الاكثر قراءة...

وجهات نظر

عن جابر بين عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: فأتني بأبيك، فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل يقرئُك السلام ويقول لك: إذا جاءك الشيخُ فاسأله عن شيء قاله في نفسه، ما سمعتْه أذناه.

فلما جاء الشيخُ قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سلْهُ يا رسول الله، هل أنفقُه إلا على نفسي!؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إيهٍ، دعنا من هذا، أخبرني عن شيء قلتَه في نفسك ما سمعتْه أذناك؟ فقال الشيخ: واللهِ يا رسول الله، ما زال الله عزَّ وجل يزيدُنا بك يقيناً، لقد قلتُ في نفسي شيئاً ما سمعتْه أذناي، قلتُ:

غذوتُك مولوداً وعُلتُك يافعاً

تُعَل بما أجني عليك وتنهَلُ

إذا ليلةٌ ضافتك بالسُّقْم لم أبت

لسُقمك إلا ساهرا أتململُ

كأني أنا المطروق دونك بالذي

طُرقتَ به دوني فعيناي تهمل

تخاف الردى نفسي عليك وإنها

لتعلم أن الموت وقتٌ مؤجل

فلما بلغتَ السنَّ والغايةَ التي

إليها مدى ما كنتُ فيك أؤملُ

جعلت جزائي غِلظةً وفظاظة

كأنك أنت المنعم المتفضِّل

فليتَك إذ لم ترعَ حقَّ أبوَّتي

فعلتَ كما الجار الج اور يفعلُ

فأوليتَني حقَّ الجِوار ولم تكنْ

عليَّ بمالٍ دونَ مالِك تبخلُ

فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: " أنتَ ومالُك لأبيك ".

روى هذا الحديثَ مجملاً أو مفصلاً الإمامُ أحمد وأبو داود وابنُ ماجه وابن حِبان والطبراني والبيهقي في دلائل النبوة وصححه ابن القطان وغيره.

أما الحكم الفقهي له ، فذكر العلماء:

أن للأب المعسر أو الفقير أن يأخذ من مال ابنه دون إذنه ما يحتاج إليه لينفق على نفسه، وكذا الأم تفعل.

أما في حال غناه فيأخذ من مال ابنه دون إذنه ما تعارفَ عليه الناس مما يتسامحون به، من غير إسراف ولا إجحاف، ولا يأخذ من ماله ليعطي ابنا آخر له...

لأن لكل من اﻷب واﻻبن ماله الخاص الذي تجب فيه تكاليف شرعية، كالزكاة ووفاء الديون والإرث. أيْ كما يقال اليوم: لكل منهما ذمة مستقلة: لها حقوق مالية، وعليها واجبات مالية.

@ fiqh.islammessage 2016

بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك ، تهنأ أسرة مجلة الصيرفة الإسلامية ، جميع قراء المجلة بشكل خاص، والأمة الإسلامية بشكل عام، سائلين المولى عز وجل أن يبلغنا هذا الشهر الفضيل، وأن يعيننا على صيامه وقيامه وقراءة قرآنه، وأن يضعها في ميزان حسناتنا بإذنه عز وجل،
و نسأل الله العلي القدير بهذا الشهر الفضيل ، أن يفرج عن إخوتنا المسلمين الفقراء والمساكين والمحتاجين والمأسورين والمنكوبين في كل مكان، اللهم آمين.
كل عام وأنتم بخير ، وعساكم من عواده إن شاء الله
أسرة تحرير مجلة الصيرفة الإسلامية

الخميس, 02 حزيران/يونيو 2016 14:29

صور من اعتدال الصحابة في الإنفاق والمعيشة

أصحاب النبي الكريم، فرسان النهار، رهبان الليل، رجال الحرب والسلم، نجوم أنارت طريق العتمة والظلمة، وكان منهج السلف في الأمور كلها سواء أكانت الأمور اعتقادية أو منهجية أو سلوكية منهجاً وسطياً. وسطية تقوم على المنهج الإلهي، والجمع بين المادة والروح، والدنيا والآخرة، والأسرة والمجتمع، والحقوق والواجبات، والفرد والجماعة، والتوازن فيما بينهما بلا إفراط ولا تفريط، ولا ترجيح جانب من الجوانب على الآخر. جيل ليس كسائر الأجيال، جيلاً استحق بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا خير القرون وخير الأجيال في هذه الأمة، أمةٌ خير الأمم. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). [1]

لقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً بتربية الصحابة على القيم الإيمانية والأخلاقية والسلوكية، ثم بعد ذلك بنى لهمسوقاً للمعاملات، وَسنّ لهم الدستور الاقتصادي الإسلامي، ومن النماذج العملية لذلك التجار المسلمون الذين حملوا معهم رسالة الإسلام في تجارتهمفي كثير من دول شرق آسيا وأفريقيا، فكانوا سبيلاً لدخول الكثير من الناس في دين الإسلام أفواجا، ويستنبط من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتمبالتربية الروحية والأخلاقية والنفسية والاجتماعية والبدنية، وكذلك بالتربية الاقتصادية، وكان من ثمار ذلك تكوين الشخصية الإسلامية ذات السلوك القويم [2].

وقد كان العلماء والمربّون - قديماً وحديثاً - يحثّون الناشئة على النظر في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسير أصحابه الأفذاذ، لينشئوا على حبّ الله ونبيه صلى الله عليه وسلم ويستلهموا معاني الإيثار والوفاء.. والصدق والعفاف والطهر والتقوى والكرم والفداء، وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم في إشارته الواضحة إلى ضرورةالاقتداء بالصالحين. ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 29].

ترعرع الصحابة الكرام في حضن المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونهلوا الدين من غدير عطاءه، وتعلّموا العلم في مدرسته التاريخية العظيمة. وشاركوا النبي أدق تفاصيل حياته، ليتبعوا سنة الحبيب المرسل، والهادي المتّبع، فكان نبياً مرسلاً، وقائداً عسكرياً، وأباً رحيماً منصفاً، وحبيباً محبوب عشقته العقول والقلوب، ولا أحسب أحداُ من البشر نال من الحب والإعجاب ما ناله محمد رسول الله المختار صلى الله عليه وسلم من أصحابه، (مَا كَانَ شَخصٌ أَحَبُّ إِليهِمْ مِنْ رَسُولِ الله وَكَانُوا إِذَا رَأوه لَمْ يَقُوموا لِمَّا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِه لِذَلِكَ) [3].

ومن هذا المنطَلَقِ كان الصحابة رضي الله عنهم، يتشبهون بأفعال وأقوال النبي في سائر أمورهم من شدة محبتهم له، وامتثالاً لسنته الشريفة. يسيرون على نهجه، بخطى ثابتة، يتبعون أدق تفاصيل حياته، فيعباداتهم وسلوكهم اليومي، ومعاملاتهم المعيشية وقد أنزل لهم القرآن الكريم النهج القويم، هذا الفيض الرباني الذي غذى المواهب، وفجر العبقريات، ونمى ثقافة القوم، ووضحه لهم الرسول الكريم، بما أمره به ربه العظيم بعد أن اختار الأمة الوسط بين الأمم، واختار لها التشريع الوسط بين غلو اليهودية، وإفراط المسيحية.

فوسطية الإسلام تقتضي إيجاد شخصية إسلامية متزنة تقتدي بالسلف الصالح في شمول فهمهم واعتدال منهجهم وسلامة سلوكهم من الإفراط والتفريط، والتحذير من الشطط في أي جانب من جوانب الدين، والتأكيد على النظرة المعتدلة المنصفة والموقف المتزن[4].

إن الصحابة رضي الله عنهم لم يفهموا الدين على أنه رهبانية أو دروشة، ولم يفهموا الإيمان والتقوى على أنها انقطاع عن الحياة، أو انشغال عن تنميتها بالتفرغ للشعائر، بل التزموا بمبدأ الوسطية امتثالاً لنهج دينهم القويم القائم على الاعتدال والوسطية.

والباحثة ستلقي الضوء على حياة مجموعة من الصحابة الأخيار، وإن كان السلف الصالح، جميعهم قدوة للخلف. وأول درس في التربية الاقتصادية تعلّمه الصحابة رضي الله عنهم هو المقاطعة الاقتصادية (حصار الشعب) في السنة السابعة من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت في شعب أبي طالب.

كان حصار الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة في شعب أبي طالب تمريناً على الصبر، وقد آتت هذه الوسيلة ثمارها في التغلب على الأزمات.

زاولت قريش سلاح المقاطعة الاقتصادية[5]، وضيّقت الحصار على المسلمين، حتى انقطع عنهم العون وقلّ الغذاء، وبلغ بهم الجهد أقصاه، وسُمع بكاء أطفالهم من وراء الشعب، وعضَّتهم الأزمات العصيبة. عانى الصحابة رضي الله عنهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نتيجة الحصار أو المقاطعة الاقتصادية من:
• أنهم لا يبيعون ولا يشترون.
• قطع أسباب الرزق عنهم.
• أنهم لا يجدون ما يأكلون وأطفالهم.
• الأزمة الاقتصادية وغلاء الأسعار.
• الجوع وسوء التغذية، حتى أكلوا ورق الشجر من شدة الحاجة [6].

ولقد صبر النبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه في حصار الشعب، وبعد زوال الغمة، هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، وهنا بدأت مشكلة اقتصادية أخرى زيادة الأعباء الاقتصادية على عاتق الأنصار.
• ارتفاع نسبة الفقر في المدينة.
• عدم توفّر فرص العمل (المناسبة للمهاجرين).
• عدم كفاية الموارد الاقتصادية لتلبية حاجات السكان الجدد (المهاجرون).
• الحاجة إلى دور للسكنى للمهاجرين.
• وجود الثروات الثابتة في يد الأنصار.

فهل تدور عجلة الحياة الاقتصادية على أساس الثروات الثابتة في يد الأنصار وحدهم، بينما يكون المهاجرون عمّالاً لديهم؟!.

وما هي الحلول المقدّمة، والتدابير الاقتصادية المرئية لحل مشكلة ورود المهاجرين إلى المدينة؟![7]. فقاسم الأنصار أخوتهم المهاجرين المال والأرض والمسكن، ولقمة الطعام.

ووصل الأمر بالمهاجرين أن قالوا يا رسول الله: ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم، أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم [8].

عاش الصحابة الأخيار، المهاجرون والأنصار، حياة رفعة وإباء عن ملذات الدنيا الزائلة، وفق ميزان الاقتصاد والاعتدال في سائر معيشتهم. وللصحابة صور كثيرة في حياة الوسط والاعتدال التي استنوا بها من خير البشر عبادةً وسلوكاً وعمل. ولما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو المرجعُ الأولُ في البيانِ والمطَبِّقُ لحدودِ الله بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ، وكان صحابتُه الكرامُ خيرَ من اهتدى بهديه وفَهِمَ مضمونَ أمرِه ونهيِه، وجب علينا أن نعرج على بعض المواقف التربوية الهامة في حياة السلف الصالح رضوان الله عليهم. ولنبدأ بالسبّاق في كلّ شيء، حبيب المصطفى وخليله، وصديقه الصدّوق.

أ‌- أبو بكر الصدّيق:
عاش أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع أسرته الكبيرة ببساطة وتواضع حتى بعد أن صار خليفة رسول الله. وحتى بعد أن فُتح للمسلمين أبواب الرزق والرَّغد، وبدأت خيرات الشام والعراق تفد إلى المدينة. بقي الصِّدِّيق يلتزم القناعة التي تربى عليها في مدرسة النبي الكريم.

ولم يكن الصِّدِّيق يلتزم القناعة لمجرد الزهد، بل كانت قناعته جزءاً من فلسفته... فهو يُقدس اللقمة الحلال، ويحاذر أن يُدخل جوفه كسرة فيها شبهة، وهو يرى أن الحلال ليس من الكثرة بحيث يتَّسع للإسراف؛ فإذا وُجد سرف، أو ترف، فاعلم أن ثمة سُبلاً للعيش غير مشروعة.

