كانون1/ديسمبر 2017 09:48

الاقتصاد السلوكي والصيرفة الإسلامية

مجلة الصيرفة الإسلامية- من المتفق عليه إن ضعف قواعد الحوكمة والثغرات في الأنظمة المحاسبية والرقابية، كانت من بين أسباب أخرى ساهمت في اندلاع الأزمة العالمية عام 2008. إذ استغلت المصارف جوانب الضعف والثغرات هذه، في تمرير التلاعب بسوق العقارات والمساكن في الولايات المتحدة، وفي أسواق المشتقات المالية، وفي تضخيم أرباح المتاجرة بدفاتر البنوك من أجل حصد المكافآت المرتفعة. وكانت ردة الفعل الطبيعية جملة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومات والبنوك المركزية و «لجنة بازل»، انتهت إلى ظهور ما يسمى بـ «بازل 3». واضح أن هذه الإجراءات تستهدف وضع مزيد من الرقابة والقيود على تصرفات المسؤولين في المصارف لدى اتخاذ قرارات التمويل والاستثمار. لكن مع ذلك، تظل هذه الإجراءات قاصرة عن الوصول إلى تغيير سلوك هؤلاء المسؤولين الذين تدفعهم نوازعهم الشخصية للإصرار على البحث عن منافذ للالتفاف على تلك الرقابة والقيود.
لذلك، شهدنا خلال السنوات الماضية مزيداً من الاهتمام بدرس دور العوامل النفسية في صنع القرارات الاقتصادية، مع التركيز على العوامل السلوكية، في إشارة إلى اهتمامات الاقتصاد السلوكي الذي يرجع الفضل في تطويره إلى عالم الاقتصاد الأميركي ريتشارد ثالر، الذي حاز قبل أشهر على جائزة نوبل للاقتصاد لعمله الرائد في هذا المجال. ويرى ثالر أن الافتراض بأن الأفراد يسلكون سلوكاً اقتصادياً رشيداً، ليس بالأمر الصحيح دائماً. ولو كان الأمر كذلك، لتشابهت السلع، وتساوت أسعار السلع والخدمات المتشابهة. لذلك، فإن على السلطات عدم الاكتفاء بالتشريعات والقوانين، بل يجب أن تطور قنوات اتصال تركز على ترشيد سلوك الأفراد والمؤسسات وتنشيط ردات الفعل الإيجابية لديهم لدى اتخاذ قراراتهم.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت مؤشرات تدل على دخول المصارف المركزية والمؤسسات المالية هذا المجال. وعلى سبيل المثال، تعاونت المصارف المركزية مع المؤسسات المالية في بلدانها على تصميم سياسات أفضل لحماية المستهلك المالي، وإدارة الأخطار المالية والسلوكية. ففي مجال سياسات حماية المستهلك المالي، تفترض السياسات التقليدية لحماية المستهلك أنّ المستهلك زبون «عقلاني»، يقوم بتحليل كل المعلومات المتاحة أمامه لاتخاذ أفضل قرار ممكن، بحيث تؤدي الزيادة في المعلومات إلى قرارات أفضل. وهذا مخالف للأدلة المأخوذة من بحوث الاقتصاد السلوكي التي تدل على أن المستهلك غالباً ما يتخبط أمام كثرة المعلومات أو يُهمل المعلومات المتاحة أو أجزاء منها، حتى لو كانت بالغة الأهمية٬ أو يعتمد على جزئية بسيطة ربما لا تكون كافية لتكوين القرار الصائب. وبالتالي، يمكن للمصارف المركزية استخدام مفاهيم الاقتصاد السلوكي لإعادة تصميم سياسات حماية المستهلك. على سبيل المثال: صياغة المعلومات ذات الأهمية التي يتلقاها المستهلك عندما يتقدم بطلب للحصول على رهن عقاري أو على بطاقة ائتمان، أو يشتري منتجات التأمين أو يستثمر في صندوق للمعاشات التقاعدية بطريقة جاذبة للانتباه ومفهومة وفي التوقيت المناسب.