وقد جاء عن أبي بكر رضي الله عنه: لا يعجبني الرجل يأكل رزق أيام في يوم واحد. كان إصراره عظيماً على ألا ينال من بيت المال إلا ما يكفيه وأهله بالمعروف. وما نال من المال وهو خليفة، ولا نال من مناعم الحياة إلا ما كان يأكل وأهله من جريش الطعام وإلا ما كانوا يلبسون من خشن الثياب[9].

ب‌- عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
أمير المؤمنين، صهر رسول الله، الفاروق العادل، الذي حكم.. فعدل.. فأمن. فهو من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم، ويتأسى بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم في هذا الحياة، فسيرته من أقوى مصادر الإيمان، والعاطفة الإسلامية الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين، فما أحوج الأمة الإسلامية إلى الرجال الأكفاء الذي يقتدون بالصحابة الكرام ويجسّدون المعاني الساميةـ فيُحيونها بتربية أبنائهم عليها. جاعلين من الصحابة الأطهار نبراساً وقدوة لأبنائهم.

لقد حرم عمر رضي الله عنه نفسه من طيبات كثيرة، ومن مناعم لم يُحرمها الله عليه؛ لأنه كان يحمل في أمانة كاملة مسئولية القدوة، ولو شاء أن يظفر بالمناعم المباحة على كثرتها لظفر بها جميعاً، ولكنَّ بطولة روحه وعظمة نفسه، واستقامة نهجه حملته دائماً على أن يلتزم الكفاف، ويختار الشَّظف....

وهو القائل رضي الله عنه: والذي نفسي بيده، لو لا أن تنقص حسناتي لشاركتكم في لين عيشكم، ولو شئت لكنت أطيبكم طعاماً، وأرفهكم عيشاً، ولنحن أعلم بطيب الطعام من كثير من آكليه، ولكننا ندعه ليوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، وإني لأستبقي طيباتي؛ لأني سمعت الله تعالى يقول عن أقوام: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعم بها".

هكذا كانت حياة الفاروق العادل لا ينام إلا غَباً.. ولا يأكل إلا تقوتاً.. ولا يلبس إلا خشناً..[10].
وفي خلافته سنة ثماني عشرة، كان أول عام الرمادة أصاب الناس محل وجدب ومجاعة تسعة أشهر،لم يأكل عمر بن الخطاب سمناً ولا سميناً حتى أحيا الناس، وكان يقول: لتمرنن أيها البطن على الزيت ما دام السمن يباع بالأواقي [11].

دخل عمر على ابنه، وعنده لحم، فقال له: ما هذا؟ قال: قرمنا إلى اللحم، [اشتدت شهوته إليه] فاشترينا منه بدرهم. قال: وكلما اشتهيت اللحم اشتريته؟ كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كلما اشتهى[12].

وقد رُوي في سيرة عمر بن الخطاب إنه منع الناس في وقت ما من خلافته من أكل اللحم يومين متتالين في الأسبوع، حيث كان اللحم قليلاً لا يكفي الناس بالمدينة، فرأى علاجاً لذلك أن يمنع الذبح. وكان يأتي مَجْزَرَةُ الزبير بن العوام بالبقيع - ولم يكن بالمدينة سواها - فإن رأى من خرج عن هذا المنع، ضربه بالدرة، وقال له: هلا طويت بطنك يومين؟ و قال عمر رضي الله عنه: الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز؛ لأنه لا يبقى مع الفساد شيء، ولا يقل مع الإصلاح شيء[13].

هذا رجل تأدب على يد محمد رسول الله، ونهل من ينبوع علمه، وارتوى من عذب كلامه، وعلى هذا الهدي سار الفاروق رضي الله عنه يجوع، ويتقشف في مطعمه وملبسه، وهو يطالب أهله وذويه أن يرتفعوا دوماً إلى مستوى المسؤولية فيُعطوا كثيراً، ويأخذوا قليلاً، وأن يكونوا قدوة لغيرهم في العفاف والكفاف.

ت‌- عثمان بن عفان رضي الله عنه:
أما عثمان بن عفان رضي الله عنه الغني الحيّي الكريم، فقد كان سخياً معطاءً، اشترى بئر رومة، وجهز جيش العسرة، ووضع مال تجارته بين يدي النبي الشريفتين، طالباً التجارة الرابحة مع الله تعالى. تتألق روح العابد الأوَّاب في قدرته على الزهد والبساطة، فكثيراً ما كان يطبقها على حياته، وهو الذي تتدفق عليه الأموال، وينفقها باليمين والشمال. وقد كان يُطعم الناس طعام الإمارة، ويأكل هو الخلَّ والزيت[14].

اشتهر أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بأنه من أهل الغنى والثروة، ولكن مع هذه الشهرة فإنه قد رويت عنه أخبار تدل على أنه كان من الزاهدين في الدنيا، أن عمر وعثمان رضي الله عنهما دُعيا إلى طعام، فلما خرجا قال عثمان لعمر: قد شهدنا طعاماً لوددنا أنا لم نشهده، قال: لِمَ؟ قال: إني أخاف أن يكون صُنع مباهاة. فهذا فقه من عثمان رضي الله عنه بمجالات السخاء الإسلامي؛ فالسخاء في الإسلام لا يكون بالتفاخر بالكرم والتباهي بنوع الطعام أو كثرته، وإنما يكون ببذل المال من غير إسراف ولا خيلاء، مع شكر المنعم سبحانه وتعالى والتواضع للناس. وهذه النظرة من عثمان تعتبر من التزهيد بالجاه الدنيوي، وهذا يدل على أنه كان من الزاهدين في ذلك [15].

ث‌- علي بن أبي طالب:
منذ طفولته الباكرة، حمل الإسلام في قلبه. وحمل معه كل أعباء الرجال، وهو الرجل الذي تربى في بيت النبي الكريم، فكان ابناً وأخاً، وصهراً ونسباً، وخليفةً للرسول العظيم؛ فإي شرفٍ حظي به علي. ولقد قطع حياته وقضى أيامه. وحمل معه كل أعباء الرجال. وعاش كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم: مخشوشن في سبيل الله، مَقتَ الترف من كل نفسه، ونأى عنه بكل قوته وعزمه. ذلك أنه فهم الإسلام وعاشه، وتعلّم منه أن الترف مشغلةُ الفارغين العاطلين [16].

وكان يعيش عيشة البسطاء الودعاء، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب [17]. [طَعامٌ جَشِبٌ: ومَجْشُوبٌ أَي غليظ خَشِنٌ ].
كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يشتري القميص بدرهمين، ويشتري الدرع بألفين.

بيّن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن من الفقه في الدين التزام صفة الاتزان والاعتدال في عرض أمور الدنيا ومحاولة إصلاح الناس، وذلك بأن يسير الداعية في خط وسط بين مقامي الخوف والرجاء، فلا ينطلق في تخويف الناس إلى الحد الذي يجعلهم يقنطون من رحمة الله، ولا ينطلق في ترغيب الناس إلى الحد الذي يجعلهم يأمنون من عذاب الله تعالى [18].

ج‌- عبد الله بن عباس رضي الله عنه:
وها هو الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، عندما مرض، قال له عثمان بن عفان: ألا أمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه، قال: يكون لبناتك..، قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً [19].

لم يكن ابن عباس رضي الله عنه في هذا الموقف ليرفض عطاء الخليفة، إنما رفضه جاء من تربية قرآنية محمدية، يعلّم من خلالها بناته، وبنات المسلمين بأن الرزاق هو الله سبحانه وتعالى، وإن الكفاف هو مبدأ صحابة رسول الله. هذا هو حال الصحابة جميعاً، وكذلك كان حال التابعين، يعيشون في تواضع في دنياهم، وإقبال على الآخرة، فحياتهم جسراً يعبرونه لأخرتهم. فكانوا يتجوزون في صلاتهم؛ يحتَجُّونَ في هذا الأمرِ. بفِعله ويحاولونَ أن يقتَدُوا به ويبذُلونَ قُصارى جهدِهم ليقتَرِبوا من كيفيةِ صلاتِه ويمتدحون من شابَهَتْ صلاتُه صلاةَ النبي، ويتبارَوْنَ فيما بينهم ليُثبِتُوا أيُّهم أعلمُ بها من الآخرين، فهذا يدُلُّ على أنهم أيقَنوا أن المرجعَ هو فعلُه وأن التخفيفَ الذي أمَرَ به هو عينُ صلاتِه. ولم تكن حياة الصحابيات أقل أهمية من حياة الصحابة، وهن أمهات المؤمنين، وأخوات المهاجرين، ونصيرات المجاهدين. فقد كن في نمط حياتهن خير عون لأزواجهن على مصاعب الحياة، وكن العفيفات المترفعات عن مباهج الدنيا وزخرفها. فعشن الصحابيات الطاهرات حياة تمثلت في الاعتدال والاقتصاد في سائر معيشتهن، فأية قدوة صالحة للنساء المسلمات في ذلك الزمان وإلى آخر الزمان.. إذا كانت أمهات المؤمنين مسرفات يبحثن عن حظوظ الدنيا وشهواتها وزينتها..؟ ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 28، 29].

قبسات أضأنا جانباً منها.. إنهم الصحابة الذين آمنوا بالرسول وساروا معه، آمنوا بأن القرآن دستورهم العظيم، ومحمداً نبيهم الكريم، وسنته معيارهم القويم. فقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم وحياة خلفائه الراشدين، وصحابته الغّر الميامين، هي المذكرة التفسيرية والترجمة العلمية لنصوص الشريعة. وفي عصرنا الراهن لا تستقيم الحياة إلاّ بالعودة إلى تطبيق السنّة النبوية الشريفة، واتباع نبيها القدوة، وصحابته الأسوة، سيما وأن حياة الصحابة مليئة بالمواقف التربوية الهادفة، وفي سيرة الرسول الكريم، وسيرة صحابته النجوم المتلألئة، عبر وعظة لكل ذي لُب.

لأن الاعتدال ينظم كلّ شؤون المسلم في هذه الحياة، والاعتدال هو الطريق الوسط بين الإفراط والتفريط وهما الخلقان الذميمان، فالاعتدال في العبادات أن تخلو من الغلو والتنطع والإهمال والتفريط، وفي النفقات الحسنة بين السيئتين: فلا إسراف ولا تقتير، ولكن القوام بين الإسراف والتقتير. وفي اللّباس، حدٌّ بين الفخر والمباهاة، ولباس الخشن والمرقَّعات، وهو في المشي حدٌّ بين الاختيال والتَّكبر، وبين المسكنة والتذلُّل، وهو في كل مجال وسطٌ لا تفريط ولا شطط [20].

[1] البخاري، محمد بن إسماعيل (ت 256هـ /850 م)، الجامع الصحيح المختصر، تحقيق وتعليق د. مصطفى ديب البغا، بيروت، دار ابن كثير، ط3، 1407ه/ 1987 م، [1- 6]، كتاب الرقاق (84)، باب ما يحذر من زهرة الحياة الدنيا والتنافس بها( 7)، حديث (6064)، 5، 2362.
[2] شحاته، حسين حسين، الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والتطبيق، 45.
[3] ابن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، حديث (12367)، 3، 132.
[4]الفريح، مازن بن عبد الكريم، الرائد دروس في التربية والدعوة، جدة، دار الأندلس الخضراء، ط1، 1423ه/ 2002م، 9.
[5] المقاطعة الاقتصادية، يقصد بالمقاطعة الاقتصادية: قطع أي علاقة اقتصادية، من مثل: الحظر البحري، الحظر الجوي، تجميد الأرصدة، منع الاستيراد والتصدير، إيقاف المساعدات والمعونات عن الدولة المفروض عليها الحظر.
[6] الرماني، زيد بن محمد، معالم التربية الاقتصادية المشكلات والتدابير الوقائية، الرياض، دار الورقات العلمية للنشر والتوزيع، 1426ه/ 2005م، 8 وما بعدها.
[7] خالد، خالد محمد، خلفاء الرسول، 11.
[8] المرجع، السابق، 13.
[9] خالد، خالد محمد، خلفاء الرسول، بيروت، دار الكتاب العربي، ط3، 1405ه/ 1985م، 120.
[10] خالد، خالد محمد، خلفاء الرسول، 176 و 184.
[11] ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البصري الزهري ( ت230ه/845م)، الطبقات الكبرى، تحقيق إحسان عباس، بيروت، دار صادر، ط1، 1387ه/1968 م، [ 1- 8]،3، 283 و313.
[12] يُنظر، ابن أبي الدنيا، إصلاح المال، 1، 350.
[13] الخلال، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي (ت311ه/ 904م). الحث على التجارة والصناعة العمل، تحقيق الدكتور عبد الفتاح أبو غدة، بيروت، دار البشائر ط1، 1415هـ/ 1995م، [1-2 ]، 1، 15.
[14] يُنظر، الرياض النضرة في مناقب العشرة، 1، 216.
[15] الصلابي، علي محمد محمد، سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه، اعتنى به أسامة بن الزهراء، ط1،1427هـ /2006م، 134.
[16] خالد، خالد محمد، خلفاء الرسول، 485.
[17] الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله ( ت430هـ/ 1019م)، حلية الأولياء، بيروت، دار الكتاب العربي، ط4، 1405هـ/ 1985م، [1 - 10]، 1، 84.
[18] الصلابي، علي محمد، سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، اعتنى به أسامة بن الزهراء، ط1، 1426هـ / 2005م، 1،321
[19] عمران، أحمد علي محمد، رجال حول الرسول، عمان، دار البيت العتيق، ط1، 1424هـ/ 2004م، 138.
[20] الجزائري، أبو بكر جابر، منهاج المسلم، بيروت، دار الفكر، 1412هـ/1992م، 166.

@ alukah 2016

إنَّ النظامَ الاقتصاديَّ الإسلاميَّ يهدفُ إلى تحقيقِ مجموعةٍ من الأهداف الرشيدةِ التي تُحقِّقُ التنميةَ البنَّاءةَ في المجالاتِ كافّةً؛ وذلكَ من خلالِ تطبيقِ مبادئِ وأصولِ الشريعةِ الإسلاميةِ المستمدَّةِ من القرآنِ الكريمِ، وسُنَّةِ رسولِ اللهِ مُحمَّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ومِن خلال هذه الورقةِ البحثية، سيتمُّ التطرُّقُ إلى دراسةِ السياسة النقدية والسياسة المالية في النظام الاقتصاديِّ الماليِّ الإسلاميِّ، ومدى تأثيرِها على تفعيلِ مختلف الاستثمارات التي تُحقِّقُ التنميةَ الاقتصادية وتحسينَ المستوى المعيشيِّ لأفرادِ المجتمعِ جميعهِ؛ حيث سيتمُّ التطرُّقُ إلى: الاقتصادِ الإسلامي؛ والسياسةِ النقدية في نظام الاقتصاد الإسلامي؛ والسياسةِ المالية في نظام الاقتصاد الإسلامي؛ ودورِ السياسةِ المالية والاقتصادية في تفعيل الاستثمار في النظام الاقتصادي الإسلامي.

الاقتصاد الإسلامي:

1-1 مفهومُ الاقتصادِ الإسلاميِّ:يُعرَّفُ الاقتصادُ الإسلاميُّ على أنّه: " ذلك الفَرْعُ من المعرفةِ الذي يُساعِدُ على تحقيقِ رفاهِ الإنسانِ؛ من خلالِ تخصيصِ استخدامِ، وتوزيعِ الموارد بما ينسجمُ مع التعاليمِ الإسلامية وبدونِ أن يؤدِّيَ ذلك بالضرورةِ إلى إلغاءِ الحُرِّيَّةِ الفرديَّةِ، أو إيجادِ اختلالاتٍ مُستمرَّةٍ؛ سواءً على مستوى الاقتصادِ الكُلِّيِّ أو الجُزئيِّ"[1].

1-2 خصائصُ الاقتصادِ الإسلاميِّ: يَختصُّ الاقتصادُ الإسلامي بمجموعةٍ من الخصائص يُمكِنُ إيجازُها على النحْو التالي[2]:

أ‌- الاقتصادُ الإسلامي جُزْءٌ من النظامِ الإسلاميِّ الشاملِ: حيث يرتبطُ الاقتصادُ الإسلامي بالدِّينِ الإسلامي ارتباطاً وثيقاً و تامَّاً؛ حيث لا ينبغي دراسةُ الاقتصادِ الاسلامي بعيداً عن العقيدةِ والشريعةِ الإسلامية، ويظهرُ ذلكَ جليَّاً من خلالِ قضيةِ الحلالِ والحرامِ عند قيامِ مختلفِ المعاملاتِ.

ب‌- السلوكُ الاقتصاديُّ الإسلاميُّ طابَعٌ تعبُّديٌّ: يتحوَّلُ كلُّ سلوكٍ أو نشاطٍ يقومُ به المسلمُ إلى عبادةٍ يُؤجَرُ عليها، إذا ابتغَى به وَجْهَ الله تعالى، ومِن ثمَّ صالِح المجتمعِ؛ مثل (إقراضِ المحتاجِ، وإمهالِ المدِينِ، والتخفيفِ عنه) أمور يَتقرَّبُ بها إلى اللهِ تعالى.

ت‌- هدفُ النشاطِ الاقتصاديِّ الإسلاميِّ سَامٍ و راقٍ: على خلافِ النُّظُمِ الاقتصادية (الرأسمالية أو الاشتراكية) التي تهدفُ إلى تحقيقِ المنفعةِ المادِّيَّة لأتباعِها؛ ممّا يؤدِّي إلى المنافسةِ والصراعِ، واحتكارِ الأسواقِ والسيطرة على مصادر الموادِّ الأوَّليَّةِ في الدول النامية، فإنّ النظامَ الاقتصادي الإسلامي يهدفُ إلى تحقيقِ الخير والرفاهية للفرد والمجتمع ككُلٍّ، كما يهدفُ إلى إعمار الأرض وتهيئتِها للعيش الإنساني الكريم، وتحقيقِ المنفعة العامَّةِ للمجتمع الإنسانيِّ ككُلٍّ دونَ (استِئثارٍ، أو احتكارٍ، أو سيطرةٍ)؛ امتثالاً للهِ تعالى الذي أباحَ للناسِ جميعاً ما في الأرض، وإيماناً بأنَّ الإنسانَ سيقفُ بين يدَي ربِّهِ عزَّ وجلَّ للمُساءلَة عمَّا قدَّمَ في دُنياهُ لآخِرَتِه، وعن مدى إحسانِه في إنفاقِه مِن نِعَمِ الخالِق، وعمَّا صَلَحَ أو فَسَدَ مِن أعمالِه وتصرُّفاتِه.

ث‌- الرقابةُ على النشاطِ الاقتصادي في الإسلام ذاتيةٌ في المقامِ الأوَّل: تُعتبَرُ الرقابةُ في النُّظُمِ الوضعيَّةِ رقابةً خارجيةً تُمارِسُها السلطاتُ الحكومية؛ وذلك لأنّها تَنفصِلُ عن الدِّين تماماً، وهي تُعتبَرُ غيرَ كافيةٍ؛ لأنَّ الإنسانَ في كثيرٍ من الأحيانِ يُخالِفُ النُّظُمَ والتعليماتِ إذا كان بعيداً عن عينِ الرقابةِ التي تُمارِسُها السلطاتُ الحكومية. أمّا الرقابةُ في الاقتصادِ الإسلامي، فتُعتبَرُ رقابةً أشدَّ فاعليةً؛ باعتبارِها رقابةَ الضميرِ الإسلاميِّ اليقظِ التي تنبعُ من داخلِ الإنسان وذلك من خلالِ التربيةِ الدينيةِ الإسلاميةِ، واتِّباعِ تعاليمِ اللهِ عزَّ وجلَّ المتمثِّلةُ في كتابهِ الكريمِ، وتعاليمِ الرسولِ المصطفى صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ المتمثِّلَة في سُنَّتِه؛ حيث يُحاسِبُ المسلمُ نفسَه قبلَ أن يُحاسِبَه اللهُ تعالى، وعندما يَشعُرُ أنّه إذا تمكَّنَ من الإفلاتِ من رقابة السلطة، فإنّه يعلمُ أنّه لا يستطيعُ الإفلاتَ من رقابةِ مولاهُ سُبحانَه وتعالى، ويُعتبَرُ ذلك أكبرَ دليلٍ لسلامةِ السلوك الجَماعيِّ، وعدمِ انحرافِ النشاطِ الاقتصاديِّ.

ج‌- الاقتصادُ الإسلاميُّ يُحقِّقُ التوازنَ بين مصلحةِ الفرد ومصلحة الجماعة: يمنحُ الإسلامُ الحقَّ في المِلكيَّةِ للفرد، ولكِنْ وضعَ على ذلك قُيوداً حتّى لا تتعارضَ مع مصلحةِ الجماعةِ، كما يعتَرِفُ الإسلامُ بالمِلكيَّةِ الجَماعية، ويُقدِّمُ المصلحةَ العامَّةَ عندما تتعارضُ مع المصلحةِ الخاصَّةِ؛ حيث يسيرُ القطاعَانِ (العامُّ والخاصُّ) في النظام الاقتصاديِّ الإسلاميِّ جَنباً إلى جَنبٍ من أجلِ تحقيقِ (الازدهارِ، والنموِّ، والرفاهيةِ)، وهذا ما تتبنَّاه أغلبيةُ دُولِ العالَم المتطوِّرةِ حاليَّاً.

السياسةُ النقديَّةُ في نظامِ الاقتصادِ الإسلاميِّ

2-1 مفهومُ السياسةِ النقديَّةِ في الاقتصادِ الإسلاميِّ:

تُعرَّفُ السياسةُ النقديةُ على أنّها: "التحكُّمُ في كمِّيَّةِ النقودِ المتاحةِ للتداولِ، وهي الإجراءاتُ والأساليب المتعدِّدةُ التي تتَّخِذُها السلطاتُ النقديةُ في الدولةِ في إدارةِ كلٍّ مِن النقودِ والائتمانِ وتنظيمِ السيولةِ اللازمةِ للاقتصادِ الوطنيِّ، لتحقيقِ أهدافِ الدولةِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ والماليةِ"[3].