أما في ما يخص إدارة الأخطار المالية والسلوكية، فيملك الاقتصاد السلوكي دوراً مهماً في ذلك من خلال معالجة ضغوط الديون (debt stress) في سوق الائتمان الاستهلاكي، إذ يمكن مساعدة الأفراد الذين يعانون من ضغوط الديون على سداد ديونهم في الوقت المحدد، من خلال إرسال رسائل نصية إيجابية تحفزهم على ذلك، وهو ما قام به البنك المركزي المجري كجزء من برنامج لتحسين إدارة الديون.
وعندما نتحدث عن هذه القضايا في إطار الصيرفة الإسلامية، وكما ذكرنا، فإن إجراءات وتشريعات تشديد قواعد الحوكمة والمعايير المحاسبية التي طبقتها «بازل»، تفترض بقاء المنتجات المصرفية ذاتها والتي ساهمت في الأزمة العالمية مثل المشتقات المالية ولكن مع تشديد الرقابة عليها.
كذلك الاقتصاد السلوكي يفترض بقاء هذه المنتجات، ولكن مع السعي إلى تغيير سلوك المسؤولين المصرفيين والمستثمرين في التعامل معها كي يكونوا أكثر مسؤولية. بينما عندما نتحدث عن الصيرفة الإسلامية، فإننا يجب أن نلاحظ إن هذه البنوك تنطلق أولاً وفي بدء مزاولة عملها، على تجنب تقديم منتجات أو خدمات قد تؤدي إلى إلحاق الضرر بالمتعاملين، وهي عادة ما تربط بالاقتصاد الحقيقي، وتلتزم أخلاقياً ومهنياً، انطلاقاً من تقيدها بمبادئ الشريعة، بالصدق والأمانة، كما تتعامل مع الأموال التي لديها كأموال عامة هي مسؤولة عن الحافظ عليها وتجنيبها الضياع والخسارة قدر الإمكان. إذا لدى المسؤولين المصرفيين في المصارف الإسلامية ما يوجه سلوكها من الناحية الشرعية والأخلاقية، نحو اتخاذ قرارات استثمارية وتمويلية أكثر رشداً.
ولكن هذا لا يمنع من القول إن التطورات التي نشهدها في حقل الاقتصاد السلوكي وتطبيقاته في مجال المصارف والمؤسسات المالية، يجب أن يكون حافزاً للبنوك الإسلامية للعمل على مراجعة ومواصلة تطوير منتجاتها وخدماتها وعقود معاملاتها ومناهج عملها، من خلال الاستفادة من تلك التطبيقات بغية ربطها بشكل أكبر بمقاصد الشريعة والحاجات الضرورية للمستهلكين والمستثمرين، وأن تبتعد من استغلال التحيز السلوكي والضعف المعرفي لدى المتمولين والزبائن من ناحية استغلال العاطفة الدينية لديهم، وتقديم منتجاتها المالية التقليدية، بمسميات العقود الفقهية. كما يجب أن تلتزم بالإفصاح عن البيانات التي تكون في وضع ظني لاستغلال المستهلك، وتوعيته بالخيارات المالية السليمة، ضافة إلى منع تسويق المنتجات المالية التي صممت لتضليل المستهلك واستغلال ضعفه المعرفي وأن تعامل المستثمر والمستهلك كشريك لها في أعمالها، وتساعده على اتخاذ القرارات الصائبة.
وأخيراً، على رغم بروز وحدات الاقتصاد السلوكي في عدد من الدول العربية٬ لا يمكن اعتبار الشمول المالي أو المسائل النقدية التي بدأت المصارف المركزية في بعض الدول لا سيما في أميركا وأوروبا، مقاربتها بعدسة سلوكية، من المسائل التي هي على لائحة الأولوية في دولنا العربية. لذلك، نتطلع إلى مبادرات رائدة من المصارف المركزية والبنوك العربية واتحاد المصارف العربية في هذا المجال.
@ alhayat 2017