وتختلفُدرجةُ أهمِّيَّةُ الأهدافِ من دولةٍ لأُخْرى؛ حيث يُمكِنُ أن تهدفَ دولةٌ بتمويلِ برامجِ التنمية الاقتصادية، ولا تهتمُّ بتحقيقِ التوازنِ في ميزانِ المدفوعات، أو تهتمُّ بمشكلةِ البطالةِ مع عدمِ مُراعاةِ تأثيرِ ذلك على تحقيقِ الاستقرارِ الاقتصاديِّ؛ حيث تختلفُ أولويةُ تحقيقِ الأهدافِ على حسابِ أهدافٍ أُخرى من دولةٍ لِأُخْرى. ويُعتبَرُ الهدفُ الأساسُ للاقتصادِ الإسلامي هو (إقامةَ مجتمعٍ متكافلٍ يقضي على مشكلةِ البطالةِ، ويسعى إلى تشجيعِ الاستثمارِ والاستغلالِ الأفضلِ للمواردِ المتاحةِ) من أجلِ تحقيقِ حياةٍ كريمة لأفرادِ المجتمعِ كافّةً؛ حيث يختلفُ النظامُ الإسلاميُّ عن سائرِ النُّظُمِ الاقتصاديةِ الوضعيةِ المادِّيَّةِ التي يَعتبَرُ تحقيقَ أكبرِ ربحٍ أو عائدٍ مُمكِنٍ ما زالَ الهدفَ الأسمى لها؛ حيث تعتمدُ المشاريعُ الرأسمالية على معدَّلاتِ سعرِ الفائدة التي يَعتبِرُها دِينُ الإسلامِ الحنيفِ محرَّمةً أخذاً وإعطاءاً؛ ولهذا تختلفُ أدواتُ السياسةِ النقدية في النظام الإسلامي عنها في النُّظُمِ الاقتصادية الرِّبويَّةِ، ومِن بين أهمِّ أهدافِ السياسة النقدية في النظامِ الاقتصادي الإسلامي وفي عدمِ وُجودِ سعرِ الفائدة هو تحقيقُ الثَّباتِ النِّسبيِّ للقيمةِ الحقيقيةِ للنقود؛ لأنّ عدمَ ثباتِها يُؤثِّرُ على الحالةِ الاقتصادية ويتأثَّرُ بها، حيث أنّ انخفاضَ القيمةِ الحقيقية للنقود من خلالِ ارتفاع المتزايد للأسعار في حالة التضخُّمِ، أو بسببِ زيادةِ عَرْضِ النقود يؤدِّي إلى انخفاضِ القوة الشرائية لهذه النقود؛ ممَّا يُلْحِقُ الضَّررَ بالطبقاتِ الفقيرة وذاتِ الدخل الثابت، ويكون ذلك في صالِح الدَّائن، أمّا في الحالة العكسيّة؛ أيّ: عندَ ارتفاعِ القوة الشرائية للنقود من خلالِ انخفاض الأسعار في حالةِ الكَساد، ونتيجةً لانخفاضِ النقود المعروضة، ممَّا يؤدِّي إلى آثارٍ عكسيَّةٍ، وفي الحالتَينِ كليهِما تضرُّانِ بالاقتصادِ الوطني؛ حيث ينجمُ عن ذلك توزيعُ الدخولِ والثروات لصالِح طبقةٍ على حسابِ الأُخرى؛ لذلك اهتمَّ فقهاءُ المسلمين بثباتِ القيمةِ الحقيقية للنقود[4].

2-2 أدواتُ السياسةِ النقدية في الاقتصاد الإسلاميِّ:

تُقسَمُ أدواتُ السياسةِ النقديةِ إلى أدواتٍ كمِّيَّةٍ وأدواتٍ كيفيَّةٍ، وفيما يلي سيتمُّ موقفُ التشريعِ المالي الإسلامي منها:

أ‌- السياسةُ الكمِّيَّةُ:وتشملُ ما يلي:

Ø سياسةُ السوقِ المفتوحةِ: تُعتبَرُ سياسةُ السوقِ المفتوحة من وسائلِ السياسة النقدية التي تُؤثِّرُ مباشرةً على حجمِ الائتمان بالتوسُّعِ والانكِماش، ويمكنُ أن تتأثّرَ هذه العمليَّاتُ بسعرِ الفائدةِ السائد في السوق، وباعتبارِ النظام الاقتصادي الإسلامي لا يتعاملُ مع أسعارِ الفائدة (الرِّبا)، وأنّ التعامُلَ في السوقِ المالية والنقدية يجبُ أن يتمَّ وفقَ تعاليمِ الشريعة الإسلامية؛ لذلكَ فإنّ البنكَ المركزيَّ الإسلامي يتعاملُ في الأسهُم فقط؛ لأنّها عبارةٌ عن جُزءٍ من رأسِ مالِ الشركات، وفي المقابلِ يجبُ أن تعملَ وتتعاملَ هذه الشركاتُ وفقاً لأحكامِ الشريعة الإسلامية، ويجب ألّا يتعاملَ البنكُ المركزيّ الإسلامي بالسنداتِ؛ لأنّها عبارةٌ عن قروضٍ لها فوائدُ؛ لذلك تُعتبَرُ مُحرَّمةً شرعاً، ولا تتوافقُ مع الشريعةِ الإسلامية[5].

Ø سياسةُ سعرِ الخصمِ: تُؤثِّرُ سياسةُ سعرِ الخصم في عَرضِ النقود في النظام الربويِّ من خلالِ التأثير على سعرِ الفائدة في السوق؛ ممّا ينجُم عنه التأثيرُ على حجمِ الائتمانِ الذي تمنحُه البنوكُ التجارية؛ إلّا أنّ في النظامِ الاقتصادي الإسلامي يحرمُ استِخدامُ سياسةِ سعر الخصم؛ لأنَّه يتمُّ التعامُلُ من خلالِها بأسعارِ الفائدة[6].

ب‌- سياسةُ تغييرِ نسبةِ الرصيدِ النقديِّ ونسبةِ السيولةِ: تُعتبَرُ هذه السياسةُ وسيلةً فعّالةً من وسائلِ السياسةِ النقدية؛ حيث يقومُ البنكُ المركزي في النظامِ الربوي بتغييرِ نسبة الأرصدَة النقدية والاحتياطات من أجلِ التأثير على حجم الائتمانِ؛ حيث يقومُ البنكُ المركزي برفعِ نسبة الأرصدة النقدية للبنوك التجارية إذا أرادَ تخفيضَ حجمِ الائتمان الذي تمنحُه البنوكُ التجارية، والعكسُ صحيحٌ؛ حيث يقومُ البنكُ المركزي بتخفيضِ نسبة الأرصدة النقدية إذا كان يهدفُ إلى الزيادةِ في حجمِ الائتمان الذي تمنحُه البنوكُ التجارية، وفي ظِلِّ هذا النظامِ تتمكَّنُ البنوكُ التجارية من إيجادِ نقود الودائع، ويتوقَّفُ ذلك على حجمِ النقود التي يتداولُها النظامُ البنكيُّ. أمّا في النظامِ الاقتصادي الإسلامي فتختلفُ البنوكُ الإسلامية عن البنوكِ التجارية اختلافاً كُلِّيَّاً في ما يتعلَّقُ بإيجادِ الودائعِ؛ حيث يجبُ أن توظّفَ البنوكُ الإسلامية وتقرضُ نقوداً حقيقيةً موجودةً بِحَوزتِها ولها الحقُّ في التصرُّفِ فيها؛ ولذلك فهي لا تقومُ بمضاعفةِ الائتمانِ وإيجادِ الودائع؛ لأنّها لا تبيعُ ولا تتَّجِرُ فيما لا تملِكُ، ولا تتعاملُ مع أسعارِ الفائدة التي تُعتبَرُ عاملاً مُؤثِّراً في عمليةِ إيجادِ الودائع في البنوك التجارية؛ لهذا فإنَّ السيولةَ في البنوكِ الإسلامية تحكُمها طبيعةُ ما يُودَعُ لديها من أموالٍ وتعليماتِ المودِعينِ، وطريقةُ توظيفِ هذه الأموال وفقاً لأحكامِ الشريعة الإسلامية؛ حيث تأخذُ متطلَّباتُ توظيفِ الأموال أحدَ الأشكالِ والعقود المباحةِ شرعاً، والوفاءِ باحتياجاتِ المودعينَ والمستثمِرينَ في الحصولِ على ما يطلبونَه من أموالهِم[7].السياساتُ الكيفيَّة: تهدفُ السياساتُ الكيفيةُ إلى التمييزِ بين أنواعٍ مُعيَّنةٍ من الائتمانِ والتأثير على طُرُقِ الاستعمالِ التي يُرادُ استخدامُ الائتمانِ البنكيِّ فيها؛ من خلالِ تنظيم الائتمان البنكيِّ، وتنظيمِ حجم الائتمان، وتحقيقِ الأهداف الاقتصادية؛ وذلك من خلالِ تشجيع أنواعٍ معيَّنةٍ من الاستثماراتِ برفعِ نسبةِ العائد الموزَّعِ للاستثماراتِ في القطاعات التي يرغبُ في تنميتِها، وخفضِ نسبة العائد الموزَّعِ على الاستثمارات في القطاعات التي يُرادُ الانكِماشُ فيها، أو توفيرِ مواردَ ماليةٍ أكثرَ للاستِعمال لقطاعٍ مُعيَّنٍ دونَ غيرِه من القطاعات، ويمكن أن تُستخدمَ السياسةُ النقدية الكيفية لتفعيلِ السياسة الكمِّيّةِ في التأثيرِ على حجم الائتمان؛ من أجلِ تحقيقِ أهدافِ السياسة النقدية؛ حيث يوجدُ تأثيرُ قطاعٍ مُعيَّنٍ على قطاعاتٍ أُخرى؛ فزيادةُ أو نقصُ الائتمانِ المستثمَر في قطاعٍ مُعيَّنٍ له تأثيرٌ مقابلٌ في القطاعاتِ الأُخرى في حالةِ ثباتِ حجم الائتمان الكُلِّيِّ. ويمكنُ للسياسةِ النقديةِ في إطارِ النظام الاقتصادي الإسلامي استخدامَ هذه الأدواتِ وتُحدَّدُ نِسَبٌ لتوزيعِ العائد، أو توفيرِ الموارد المالية اللازمة لتشجيعِ قطاعٍ مُعيَّنٍ[8].

السياسةُ الماليةُ في نظامِ الاقتصادِ الإسلاميِّ

3-1 مفهومُ السياسةِ الماليةِ: تُعرَّفُ السياسةُ الماليةُ في إطارِ النظام الاقتصادي الاسلامي بأنّها: " استخدامُ الدولةِ لإيراداتِها ونفقاتِها لتحقيقِ أهدافٍ في ضوءِ القواعد والأصول الإسلامية الحاكمةِ في هذا المجال"[9].

3-2 أدواتُ السياسةِ المالية في النظام الإسلاميِّ: تتمثَّلُ أهمُّ أدواتِ السياسةِ المالية في النظام الإسلامي كما يلي:

أ‌- فريضةِ الزكاةِ:تُعتبَرُ فريضةُ الزكاةِ رُكناً مِن أركانِ الإسلامِ الحنيفِ، وتُمثِّلُ أكبرَ مواردِ الدولة الإسلامية؛ حيث تُفْرَضُ على الأموالِ النامية أو التي يُتوقَّعُ لها النماءُ إذا بَلَغَتِ النِّصابَ، وحَالَ عليها الحولُ، يؤدِّيها المسلمونَ جميعاً دونَ تمييزٍ. والزكاةُ لها تأثيرُ على الاقتصادِ الوطنيِّ في تحقيقِ النموِّ والاستقرارِ؛ حيث فُرِضَتْ على الأغنياءِ لتقديمِها إلى الفقراءِ الذين يرتفعُ لديهم الميلُ الحدِّيُّ للاستهلاكِ، وينخفضُ لَديهِم الميلُ الحدِّيُّ للادخارِ، على النقيضِ مِن الأغنياءِ الذين ينخفضُ لديهِم الميلُ الحدِّيُّ للاستهلاكِ؛ حيث يترتَّبُ على تحصيلِ الزكاة وتوزيعِها على مستحقِّيها ارتفاعُ الميلِ الحدِّيِّ للاستهلاكِ في المتوسط؛ ممَّا يؤدِّي إلى زيادةِ الطلب الفعّالِ الذي يُؤثِّرُ في حجمِ التوظُّفِ الذي يتأثَّرُ بحجمِ الإنفاق على الاستثمار[10]. ويؤدِّي تحصيلُ الزكاةِ وإنفاقُها في مصارفِها الشرعية إلى ارتفاعِ الناتج القومي بارتفاع الاستهلاك الذي يترتَّبُ عنه زيادةٌ في الطلبِ على السِّلَعِ الاستهلاكية ممّا يؤدِّي إلى زيادةِ الطلب على الاستثماراتِ الخاصَّةِ من أجلِ إنتاجِ السِّلَعِ الاستهلاكية وفقَ نظامٍ اقتصاديٍّ إسلاميٍّ ينهى ويُحَرِّمُ اكتنازَ الأموالِ[11]. ويَعتبِرُ تحصيلَ الزكاةِ له تأثيرٌ على الاستثماراتِ؛ حيث يؤدّي تحصيلُ الزكاةِ إلى استثمارِ الأفرادِ لأموالِهم، وإلّا أتتْ عليه الزكاةُ؛ حيث تصبحُ الزكاةُ عُقوبةً على اكتنازِ الأموال وعدمِ استثماره؛ حيث يؤدِّي اكتنازُ الأموالِ إلى الركودِ الاقتصادي، أمّا إنفاقُ الزكاةِ على مُستحقِّيها له تأثيرٌ اقتصاديٌّ على الاستثمارِ، كما أن مُستحِقِّي الزكاة سينفقُونَ مِنها من أجلِ حُصولهِم على السلعِ والخدماتِ الاستهلاكية؛ ممّا يؤدِّي إلى زيادةِ الاستهلاك، وبالتالي الحاجةِ إلى زيادةِ الاستثمار، بالإضافةِ إلى أنَّ تحصيلَ الزكاةِ يؤدِّي إلى تسديدِ دُيونِ المدِينينَ؛ أيّ: أنّ بيتَ المالِ يضمنُ للدائنِ وفاءَ دَينهِ، وفي هذا دعمٌ للائتمانِ؛ ممّا يدعمُ الاستثمارَ وتحقيقَ التنميةِ الاقتصادية[12].

وتتمثَّلُ صِيغُ التمويلِ المُتاحةِ لإنفاقِ أموالِ الزكاةِ استثماريَّاً في ما يلي[13]:

- التمليكِ: تُعتبَرُ الزكاةُ سبباً من أسبابِ التمليك للمستحقِّ؛ حيث يُمكِنُ أن تُصرَفَ الزكاةُ لِمُستحقِّيها في حالةِ تمليكٍ جَماعيٍّ، أو في صورةِ تمليكٍ فرديٍّ، حسبَ ظروفِ العصرِ ومتطلَّباتِ البيئة الاقتصادية.

- صِيَغِ المُشارَكاتِ الإسلاميةِ: تُعتبَرُ صِيَغُ المشاركاتِ الإسلامية كأسلوبِ تمويلٍ بديلٍ عن الرِّبا؛ حيث تتميَّزُ صيغُ المشاركات الإسلامية بـ(المشاركة في الربحِ والخسارة، وعدمِ وجود معدَّلاتِ الفائدة)؛ ممَّا يجعلُها قابلةً لاستخدامِها في إنفاقِ أموال الزكاة استثمارياً.

- القَرْضِ الحَسَنِ: تُضافُ كلمةُ "الحسنِ" إلى القرض من أجلِ التفريق بينه وبين القرضِ بـ "الفائدةِ"؛ حيث يتمثَّلُ القرضُ الحسن في عقدٍ يتمُّ بين طرفَينِ؛ أحدهما: (المقرِضُ)، والآخَر (المقتَرِض) ويتمُّ من خلالِه دفعُ مالٍ مملوكٍ من المقرِض إلى المقترِض على أن يتمَّ ردُّ المالِ في المكانِ والزمانِ المتَّفقِ عليهِما، ويُستخدَمُ هذا القرضُ في الإنفاقِ الاستثماريِّ لأموالِ الزكاة، كما يُمكِنُ اعتبارُ (أنّ أموالَ الزكاة ضامنةٌ للقروضِ التي يحصلُ عليها الفقراءُ لهذه المشاريعِ الاستثمارية) من خلالِ صُندوقٍ يُؤسَّسُ لذلكَ، وينبغي أن يُستخدَمَ القرضُ الحسنُ في تمويلِ المشاريع الصناعية والإنتاجية التي تحتاج إلى رأسِ مالٍ لفترةٍ محدودةٍ؛ حيث يجبُ أن يُستخدَمَ كـ(صيغةِ تمويلٍ قصيرِ الأجلِ)؛ وذلك مِن أجلِ أن يتمكَّنَ صندوقُ الزكاةِ من (تدويرِ المال بشكلٍ أكبرَ، وضمانِ حُصولِها على السيولة) في الوقت المناسب.

- الشَّراكةِ مع إدارةِ الأوقافِ: إنَّ أغلبَ البُلدانِ الإسلامية تمتلكُ الأوقافَ الإسلامية نوعَينِ من الأملاكِ؛ نوعٍ يُستخدَمُ من أجلِ (إقامةِ الشعائرِ الدينيةِ) مِثل "المساجِد"، ونوعٍ حَبَسَهُ واقِفُوهُ كمصدرٍ لموردٍ دائمٍ يُنفَقُ منه من أجلِ (صيانةِ وإدارة أماكن الشعائر، وإنفاقِه في الأعمال الخيرية) مِثل "رعاية الأيتام وإعانة الفقراء"، ويُمكِنُ لأموالِ الزكاة أن تُستخدَمَ في (تمويلِ مختلفِ المشاريع الوقفية الإنتاجية والخدمية لِمُستحقِّيه)،على أن يتمَّ (مراعاةُ الضوابطِ الشرعيةِ والواقعيةِ) المتعارَفِ عليها في استثمارِ الأوقاف.

ب‌- سياسةُ التمويلِ بالعَجْزِ أو (التمويلِ بالفائضِ): لقد قام العلُّامةُ ابنُ خُلدون في مقدِّمته القيِّمَةِ بتوضيحِ سياسة التمويل بالعجز والتمويل بالفائض؛ حيث ركَّزَ فِكْرُ ابنِ خلدون على الضرائبِ كأسلوبٍ لهذا التمويلِ؛ لأنّ الضرائبَ آنذاك كانت الأسلوبَ والمصدرَ الأساسَ لإيراداتِ الدولة، بما فيها الدولةُ الإسلامية في ذلك العصر، وإن اختلفَتْ في العدالةِ وفي أنواعِها ومواردها[14]. ويجب على الدولةِ الرشيدةِ أن تقومَ بالموازنةِ بين (سياسةِ التدخُّلِ في بعضِ الأنشطة الاقتصادية من أجل زيادة إيراداتها)، وبين (ما تحصلُ عليه من إيراداتٍ من خلال تحصيل الضرائب)[15].

1- دَورُ السياسةِ الماليةِ والاقتصاديةِ في تفعيلِ الاستثمارِ في النظامِ الاقتصاديِّ الإسلاميِّ: يهدفُ النظامُ الاقتصاديُّ الإسلاميُّ من خلال اتِّباعِ السياسةِ المالية والنقدية المستمدَّةِ من تعاليمِ الشريعة الإسلامية إلى تشجيعِ الاستثماراتِ من أجل تحقيقِ النموِّ الاقتصاديِّ.

4-1 مفهومُ الاستثمارِ في الاقتصادِ الإسلاميِّ: يُعرَّفُ الاستثمارُ في الاقتصادِ الإسلاميِّ على أنّه: " نشاطٌ إنسانيٌّ إيجابيٌّ، مستمدٌّ من الشريعةِ الإسلاميةِ، ويؤدِّي إلى (تحقيقِ وتدعيمِ) أهدافِ النظام الاقتصادي الإسلامي؛ من خلالِ الأولَوياتِ الإسلامية التي يعكسُها واقعُ الأمَّةِ الإسلامية؛ وذلك بتوظيفِ المال لـ(لحصولِ على عائدٍ منه، وتنميةِ ثروة المجتمع) بما يحقِّقُ مصلحةَ الفردِ والجماعة"[16].

4-2 أهدافُ الاستثمارِ في الاقتصادِ الإسلاميِّ:يُمكِنُ إيجازُ أهدافِ الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي من أجلِ تحقيقِ النموِّ الاقتصاديِّ على النحو التالي[17]:

شموليةِ الاستثمارِ للنشاطاتِ الاقتصاديةِ الضرورية للمجتمع؛ حيث تُعتبَرُ هذه النشاطاتُ (فَرْضَ كفايةٍ) يجبُ القيامُ بها نظراً لحاجةِ المجتمع إليها، وضَرورتها في تحقيق التنمية؛ لهذا يجب أن تُعطى لها الأولويةُ عند تخطيطِ التمويل لتلك الأنشطة الاقتصادية، دون المشاريع الثانوية التي يتحقَّقُ من خلالِها أرباح ٌكثيرةٌ؛

مشاركةِ رأس المال في عمليات الإنتاج الحقيقي وفقاً لصيغِ الاستثمار التي تتماشى مع الشريعةِ الإسلامية، وعدمِ استخدامه من أجل الحصول على عوائدَ من المعاملاتِ المحرَّمَةِ؛ سواءُ بـ(الحصولِ على عوائدَ) من خلالِ المعاملات الربوية، أو بـ(تشغيلهِ في مشاريعَ إنتاجيةٍ مُحرَّمةٍ)، وبذلك يُمكِنُ تحقيقُ التنميةِ التي تُحقِّقُ مصلحةَ أفرادِ المجتمعِ كافّةً، ولا تتحقَّقُ ثرواتٌ ذاتيَّةٌ لفئةٍ مُعيَّنَةٍ من المجتمعِ على حسابِ الأغلبية؛

تحقيقِ التشغيل الكامل لرأس المال؛ حيث يتمُّ توجيهُ المدَّخَراتِ للإنتاج والاستثمارِ كافَّةً؛ من خلالِ (فرضِ الزكاةِ، وتحريمِ الاكتِنازِ) كما نصَّتْ عليه الشريعةُ الإسلامية؛

تنميةِ العُنصرِ البشريِّ لِمَا له من أهمِّيَّةٍ في تحقيقِ التنميةِ، ويُمكِنُ تحقيقُ ذلك من خلالِ تراكُمِ رأسِ المال الاجتماعيِّ، الذي يشملُ كلَّ ما يُساهِمُ في (تنميةِ الفرد، وتطويرِ قُدراتِه، ورفعِ كفاءته الإنتاجية، وضمانِ حدِّ الكفايةِ من الدخلِ لكلِّ فردٍ من أفراد المجتمع، وتوفير ِكل ما يَلْزَمُ من مشاريع البِنيةِ الأساسيةِ للدولةِ).

4-2 دوافعُ الاستثمارِ في الاقتصادِ الإسلاميِّ: ترتبطُ دوافعُ الاستثمارِ في الاقتصادِ الإسلاميِّ بمبادئَ أصيلةٍ ومفاهيمَ عقيدةِ الإسلامِ الرَّبَّانيَّةٍ، وتشمَلُ ما يلي:

1. مبدأَ الاستِخلافِ: أوضحَ القرآنُ الكريمَ مبدأَ الاستِخلافِ في آياتٍ عديدة؛، حيث بيَّن بَدْءَ عهدِ الاستخلافِ بآدمَ أوَّلِ الخلقِ عليه السلامُ، ثُمَّ جعلَ الخِلافةَ لِبنيهِ مِن بعدِه، وتُعتبَرُ "الخلافةُ أرقى درجاتِ المسؤوليةِ"، وهي (تكليفٌ إلهيٌّ للبشرِ، وأمانةٌ موُكلَةٌ للإنسان)[18].

2. مبدأَ التوجُّهِ الإنمائيِّ وإعمارِ الأرضِ: يرتبطُ مبدأُ إعمارِ الأرضِ بمفهوم الاستخلافِ السابق، ويُعتبَرُ "المبدأَ الأساسَ من المبادئِ العامَّةِ الموجَّهةِ للنشاطِ الاقتصاديِّ في الإسلامِ الحنيفِ"؛ حيث لا يقتصِرُ النشاطُ الاقتصاديُّ في الإسلامِ على تحقيقِ المنفعة المادِّيَّةِ، وإنّما هذه "المنفعةُ" ما هي إلّا (وسيلةٌ لتحقيقِ هدفٍ أسمى) يتمثَّلُ في (إعمارِ الأرض؛ امتثالاً للهِ تعالى وتحقيقاً لمسؤوليةِ الخلافةِ في الأرض، وإيماناً بمحاسبةِ اللهِ عِبادَه ومساءلتِهم عن أعمالهِم في الحياة الدنيا لتحقيق هذا الهدف)؛ لهذا يُعتبَرُ إعمارُ الأرضِ (تكليفاً شرعيّاً؛ لِضمانِ استمراريةِ الحياة البشرية من أجلِ عبادةِ اللهِ عزَّ و جلَّ)[19].

3. العبادةَ كدافعٍ للاستثمارِ: تُمثِّلُ العبادةُ في المفهومِ الإسلاميِّ دافعاً مُهمَّاً من دوافعِ الاستثمارِ[20].

الخاتمة

إنَّ النظامَ الاقتصاديَّ الإسلاميَّ يَتمتَّعُ بـ(أُسُسٍ راسِخَةٍ ومبادئَ ثابتةٍ) مُستنبَطَةٍ من (القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ) الشريفةِ تجعلُه نظاماً كاملاً ومُتكاملاً يتناسبُ ويتلاءمُ مع الظروفِ (الزمانية، والمكانية، والحياتيةِ)، ويُمكِنُ مِن خلال ما تقدَّمَ بيانهُ استنتاجُ أنّ (السياسةَ النقديةَ والسياسةَ الماليةَ) في إطارِ الشريعة الإسلامية لها (دَورٌ مُهِمٌّ وحيويٌّ في تفعيلِ الاستثماراتِ الإنتاجيةِ والصناعيةِ)؛ بما يخدمُ مصلحةَ أفرادِ المجتمعِ كافّةً، وذلكَ من خلالِ (عدمِ اكتنازِ الأموالِ، واستِثمارها في مشاريعَ يترتَّبُ عنها تحقيقُ التنميةِ الشاملةِ؛ لِـ"بناءِ الأُمَّةِ، ونَشْرِ السَّعادَةِ" بينَ البَشرِ. قال اللهُ تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبْئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).( )

المراجعُ

1. إبراهيم محمد البطاينة، زينب نوري الغريري، "النظرية الاقتصادية في الإسلام"، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، الأردن، الطبعة الأولى، 2011م.

2. بركان أنيسة، "الإنفاق الاستثماري لأموال الزكاة وتطبيقاته في الدول العربية"، مجلة الأبحاث الاقتصادية، الجزائر، العدد 08، 2013م.

3. عوف محمود الكفراوي، " بحوث في الاقتصاد الإسلامي"، مؤسسة الثقافة الجامعية، مصر، 2000م.

4. محمود حسين الوادي وآخرون، "الاقتصاد الإسلامي"، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، الأردن، الطبعة الأولى، 2010م.

[1] إبراهيم محمد البطاينة، زينب نوري الغريري، "النظرية الاقتصادية في الإسلام"، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، الأردن، الطبعة الأولى، 2011م، ص: 13.

نفس المرجع السابق، ص: 15-17.[2]

[3]عوف محمود الكفراوي، " بحوث في الاقتصاد الإسلامي"، مؤسسة الثقافة الجامعية، مصر، 2000م، ص: 369.

نفس المرجع السابق، ص : 407-408.[4]

نفس المرجع السابق، ص : 410-411.[5]

المرجع السابق نفسه، ص: 412.[6]

المرجع السابق نفسه، ص: 415.[7]

المرجع السابق نفسه ص: 416-417.[8]

إبراهيم محمد البطاينة، زينب نوري الغريري، مرجع سابق، ص: 37.[9]

عوف محمود الكفراوي، مرجع سابق ص:399.[10]

نفس المرجع السابق، ص: 401.[11]

محمود حسين الوادي وآخرون، "الاقتصاد الإسلامي"، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، الأردن، الطبعة الأولى، 2010، ص: 237.[12]

[13]بركان أنيسة، "الانفاق الاستثماري لأموال الزكاة وتطبيقاته في الدول العربية"، مجلة الأبحاث الاقتصادية، الجزائر، العدد 08، 2013، ص : 241-242.

عوف محمود الكفراوي، مرجع سابق ، ص: 404.[14]

المرجع السابق نفسه، ص: 407.[15]

ابراهيم محمد البطاينة، زينب نوري الغريري، مرجع سابق، ص: 211.[16]

نفس المرجع السابق، ص : 212-213.[17]

[18] نفس المرجع السابق، ص: 214.

نفس المرجع السابق، ص ص: 218-219.[19]

نفس المرجع السابق، ص: 223.[20]

@ giem 2016

لقد وَسِعَ الفقهُ الإسلاميُّ حاجاتِ الناسِ على مرِّ العُصورِ واختلافِ الأمكنةِ، وإنَّ سببَ هذه الصلاحيةِ أنَّ الأصلَ في هذا الفقهِ الرَّبَّانيِّ هو تحقيقُ العدلِ وإقامتِه، وهو مبدأُ لا مَحیدَ عنه؛ فالعدلُ مطلوبٌ بینَ الأطرافِ جميعاً؛ سواءٌ أكانَ الطرفُ شريكاً أم حكومةً.

إنَّ أصلَ النقودِ والأثمانِ هما الذهبُ والفضَّةُ، يقولُ حُجَّةُ الإسلام الغزاليُّ - رحِمَه اللهُ-: "مِن نِعَمِ اللهِ تعالى خلقُ الدراهمِ والدنانيرِ، وبهِما قوامُ الدُّنيا وهُما حَجَرانِ لا مَنفعةَ في أعيانِهما؛ ولكن يُضطرُ الخلقُ إليهِما (إحياء علوم الدين: ٤/٩٦)، وقد ذَهبَ الغزاليُّ إلى استثناءِ المنافعِ كـ (مَنفعةِ الزينة)؛ وذلك لأنَّ أهمِّيةَ كونهِما أثماناً خِلقةً أكبرُ بكثيرٍ من كونهِما حُليَّاً وجواهرَ للزينةِ؛ فأغلبُ الناسِ يتَّخِذونُهما زِينةً إلى جانبِ استِخدامهِما مَخزناً للقِيَمِ، فيبيعونَها عند اللزومِ، كما لم يتطرَّقِ الغزاليُّ لدخولِ هذينِ المَعدِنينِ بعضَ الصناعاتِ؛ لأنَّ ذلك لم يَكُنْ مُتاحاً بكَثرةٍ في زَمنِه.

ولم تَمنعْ شريعةُ الإسلامِ من اتِّحاذِ الناسِ غیرَ هذينِ المعدِنينِ كنقدٍ يتعارفونَ علیه؛ بل تركَتْ ذلك لِمَصالحِهم، وقد ذَكَرَ النَّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثِ الأصنافِ السِّتَّةِ سِلعاً رائجةً تُمثِّلُ أثماناً يتعاملُ بها الناسُ في بُلدانِهم كـ(المِلحِ) بوصفِه السلعةَ الرائجةَ في البلدانِ المُشاطِئة، و(البُرِّ والشعيرِ) في البلدانِ الزراعيةِ وهكذا، فقال: "الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعِيرُ بالشعِيرِ، والتمْرُ بالتمْرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سوَاءً بِسَواءٍ، يدًا بِيَدٍ، فإذَا اخْتَلَفَت هذهِ الأصْنَافُ فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ، إذَا كانَ يدًا بِيَدٍ (صحيح مسلم).

وشرَع أميرُ المؤمنينَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ اتِّخاذَ جُلودِ بعضِ الحيواناتِ كـ(الإبلِ)؛ لِيجْعَلَ مِنها نَقداً، أوقفَه في ذلك عدمُ تطوُّرِ الصناعةِ في حِينِه لتمييزِ ذلك الجلدِ تمييزاً غيرَ قابلٍ للتقليدِ بسهولةٍ، قالَ رَضِيَ اللهُ عنه: "هَمَمْتُ أنْ أجعلَ الدراهمَ مِن جُلودِ الإبلِ، فقِيلَ له: إذاً لا بعيرَ، فأمسكَ (فتوح البلدان، البلاذري، ص ٦٥٩).

ونهَى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن هَتْكِ جُزءٍ من كتلةِ النقدِ الذي تعارفَ علیهِ الناسُ لِما في ذلكَ من تضييقٍ عليهِم وعلى مصالحِهم، كـ(تزویرِه وغِشِّه)، وعبَّرَ عن ذلك بـ (كسْرِ النقد) وأسماهُ (سِكَّةَ المسلمين). روى علقمةُ بنُ عبدِ اللهِ المُزنيِّ عن أبیه قال: "نَهَى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عن كَسرِ سِكَّةِ المسلِمينَ الجائزةِ بينَهُم؛ إلَّا مِن بأسٍ". وفي روايةٍ أُخرى: "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نهى أنْ تُكسَرَ سِكَّةُ المُسلِمينَ الجائزةُ بَيْنَهم؛ إلَّا مِن بأسٍ أنْ يُكسَرَ الدِّرهمُ فيُجعَلَ فِضَّةً أو يُكسَرَ الدِّينارُ فيُجعَلَ ذهَباً".

والكسرُ هُنا قد یكونُ بـ (قطعِ) أو (قَرضِ) جزءٍ من أطرافِ النقدِ، أو يكونُ بـ (تشويهِ وقَرضِ نقشِ السكة) لإخراجها من كونها من المسكوكات، أو يكون بـ (إذابةِ المَعدِن)الذي يتكوَّنُ منه النقدُ فيخرجَ عن كونِه نقداً متعارفاً علیه، وقد يكون الكسرُ بـ (ضخِّ نقودٍ مُزيَّفةٍ أو مَغشوشةٍ) كما يفعلُ بعضُ المُحتالِينَ والسُّرَّاقِ، وقد يكونُ بِـ (ضخِّ نقودٍ سليمةٍ) تُفْسِدُ أسعارَ صَرْفِ النقودِ المحليةِ، (كما سنرى لاحِقاً). إن هذه التصرَّفاتِ كافةً تضيّقُ على الناسِ أعمالَهُم؛ لأنَّ كمیَّةَ النقدِ المتداوَلةِ تصبحُ أقلَّ من حاجاتِهم فيَصيرُ نادراً؛ ويرتفعُ سِعرُه نسبةً للأسعارِ التي تُقاسُ بها السِّلَعُ والخدماتُ، ومِن ثَمَّ ترتفعُ أسعارُ الأشیاءِ المَقیسةِ، ويتشكَّلُ التضخُّمُ الاقتصاديُّ. وقد حصلَ ذلك في مختلفِ العصورِ، ومازالَ يتكرَّرُ، والدافعُ لذلك هو طَمَعُ بعضِ الناسِ وحُكَّامِهم سَعياً لتحقيقِ رِبْحٍ على حسابِ عامَّةِ الناسِ.

إنَّ تخفیضَ قیمةِ النقدِ (قیاساً على ما سبَقَ بيانُه) یكونُ بتخفیضِ سعرِ صَرفِه، وهذا عملٌ(غیرُ جائزٍ)؛ لِما فيه مِن ضَرَرٍ وإضرارٍ؛ فانخفاضُ سعرِ الصرفِ مقابِلَ باقي العُملاتِ فيهِ ضَررٍ واضحٍ، وفي الأعمِّ الأغلبِ ما يكونُ مؤشِّراً لِبَدْءِ أزمةِ صَرفٍ مُزمِنَةٍ؛ حيث يكونُ ذلك عندَ ارتفاعِ عجزِ المِيزانيةِ، فيتمُّ تمويلُ العجزِ عن طريقِ إيجادِ (خلق) النقودِ، فـ(تنخفضُ القيمةُ الحقيقيةُ لسعرِ الصَّرفِ، ويتدهورُ ميزانُ المَدفُوعاتِ).

- قد يقومُ بذلكَ أناسٌ مِن تُجَّارٍ وما شابَه؛ كـ(سماسرةِ الصرفِ، أو تُجَّارٍ مُضاربينَ يشترونَ ويبيعونَ العُملاتِ، أو يُمارِسُه صنَّاعٌ يُذيبونَ النقودَ المَعنيَّةَ، وهذا يُشابِهُ في الأثرِ فعلَ تدخُّلِ البنكِ المركزيِّ (مُمثلِ الحُكومةِ واللاعبِ الأساسِ في تحديدِ سعرِ الصرفِ) في تعويمِه للنقدِ؛ حيث يتدخَّلُ للتأثيرِ على سعرِ الصَّرفِ وتغييرِه بأدواتٍ تخصُّه كـ(استخدامِ احتياطياتِه النقديةِ ببَيعِ العُملاتِ الأجنبيةِ لحمايةِ سعرِ الصرفِ، أو بتحريكِ سعرِ الفائدةِ، أو مُراقبةِ سعرِ الصرفِ، أو اتِّباعِ سياسةِ تَعدُّدِ أسعارِ الصرفِ، وكلُّ ذلك يُسمَّى بـ (التعويمِ غيرِ النظيفِ).

- فإذا عدَّلَتِ السلطاتُ النقديةُ (مُمثَّلَةً بالبنكِ المركزيِّ) أسعارَ صَرفِها على أساسِ مستوى ما تملِكُه من احتياطياتٍ ذهبيَّةٍ ونقودٍ أجنبيَّةٍ، أو حسبَ رصيدِ ميزانِ مدفُوعاتِها المحلِّيِّ؛ لحمايةِ مصالِح مواطنِيها - باستِثناءِ استخدامِ سعرِ الفائدةِ لِحُرمةِ الرِّبا على الجميع-؛ فذلكَ قد يكونُ مقبولاً لأغراضِ حمايةِ الصالحِ العامِّ؛ لكنَّ هذه السياساتِ تحتاجُ (بيئةً) تُتيحُ توفُّرَ معلوماتٍ اقتصاديةٍ كافيةٍ أمامَ قطاعِ الأعمالِ، وإلّا فستكونُ الإشاعاتُ مصدرَ معلوماتِهم التي تجعلُ السلطاتِ النقديةِ غيرَ مُتحكِّمةٍ بآثارِ سياساتِها. وفي الأحوالِ كافَّةً لا يجبُ أن تهدفَ هكذا تعديلاتٍ إلى تحقيقِ رِبحيَّةٍ للبنكِ المركزيِّ؛ لأنّ ذلك غيرُ مقبولٍ، فهو بنكٌ مُحايدٌ تملكُه الحكومةُ نيابةً عن الناس. ويُشارُ في هذا المقامِ أنّ الاحتياطياتِ من النقدِ الأجنبيِّ وبخاصَّة الدولارَ الأمريكيَّ لم يَعُدْ يُمثِّلُ قِيمتَه ذهَباً؛ بل صار دَيناً في ذمَّةِ الاحتياطيِّ الفيدراليِّ الأمريكيِّ بعدَ توجُّهِه لإصدارِ النقودِ من الدولاراتِ على المكشوفِ دونَ (غِطاءٍ ذهبيٍّ) لِيَسُدَّ النقصَ الحاصلَ لديهِ إثْرَ الأزمةِ الماليةِ العالميةِ ٢٠٠٨ م وما تلاها.

- وقد تستخدمُ السلطاتُ النقديةُ (التعويمَ الحُرَ) الذي يسمحُ لقيمةِ العُملاتِ بالتغيُّرِ (صُعوداً وهُبوطاً) حسبَ حالةِ الأسواقِ، وهذا نظامٌ يسمحُ للسياساتِ الاقتصاديةِ بالتحرُّرِ من قيودِ سعرِ الصرفِ، وهذه هي الحالُ الأفضلُ والأكثرُ عَدلاً.

إنَّ التخفيضَ يؤدِّي إلى آثارٍ عديدةٍ منها:

- تآكلُ مُدَّخَراتِ الناسِ الذین یدَّخِرونَ نُقودَهُم التي أصابَها التخفيضُ، فتكونُ أذیَّتُهم بمقدارِ التخفيضِ والكميَّةِ التي يملكونَها. فيفقدونَ جُزءاً ممّا يملكونَ جرّاءَ ذلك فتمثِّلُ النقودُ التي بحَوزتِهم كميَّاتٍ أقلَّ مِن (السِّلَعِ والخدماتِ) قبلَ التخفيضِ.

- تضرُّرُ أسعارِ سِلَعِ وخدماتِ البلدِ الذي انخفضَ نقدُه؛ حيث:

✴ تنخفضُ قيمةُ السلعِ والخدماتِ المنتجةِ محليَّاً تُجاهَ باقي العُملاتِ لانخفاضِ (قیمةِ المِعیارِ) الذي تُسعَّرُ به الأشیاءَ ممّا یجعلُ المیزانَ التجاريَّ (لبلدِ تلك العُملةِ) في حالةِ فائضٍ تُجاهَ تلك السلعِ والخدماتِ؛ بسببِ (التوجُّهِ نحوَ التصديرِ) - فيما إذا كانَ البلدُ مُنتِجاً، ولدَیهِ مِیزاتٌ تنافسیَّةٌ- ومثالُ ذلكَ: الصراعُ المستمِرُّ بین (الیوان الصینيِّ والدولار الأمریكيِّ). وهذا ما جعلَ المنتجاتِ الصينيةَ ذاتَ قُدرَةٍ تنافسيَّةٍ سِعريَّةٍ عاليةٍ في السوقِ الأميركيةِ؛ لأنَّ تلك السياسةَ (خفّضَتْ سِعرَها) ممَّا (زادَ من عَجْزِ الميزانِ التجاريِّ الأميركيِّ مقابلَ فائضِ الميزانِ التجاريِّ الصينيِّ) فَزادَ الاحتياطيُّ النقديُّ الصينيُّ.

✴ ترتفعُ أسعارُ السلَعِ والخدماتِ المستوردةِ (في بلدِ تلك العُملةِ)؛ لارتفاعِ سعرِ صَرْفِ شرائِها بالعُملاتِ الأجنبيةِ؛ ممَّا يُسبِّبُ سلسلةَ ارتفاعاتٍ في الأسعارِ المحلِّيَّةِ فيكونُ ذلك عامِلاً في إيجادِ تضخُّمٍ مؤذٍ.

✴ ترتفعُ أسعارُ السلعِ والخدماتِ المنتجةِ محلِّيَّاً تُجاهَ باقي العُملاتِ إذا لم يتمكَّنْ أصحابُها من تصديرِها؛ لأنَّهُم يرغبونَ بتعويض: (أ) ارتفاعِ بعضُ مكوِّناتِها المستورَدةِ من الخارجِ، (ب) تعديلِ مستوى الأسعارِ للمحافظةِ على: (ثرواتِهم)، و(مستوى معيشتِهم)برفعِ أسعارِ سِلعِهم وخدماتِهم المحلِّيَّةِ حيث تسمحُ بذلك ظروفُ العَرضِ والطلبِ، إذا كانت تلك السِلع والخدماتٍ غير مرنةٍ؛ كـ(الخُبزِ، والحاجاتِ الأساسيةِ، واختفاءِ أيةِ بدائلَ لها)؛ وبذلك يكونُ تخفیضُ سعرِ الصرفِ مؤذٍ للناسِ، ویُسبِّبُ ضرراً لهُم.

إنَّ تسعیرَ النقدِ (المحلِّي) یخضعُ لشروطِ التسعیرِ نفسِها في الفقهِ الإسلاميِّ؛ فـ(الأصلُ تركُ الأشیاءِ تعومُ حسبَ حاجاتِ الناسِ والظروفِ المحیطةِ دونَ تدخُّلٍ مُخِلٍّ بشروطِ التبادُلِ)؛ لقولِه صلّى اللهُ علیهِ وسلَّم: "دَعُوا النَّاسَ يَرزُقِ اللهُ بعضَهُم مِن بَعضٍ" (صحيح ابن حِبَّان). و"التعويمُ الحُرُّ سياسةٌ تنتمي لقواعد التسعير".

فـ(الغَلاءُ والرُّخْصُ ليس مَمنوعاً كلُّه؛ بل ذلك مُرتبطٌ بأسبابِ نُشوئِه؛ ويرى القاضي المُعتزليُّ عبدُ الجبَّار (ت ٤١٥ هـ= ١٠٢٤ م) أنَّ أسبابَ الرُّخصِ قد تعودُ لـِ:

๏ كثرةِ الشيء: كـ(الوفْرَةِ) مَثلاً.

๏ زیادةِ العَرضِ: وذلك إذا احتاجُوا إلى متاعٍ آخرَ فباعُوا الشيءَ فَرخصَ، وكذلك إذا تلفِتِ البهائمُ فازدادَ عَرْضُ علفِها. وبذلك تطرَّقَ لـ(أثرِ الجوائحِ، وأثرِ تبدُّلِ عاداتِ وأذواقِ المستهلِكینَ).

๏ قِلَّةِ الحاجة: كـ(نُقصانِ الطلب) بسببِ الاكتفاءِ، أو (تغیُّرِ عاداتِ وأذواقِ) المستهلِكینَ.

๏ قِلَّةِ المُحتاجِینَ: كـ(الوباءِ والهلاكِ)؛ أيّ: بسببِ انخفاضِ عددِ السكَّان.

بینما ردَّ القاضي أسبابَ الغلاءِ لـ(عواملِ السوقِ، أو بفعلِ فاعلٍ)، فعوامِلُ السوق:

๏ قِلَّةُ الشيءِ مع الحاجةِ إلیه.

๏ كثرةُ المُحتاجِینَ إلیه.

๏ زیادةُ الحاجةِ والشهوةِ: لأسبابِ (عدمِ الإشباعِ)، أو تغیُّرِ عاداتِ الاستهلاكِ كـ(التَّرَف).

๏ الخوفُ من تركِ تحصیلِه: كـ(العاملِ النفسيِّ، وتوقُّعاتِ المستهلكینَ).

أمَّا التي تعودُ لِفعلِ فاعلٍ: فقد تكونُ من عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ (ظروفٌ خارجةٌ عن الإرادةِ- آفةٌ سماؤيةٌ-)، أو بفِعلِ الأئمَّةِ (عواملَ سیاسیَّة)، أو بسببِ أربابِ المنتَجاتِ (عوامل اقتصادیَّةٍ كـ(الاحتكار).

إنَّ التسعیرَ سیاسةٌ اقتصادیةٌ استثنائیةٌ یتمُّ استخدامُها عندَ وقوعِ الاحتكارِ، وفي حالتِنا هذه: احتكارُ النقدِ هو المقصودُ، والتسعيرُ سیاسةٌ تلجأُ إلیها بعضُ وحداتِ السوقِ، فإذا ما وقعُوا في الاحتكارِ تمَّ التسعیرُ عليهِم بُغيةَ رفعِ الظروفِ المُصطنَعَةِ لِمَنعِ الضَّرَرِ عن مصالِح الناس، فإذا ما ارتفعَ الاحتكارُ توقَّفَتِ سياسةُ التسعیرِ؛ لانتِهاءِ ظروفِ التلاعُبِ بالعَرضِ والطلبِ.

وهذه هي (مَهمَّةُ مُحتسِبِ السوقِ) أيِّ: البنكِ المركزيِّ في حالتِنا؛ حيث يتدخَّلُ بالرقابةِ لمنعِ التلاعُبِ بـ(ظروفِ العَرضِ والطلبِ، وتركِ الأمورِ حسبِ حاجاتِ الأسواقِ الطبيعيةِ)، فيزيدُ عَرْضُه (أي ضَخُّه) للنقودِ إنْ ازدادَ الناتجِ المحلِّيُّ والضِّدُّ بالضدِّ، ويمتصُّ السيولةَ بوسائلَ (غيرِ سياسةِ الفائدةِ الرِّبويةِ لِحُرمَتِها) كـ(استخدامِ صناديقِ الاستثمارِ والصكوكِ) مَثلاً.

لقد تصدَّى الاقتِصاديُونَ المسلمونَ الأوائلُ لِمثلِ تلك الحالاتِ بسياساتٍ نذكرُ منها: طلبَ ابنِ تیمیَّةَ - رحمَه اللهُ تعالى- مِن القائمِ بأعمالِ السوقِ (والمصرفُ المركزيُّ هو مِن القائِمینَ على السوق) التدخُّلِ: كـ(مَنعِ البائِعینَ الذین تواطَؤوا على أنْ لا یبیعُوا إلّا بثَمنٍ قدَّرُوه أوَّلاً، وكذلك منعِ المُشترِینَ إذا تواطَؤوا على أن یَشترِكُوا فیما یشترِیه أحدُهُم حتّى یهضُمُوا سِلَعَ الناسِ أوّلاً.

وأجازَ (رَحِمَهُ اللهُ) التسعیرَ في حالاتٍ محدَّدةٍ كـ(الأزماتِ، والمجاعاتِ، والاضطرارِ إلى طعامِ الآخرینَ، والاحتِكارِ، والحَصرِ، وحالةِ التواطُؤ بینَ البائِعینَ، أو بین المُشترین).

فكيفَ يكونُ السِّعرُ العادلُ؟

قدَّمَ كلٌّ مِن (ابنِ تيميَّةَ، وأبي جَعفَر الدمشقيِّ) أسلوبَينِ يُساعِدانِ في تحديدِ السعرِ العادل؛

๏ فـ(ابنُ تیمیَّةَ) أوضحَ كیفیةَ معالجةِ تقاطُعِ المصالِح بالتسعیر، بِقَولِه: إذا امتنعَ أربابُ السِّلَعِ مِن بیعِها مع ضرورةِ الناسِ إلیها إلّا بزیادةٍ على القیمةِ المعروفةِ، فهُنا یجبُ علیهِم بیعُها بقیمةِ المِثلِ ولا معنى للتسعیرِ؛ إلّا إلزامُها بـ(قیمةِ المِثْلِ) فیجبُ أن یلتزِمُوها بِما ألزمَهم اللهُ به. أمّا آلیَّةُ تحقیقِ ذلك فیقولُ ابن تیمیةَ رحمَه اللهُ تعالى: "ینبغي على الإمامِ أن یجمعَ وُجوَه أهلِ سوقِ ذلك الشيءِ، ویحضرُ غیرُهم استِظهاراً على صِدقهِم فیسألهُم كیف یشترونَ وكیف یبیعونَ فیُنازِلُهُم إلى ما فیهِ لهُم وللعامَّةِ سِدادٌ حتّى یرضَوا ولا یُجبَرونَ على التسعیرِ". والرِّضى عاملٌ مُهمٌّ في (زَرعِ الثقةِ والطمأنینة) بین رُوّادِ السوقِ؛ حیث یؤدِّي ذلك إلى الازدهارِ، ونُموِّ التبادُلِ، واستقرارِ الأسعارِ وبالتالي (انتعاشِ الحركةِ التجاریة). أمَّا الضدُّ؛أيّ: إكراهُ البائعینِ على البیعِ بسعرٍ مُعیَّنٍ دونَ النظرِ إلى التكالیفِ فإنّه یؤدِّي إلى "فسادِ الأسعارِ، وإخفاءِ الأقواتِ، وإتلافِ أموالِ الناس".

๏ أمَّا أبو جَعفر الدمشقيِّ (ت ٣٢٧ هـ = ٩٣٩م) فيَرَى أنَّ (تحدیدَ السعرِ العادلِ، أو سِعرَ المِثلِ، أو القیمةَ المتوسِّطةَ) یخضعُ للمعاییرِ التالیة:

(1) سؤالِ أهلِ الخِبْرَةِ الثِّقاتِ عن سعرِ ذلكَ في بلدِهم.

(2) مُراعاةِ العادةِ أكثرَ الأوقاتِ المستمرَّةِ؛ حيث تكونُ ظروفُ الاستقرارِ.

(3) مُراعاةِ الزیادةِ المُتعارَفةِ، والنقصِ المُتعارِف في ظلِّ حالةِ الاستقرارِ؛ فارتفاعُ سعرِ بعضِ السلعِ في بعضِ المواسمِ وانخفاضِها في مواسِمَ أُخْرى أمرٌ طبيعيٌّ كـ(سعرِ اللحمِ، وسِعر البيضِ) مثلاً.

(4) مراعاةِ الزیادةِ النادرةِ والنقصِ النادرِ، التي تُعبِّرُ عن الاستثناءاتِ والتي تحصلُ بسببِ ظروفٍ غيرِ طبيعيةٍ كـ(الوباء) الذي يُصيبُ المنتَجاتِ أو حتَّى الناسِ.

(5) ثمَّ يُقاسُ بعضُ ذلك ببعضٍ،

(6) يُضافُ لذلكَ القياسِ نسبةُ الأحوالِ التي علیها أحوالُ الناسِ في ذلكَ البلدِ من خَوفٍ أو أمنٍ، ومن (توفُّرٍ وكثرةٍ أو اختلالٍ).

وبذلك نَصِلُ للقیمةِ المتوسِّطةِ المعروفةِ عند أهلِ الخِبْرَةِ به.

يقول أبو جَعفَر الدمشقيُّ رحِمَه اللهُ تعالى في ذلك: (إنّ الوجْهَ في تعرُّفِ القیمةِ المتوسِّطةِ أن تسألَ الثِّقاتِ الخَبیرینَ عن سِعرِ ذلك في بلدِهم على ما جَرَتْ به العادةُ أكثرَ الأوقاتِ المُستمرَّةِ، والزیادةَ المُتعارفةَ فیه، والنقصَ المتعارَفَ، والزیادةَ النادرةَ، والنقصَ النادرَ. وقیاسَ بعضِ ذلك ببعضٍ، مُضافاً إلى نسبةِ الأحوالِ التي هُمْ علیها مِن "خوفٍ أو أمنٍ"، ومِن "توفّرٍ، وكثرةٍ، أو اختلالٍ". وتستخرجَ بقریحتكَ لذلكَ الشيءِ "قیمةً متوسِّطةً، أو تستعملَها من ذَوي الخِبرةِ والمعرفةِ والأمانةِ منهم؛ فإنَّ لِكُلِّ بضاعةٍ ولكلِّ شيءٍ ممّا یمكِنُ بیعُه قیمةً، قیمةً متوسطةً معروفةً عند أهلِ الخِبْرَةِ به).

إنَّ الأصلَ في النقد- مهما كانت طبيعتُه- أنَّه سِلعَةٌ، بها تُقاسُ الأشياءُ؛ ليتمَّ تبادلُها، وبها تُحفَظُ القِیمُ؛ لذلك وَجَبَ أن يبقى حیادیَّاً في عملیاتِ التبادلِ، فلا يَدخِلُ هذه العملياتِ بوصفِه سلعةً كغَیره؛ لأنَّ ذلك يُخرجُه عن حیادیَّتِه. فإنْ كانَ لابُدَّ من ذلك فينطبِقُ عليه شروطُ بيعِ الصرف.

وهنا یتَّضِحُ تماماً لماذا اشترطَ الفقهُ الإسلاميُّ في بیعِ الصرفِ توافرَ شَرطَي (المجلسِ والتقابُض) في الأثمانِ؛ فعَدمُ التقابُضِ: يُعادِلُ عمليةَ الضَّخِّ في السوقِ بنسبةِ (الكميَّةِ وزمنِ التأخيرِ)، وهذا مُفسِدٌ لِسعرِ صرفِ ذلك النقدِ، ويبدُو أثرُه واضِحاً جليّاً على مستوى الاقتصادِ الكُلِّيّ؛ أيّ: إذا سلكَ ذلكَ المسلكَ أغلبُ الناسِ. (للمزيد نموذج عرض النقود من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي، للمؤلف)

إنَّ الاستقرارَ النسبيَّ لسعرِ الصرفِ هو عاملُ جَذْبٍ للمستثمِرينَ؛ لِما يُحقِّقُه من استقرارٍ سِعريٍّ في الاقتصادِ، والتعويمُ الحرُّ يدعمُه:

(أ) تحققُ نموٍّ اقتصاديٍّ إيجابيٍّ، و

(ب) مُعدَّلُ تضخُّمٍ منخفضٍ، و

(ج) رصيدٌ إيجابيٌّ لميزانِ المدفوعاتِ، و

(د) معدَّلُ بطالةٍ منخفضٍ؛ لذلك فإنّ (التعويمَ الحرّ هو الحلُّ العمليُّ لتصحيحِ الخللِ بين العَرضِ والطلبِ)؛ وإلّا فإنّ السوقَ غيرُ النظاميةِ ستأخذُ دورَها لتصحيحِ أيِّ خَلَلٍ، والتصحيحُ قد يمرّ بمراحلَ (مُؤذيةٍ للناسِ، ومُضرَّةٍ بمصالحِهم) وهذا ما يجبُ تجنُّبُه.

وعليه فإنّ تَرْكَ التسعيرِ- التدخّلَ- واللجوءَ إلى تعويمِ سعرِ صرفِ النقدِ تعويماً حُرّاً، مع اللجوءِ إلى التدخُّلِ بإجراءاتٍ مباحةٍ لمنعِ التلاعبِ يُحقِّقُ رعايةَ البنكِ المركزيِّ للأسواقِ للمحافظةِ على ظروفِ عَرضٍ وطَلَبٍ عادلةٍ تُبقيها ضمنَ ما يُسمَّى بـ(الظروفِ الطبيعية). والرعايةُ شأنُ السوياتِ الإداريةِ كافّةً في المجتمعِ، يقولُ رسولُ الهُدى صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مَسؤولٌ عن رَعيَّتِه؛ فالإمامُ راعٍ، وهُوَ مَسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرَّجُلُ راعٍ في أهلِهِ، وَهوَ مَسؤولٌ عن رعيّتِه، والمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زَوجِها، وهيَ مَسؤولةٌ عن رعيَّتِها، والخادمُ راعٍ في مالِ سيِّدِه، وهُو مَسؤولٌ عن رعيَّتِه، والرَّجلُ راعٍ في مالِ أبيه وهو مَسؤولٌ عن رعيَّتِه، فكلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِه (صحيح الجامع).

فليتقِ اللهَ عزَّ وجلَّ الناسُ جميعاً على حدٍّ سواء:

• الموظَّفونَ الحُكوميونَ؛ لأنَّهُم أجراءُ عند حُكوماتِهم ورعاةٌ لأموالِها، والحكوماتُ تعملُ بنظريةِ الوكالةِ عن الناسِ وهي أجيرةٌ عِندهُم،

• التجَّارُ: كالمصارفُ والمؤسساتُ والشركاتُ والمستثمِرينَ الأفرادِ،

• المُشترونَ والبائِعونَ، الذين لا يغلبُ على سُلوكِهم امتهانُ التجارةِ.

فجميعُهم رعاةٌ مسؤولونَ، ولابُدَّ أنَّهُم مَوقُوفونَ أمامَ اللهِ عزَّ وجلَّ وهو سائِلُهم عن كلِّ شيءٍ ولو بلغَ مثقالَ ذَرَّةٍ، يقولُ جلَّ في عُلاهُ: (وَقِفُوهُمْ ۖإِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴿٢٤﴾ (الصافَّات)، ويقولُ جلَّ جَلالُهُ أيضاً: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾ (الزلزلة).

@ giem 2016

الأربعاء, 25 أيار/مايو 2016 06:21

الزكاة على من غلب على الظن أنه من أهلها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

يحصل أن يجلس الكثير من في ظاهره الفقر والمسكنة عند أبواب المساجد أو الأسواق ونحوها، وقد يرغب أحدنا في دفع زكاة ماله إليهم، وهو غير متقين من أنهم من أصناف الزكاة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، فهل في هذه الحالة يصح دفع الزكاة لهؤلاء؟

الصحيح في هذه المسألة أنه يجوز للإنسان أن يعطي زكاته المالية، وزكاة الفطر من يغلب على ظنه أنه من أهل الزكاة، حتى وإن ظهر أنه ليس من أهل الزكاة، فإن الزكاة مقبولة، والدليل على ذلك الحديث الوارد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق الليلة على زانية. فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته، فوضعها في يدي غنيٍّ، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني، فأتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، أما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله» .

ففي هذا الحديث دليل على أن الرجل إذا أخرج صدقته على من يغلب على ظنه أنه من أهل الزكاة فإنها تجزئه، ولو تبين له فيما بعد أن ليس من أهل الزكاة.

ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العلامة ابن عثيمين (18/ 354-355) بتصرف.

@ fiqh.islammessage 2016

 

ashkra economec1125

 

60r8s90j

 

jjbb2012210 copy