السبت, 23 كانون1/ديسمبر 2017 09:47

المشكلة الاقتصادية بمنظور إسلامي

مجلة الصيرفة الإسلامية- احتلَّت المشكلة الاقتصادية أهميةً كبيرةً في أدبيات النظرية الاقتصادية الرأسمالية، فقد افترضت أدبياتُ الاقتصاد الرأسماليِّ أن المشكلة الاقتصادية تكمُن في شحِّ الموارد المتاحة للاستخدام ومحدوديتِها، في مقابل حاجات الإنسان المتزايدة؛ ويترتَّب على هذه الفرضية حصولُ فجوة بين محدودية الموارد المتاحة للاستخدام، وبين الحاجات الإنسانية المتزايدة.

ومع أن العَلاقة بينهما ليست دالية بشكل رياضيٍّ محض، بحيث إن أيَّ زيادة في الموارد، تتبعها بالضرورة زيادةٌ في الحاجات بنفس النسبة وبنفس الاتجاه، فإن التحليل الاقتصاديَّ من واقع مؤشِّرات أداء الاقتصاد الرأسمالي يُثبت هذه الحقيقة.

وقد لا يعرف الكثيرُ - حتى من بين المهتمين بالاقتصاد - شيئًا عن المشكلة في الاقتصاد الإسلاميِّ؛ حيث لم يحظَ مثل هذا الموضوع بكثير من البحث والتحليل والدراسة على المستوى الأكاديمي؛ لغياب استخدام آليات الاقتصاد الإسلاميِّ اليومَ عن تعاملات السوق في الإنتاج والتبادل في الحياة العملية، بعد أن هيمن الاقتصاد الرأسماليُّ على التعامل في السوق في كافة مجالات الحياة المعاصرة، وقيَّد حركةَ الأنشطة الاقتصادية في السوق بموجب قوانينه التي أصبحت هي المقاييس المتداولة في العلوم الاقتصادية المعاصرة.

ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى أن الاقتصاد الإسلاميَّ ينهج منهجًا يختلف تمامًا في الرؤية عند تعامُله مع المشكلة الاقتصادية؛ فلا يرى أن الموارد الاقتصادية في الطبيعة محدودةٌ؛ وذلك انطلاقًا من حقيقة أن القرآن يتعامل مع المشكلة على قاعدة: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]، بمعنى أن الموارد المتاحة للاستخدام غير محدودة، وهي كافية لسدِّ حاجة الإنسان، بشرط السعي الجاد للتحصيل، وعدم التقاعُس عن العمل؛ ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾[التوبة: 105]، ومراعاة الارتقاء بالأداء، وعدم التكاسُل في الإنتاج لتحقيق عائد مجزٍ على قاعدة: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾ [النجم: 39 - 41].

ويُلاحظ هنا أن جودة الأداء ودقَّتَه تكتسب بُعدًا عقديًّا، بالإضافة إلى بُعدها الفنيِّ العملي، على قاعدة التوجيه النبويِّ الكريم في هذا المجال: ((إن الله يحبُّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه))؛ وذلك حتى لو انعدم نظام الرقابة والسيطرة النوعية على المنتوج خارج رقابة الضمير.

ومن هنا؛ فإن المشكلة الاقتصادية - بحكم حثِّ الإسلام المسلمَ على العمل والإنتاج، والعمل على ترشيد الاستخدام؛ حيث من حقه الانتفاع بمواردها؛ بالاكتفاء بسد الحاجة، وعدم الإسراف والمبالغة في تبذيرها؛ للحفاظ عليها من الهدر والضياع؛ ليظل محكومًا بمعيار: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31] - تُشكِّل كلها محدِّداتٍ عامةً للتعامل مع المشكلة الاقتصادية.

ومن هنا؛ كان الفرد المستهلك في الاقتصاد الإسلاميِّ متوازنًا كليًّا؛ سواء على مستوى إشباع حاجاته الضرورية على قاعدة: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31]، أو مستوى الحفاظ على الموارد؛ تماشيًا مع قاعدة التوازن الكلية في الكون والبيئة على قاعدة: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49].

ومما تقدَّم يُلاحظ أن الحرص على الإعمار، والإنتاج، وترشيد الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي - بما هي وظائف دنيوية عملية يقتضيها مبدأ الاستخلاف - فإنها تظل معايير محل اعتبار عقدي ابتداءً، تفرضه على المستهلك مقتضياتُ الإيمان بقواعد الشريعة الإسلامية، التي أمرته بالعمل، ونهته عن الإسراف والتبذير في استخدام الموارد، بما هو مستخلف فيها، وأمينٌ عليها؛ حفاظًا عليها من الضياع والنفاد، وبما يضمن ديمومتَها في الحياة؛ لضمان حق الأجيال القادمة، إضافة إلى مقتضيات إشباع حاجاته الدنيوية الآنية.

وهو ما امتاز به الاقتصاد الإسلاميُّ في تعامله مع المشكلة الاقتصادية، عن الاقتصاد الرأسمالي الذي تحكمه مقاييسُ تعظيم المنفعة والربح، بحسابات ماديةٍ مجردةٍ، خاليةٍ من أيِّ وازع قيمي غير دافع الكسب، حتى إن واجَهَتْه المشكلة الاقتصادية موضوع البحث.

@ alukah 2017

الصفحة 1 من 53

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy